الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع سبب نزول آية المحيض رداً على استفسار الصحابة، مبيناً أن الحيض أذى يوجب اعتزال الجماع فقط دون سائر المخالطة، خلافاً لتشدد اليهود. ويستدل بحديث النبي ﷺ: «افعلوا كل شيء إلا النكاح» لتبيين شمول الإباحة لغير الوطء.
يبين المقطع سبب غضب النبي ﷺ من تشدد الصحابة في مخالفة اليهود، مؤكداً أن الاعتزال الواجب مقصور على وطء الفرج فقط. ويجوز المباشرة والملامسة والنوم مع الحائض فيما دون الفرج ثبوتاً بالأحاديث الصحيحة والحسنة.
يشرح المقطع أن النهي منصب على الجماع وحده مع جواز ما دونه واستحباب الاتزار، مبيناً أن التطهر الوارد في الآية يعني الاغتسال بعد انقطاع الدم. ويستعرض أقوال العلماء كابن عباس والإمام أحمد في وجوب الاغتسال قبل الحل والفرق بين أول الحيض وآخره في الكفارة.
يناقش المقطع كفارة من وطئ حائضاً بأنها دينار أو نصف دينار عند الإمام أحمد وابن عباس، ويقرر جواز الجماع بعد انقطاع الدم والاغتسال حصراً. ويؤكد عدم حل الوطء قبل الغسل حتى مع انقطاع الدم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. قال رحمه الله: يخبر تعالى عن سؤالهم عن المحيض، وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض كما كانت قبل ذلك أم تجتنب مطلقاً كما يفعله اليهود، فأخبر تعالى أن الحيض أذى، وإذا كان أذى فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده، ولهذا قال: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾. فإن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن المحيض، المرأة الحائض إذا جاءها الحيض فهل تعتزل كما يعتزل اليهود؟ اليهود إذا حاضت المرأة لا يؤاكلونها ولا يجالسونها ولا يباشرونها، فهل يفعل ذلك مع المرأة؟ فقال ربنا جل وعلا: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾، أي ما دامت المرأة لا يتغير منها شيء إلا هذا الدم الذي يخرج منها وهو هذا الأذى، فاعتزلوا النساء في ذلك المحل. ولهذا جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «افعلوا كل شيء إلا النكاح»، أي إلا الجماع، فإنه لا يجوز أن يجامع الرجل امرأته في حيضها، وهذا حرام كما ذكر الله عز وجل. ولما قال أسيد بن حضير وعباد بن بشر للنبي عليه الصلاة والسلام: إن اليهود لا يجامعون النساء في المحيض، ألا نجامعهن؟ غضب النبي عليه الصلاة والسلام، لأن الله عز وجل قد حرم هذا الأمر، فهم رضي الله عنهما إنما أرادا مخالفة اليهود لما رأوا أن الله عز وجل قد شرع أشياء كثيرة مخالفة لليهود، حتى قال اليهود: ما ترك هذا الرجل شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه، فقال ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك لأنه معارضة لحكم الله الذي قد أنزله. ثم إنه أرسل إليهما بلبن، عليه الصلاة والسلام، حتى يعلم أنه عليه الصلاة والسلام لم يجد عليهما شيئاً، أي لم يغضب عليهما وإنما غضب على هذا الكلام، ثم كأنه سامحهما فأرسل إليهما لبناً. وقوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾، فالاعتزال للنساء في المحيض فقط في مكان الحيض، وأما المؤاكلة والمجالسة والمشاربة فهذا جائز، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يضع رأسه أو ينام في حجر عائشة وهي حائض، بل إنه كان يباشرها وهي حائض، يباشرها فيما دون الفرج. وجاء في حديث أسامة بن زيد عند أحمد والترمذي وهو حديث حسن أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن مجامعة الحائض، قال: «ما فوق الإزار»، والإزار هو ما يكون بين الركبة والسرة. وجاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجامع أحد نسائها وهي حائض ألقى على فرجها شيئاً، فدل على أن هذا الأمر يجوز، أي أن يجامع بدون إزار، لكن الأفضل أن تتزر المرأة، هذا الأفضل، وإن تركت ذلك فهو جائز. قال رحمه الله: وإذا كان أذى فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده، ولهذا قال: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾، أي مكان الحيض وهو الوطء في الفرج خاصة، فهذا المحرم إجماعاً، وتخصيص الاعتزال في المحيض يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها في غير الوطء في الفرج جائز. لكن قوله جل وعلا: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ يدل على ترك المباشرة فيما قرب من الفرج، وذلك فيما بين السرة والركبة ينبغي تركه، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض أمرها أن تتزر، أيضاً هذا في البخاري ومسلم، وجاء أيضاً في البخاري ومسلم ما ذكرناه قبل فيباشرها. وكما قلنا: الاتزار يكون ما بين السرة إلى الركبة، وبعض العلماء يفصل: إذا كان في بداية الحيضة فالمرأة تتزر، وإذا كانت في نهايتها لا بأس، لكن الصحيح أنه لم يأتِ نهي عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «افعلوا كل شيء إلا النكاح»، فالذي هو محرم هو إتيان المرأة في موضع الحرث وموضع الولد في وقت الحيض، وأما غيره فهو ليس محرم، لكن الأفضل أن تتزر المرأة حتى يأمن الوقوع في الحرام. قال: وحد هذا الاعتزال وعدم القربان: المحيض حتى يطهر، أن هذه المدة وهي أنه يفارق ذلك المحل حتى تطهر المرأة، أي ينقطع دمها، فإذا انقطع الدم زال المنع الموجود وقت جريانه، الذي كان لحله شرطان: انقطاع الدم والاغتسال منه، فلما قطع الدم زال الشرط الأول وبقي الثاني، فلذا قال: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ أي اغتسلنا، وهذا على تفسير أكثر العلماء، وهو قول جماهير العلماء، على أن المرأة لا يجوز إتيانها بعد حيضها إلا إذا انقطع الدم وكذلك اغتسلت، بخلاف مذهب ابن حزم أو الظاهرية فإنهم يرون التطهر بأي شيء، لكن اتباع السلف وتفسير السلف هو أصح. ولهذا كما قلنا قال ابن عباس في قوله: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ أي اغتسلنا، أي إذا اغتسلت المرأة فيجوز لزوجها أن يأتيها، وأما إذا انقطع الدم ولم تغتسل بعد فلا يجوز له أن يأتيها، وقد جاء عن ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً، والصحيح في الوقف، وبعض العلماء يرجح رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد قال به أيضاً الإمام أحمد رحمه الله: أنه إذا جاءها في فورة الحيض فعليه كفارة دينار، وإذا جاءها في آخر الحيض قبل أن تغتسل فعليه نصف دينار، وجاء الحديث أيضاً في بعض الروايات أن فيه كفارة، وانفرد الإمام أحمد بالقول بالكفارة، وهو كما قلنا قول ابن عباس، وجاء أن الكفارة دينار أو نصف دينار، أن الدينار أربع جرام وربع أو نصفه جرامين وربع، ثمن الجرام. فلذا قال: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ أي اغتسلنا، فالحيض يجوز للرجل أن يأتيها إذا انقطع عنها الدم ثم اغتسلت، فإذا اغتسلت فيجوز له أن يأتيها، فإذا لم تغتسل لا يأتيها حتى تغتسل، فهذا خلاصة ما في تفسير هذه الآية، إن شاء الله نذكر تتمة هذه الآية في درس لاحق. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر اغتسل