الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آية "نساؤكم حرث لكم" موضحاً أن الحرث هو القبل موضع الإنجاب لا الدبر، مستدلاً بالآية وإجماع العلماء وأحاديث النهي واللعن على تحريم الوطء في الدبر. كما يبين أن مباشرة الزوجة بنية الاحتساب وطلب الذرية الصالحة وأداء الحق الشرعي من القربات والطاعات، مستشهداً بحديث "وفي بضع أحدكم صدقة".
يؤكد المقطع أن تقوى الله تقتضي علماً بالحلال والحرام لامتثال الأمر واجتناب النهي، ويذكر بلقاء الله والجزاء على الأعمال. كما يبين أن البشارة للمؤمنين عامة في الدارين تشمل كل خير واندفاع ضرر، مما يدل على محبة الله لهم واستحباب تشويقهم بالوعد بالجزاء.
توضح الآية أن متاع الدنيا كالنساء وغيره مؤقت وفانٍ، بينما النعيم المقيم في الآخرة أعظم وأفضل للمؤمنين الذين يتقون الله ويعملون الصالحات، مبشرة إياهم بمتاع عظيم في الدار الآخرة جزاء تقواهم وأعمالهم الصالحة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾ [البقرة: 223]، قال: أي مقبلة ومدبرة، غير أنه لا يكون إلا في القبل، لكونه موضع الحرث، وهو الموضع الذي يكون منه الولد. وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر؛ لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه الحرث. وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في تحريم ذلك ولعن فاعله. وقد ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله عدة أحاديث تبين تحريم هذا الأمر. وأيضًا قد ذكر الإمام النسائي في الجزء الذي ألفه في «عشرة النساء» من السنن الكبرى، ذكر أيضًا أحاديث كثيرة، بمجموعها تدل على أن هذا النهي له أصل عن النبي عليه الصلاة والسلام، أي أنه نهى عن إتيان المرأة في دبرها. وإنما أجاز الله عز وجل وحث على إتيان المرأة في موضع الحرث: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾. والحرث هو موضع الولد، عني الحرث: المكان الذي يزرع منه، وهكذا المرأة: حرثها مكان خروج الولد، عني مكان الولادة. فلذلك فهو هنا ليس فيه دليل على إتيان المرأة في دبرها. وقد جاء عن نافع أنه ذكر ذلك عن ابن عمر، وفهم خطأ، وبعضهم يقول إنه صحيح، ولكن الأحاديث كما قلنا متكاثرة على التحريم، الله أعلم. وقد قال بذلك أكثر العلماء. ﴿ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ﴾ [البقرة: 223]، أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات، ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته ويجامعها على وجه القربة والاحتساب، وعلى رجاء تحصيل الذرية التي ينفع الله بهم، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وفي بضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام، ألم يكن عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر». فإذا تقرب العبد إلى ربه حتى بمجامعة امرأته مباشرة، يكون ذلك قربة؛ لأجل أنه يحتسب ذلك على أنه رجاء تحصيل الذرية التي ينفع الله عز وجل بهم. وكذلك أيضًا أنه يحتسب أن هذا حق من حقوق المرأة، الحق الشرعي. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 223]، أي: في جميع أحوالكم، كونوا ملازمين لتقوى الله، مستعينين على ذلك بعلمكم؛ إن تقوى الله عز وجل تحتاج إلى علم: علم بالحلال والحرام، علم بما أمر الله حتى يمتثل، وبما نهى الله حتى يجتنب. فالتقوى هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه. ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ﴾ [البقرة: 223]، ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها. ثم قال جل وعلا: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 223]، أي: لم يذكر المبشر به ليدل على العموم، أي أن لهم البشارة في الدنيا والآخرة. فلم يذكر ربنا سبحانه وتعالى ما هو المبشر به، فقال: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، أي: إذا لقوا الله عز وجل بشرهم بالخير الذي يجازيهم به ربهم سبحانه وتعالى إذا اتقوا الله وقدموا لأنفسهم بالأعمال الصالحة. قال: لم يذكر مبشرًا به ليدل على العموم، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وكل خير واندفاع كل ضير رتب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة. والمراد: أنه الثواب الذي يجازيهم الله عز وجل به. قالوا: فيها محبة الله للمؤمنين، ومحبة ما يسرهم، واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما وعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي. فإذا لما ذكر أنه جعل لهم في الدنيا من المتعة النساء، ذكر ربنا جل وعلا أن ما يكون من المتعة والنعيم المقيم في الآخرة أعظم وأفضل، وأيضًا تكون له البشرى العظيمة لهذا المؤمن. فجعله الله عز وجل يتمتع في هذه الدنيا بمتعة النساء وغيره، وكذلك له متع عظيم ونعيم عظيم يبشر به إذا اتقى الله وقدم لنفسه أعمالًا صالحة. فهذا معنى الآية، والله تعالى أعلم.