كتاب الصلاة 57

كتاب الصلاة 57

الدرس في كتاب الصلاة 57، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحريم المرور بين يدي المصلي واستثناءات السترة

حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من المرور بين يدي المصلي، مع توضيح أن وجود سترة يحمي صلاة المصلي. هذا التحريم لا ينطبق إذا كان المصلي في مكان يمر به الناس عادة.

استحباب القرب من السترة وتحري المواضع الفاضلة

استحباب القرب من السترة أثناء الصلاة وتحري المواضع الفاضلة في المسجد للصلاة فيها، كما كان يفعل سلمة بن الأكوع اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

أثر السترة على قطع الصلاة وتفسير الحديث النبوي

وجود سترة بحجم مؤخرة الرحل يحمي صلاة المصلي من البطلان عند مرور الحمار والمرأة والكلب الأسود، مع اختلاف العلماء في تفسير "قطع الصلاة" بين نقصان الأجر وبطلان الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، المعروف بمصنف الحجاج القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد الجهني أرسله إلى أبي جهيم يسأله: ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأبو جهيم هذا هو عبد الله بن الحارث بن الصمة، وليس هو صاحب حديث الخميصة الذي هو أبو جهم، ذاك اسمه عامر بن حذيفة، قال: يسأله ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المار بين يدي المصلي؟ قال أبو جهيم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه». قال أبو النضر: لا أدري، أربعين يوما أو شهرا أو سنة. قال: وحدثنا عبد الله بن هاشم بن حيان العبدي، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد الجهني أرسل إلى أبي جهيم الأنصاري: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول؟ فذكر بمعنى حديث مالك. هذا الحديث حديث أبي جهيم في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه»، فيه بيان إثم المرور بين يدي المصلي. المرور بين يديه يعني الموضع الذي بينه وبين السترة، أو مقدار ذلك. لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه يعني من الإثم والمؤاخذة، لكان أن يقف أربعين يعني ينتظر ولا يتعجل فيمر بين يديه. لو يعلم الذي عليه من الإثم، لكان أن ينتظر ويتأنى ويقف أربعين. ولم يقل أربعين ماذا؟ قال أبو النضر: لا أدري أربعين يوما أو شهرا أو سنة. لو جعلنا أقلها أربعين يوما، بل أربعين ساعة، أقل من ذلك، لكان خيرا له من أن يتعجل ويمر بين يدي المصلي. وهذا يدل على عظم هذا الإثم. هو المرور بين يدي المصلي، فهذا يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي، أن محرما لا يجوز للمسلم أن يمر بين يدي أخيه المسلم وهو يصلي، حتى ينتهي من صلاته، أو ينظر له مكانا آخر يمر منه، ولا يتساهل في مثل هذا الأمر، فإثمه عظيم. إلا إذا كان هذا المصلي صلى في مكان هو محل مرور الناس، فحينئذ لا حرمة له. من صلى مثلا في طريق الناس، وهكذا من يصلي عند المطاف، بعض الناس لجهلهم إذا أكمل الطواف يريد أن يصلي عند المقام، فيأتي يصلي في محل طواف الناس ومرور الناس، وهذا خطأ. فعله هذا كونه يصلي في هذا الموضع الذي يطوف منه الناس، لا حرمة له في ذلك، ولو مر الناس بين يديه، فليس عليهم شيء. الذي ينبغي أن يبتعد ويصلي في مكان بعيد، إذا استطاع أن يبتعد ويصلي خلف المقام فذاك، وإلا صلى في أي موضع من الحرم، وليس عليه شيء. أما كونه يصلي في محل طواف الناس ومرور الناس، فهذا خطأ. قال رحمه الله: حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا ابن أبي حازم، قال: حدثني أبي، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر الشاة. كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار يعني موضع السجود، موضع سجود النبي عليه الصلاة والسلام، وبين الجدار ما يمر شاه، يعني قدر ما تمر منه الشاة. وهذا فيه أن المصلي إذا صلى إلى سترة، فإنه يدنو ويقترب، يقترب من السترة حتى يكون بين محل سجوده وبين هذه السترة قدر ما يمر شاه، أو نحو شبر، أو نحو ذلك. ففيه استحباب القرب من السترة عند الصلاة إليها. قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن المثنى، واللفظ له، قال إسحاق: أخبرنا، وقال ابن المثنى: حدثنا حماد بن مسعدة، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، أنه كان يتحرى موضع مكان المصحف يصلي فيه، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة. هذا الحديث في أن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه كان يتحرى موضع مكان المصحف، أي مكان الصندوق الذي يوضع فيه المصحف، يصلي فيه يعني يصلي النافلة. ثم ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتحرى ذلك المكان للصلاة فيه، فحصل الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام بذلك. وهذا فيه جواز أن يصلي الإنسان في موضع في المسجد ويتحرى الصلاة فيه، إذا كان في ذلك فضيلة أو حاجة. يعني كون الإنسان يجلس في مكان معين من المسجد ويتحرى ذلك، إذا كان في ذلك فضيلة فلا بأس، أو كان في ذلك حاجة، يكون في ذلك حاجة كأن مثلا يجلس في ذلك الموضع لأجل التدريس، أو كونه يعلم القرآن مثلا، أو ذلك مجلس الإفتاء، أو نحو ذلك، فلا بأس. أما إن لم يكن هناك حاجة وليس هناك فضيلة، فإنه لا ينبغي له أن يتحرى موضعا معينا في المسجد يصلي فيه. ولذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يستوطن الرجل المكان من المسجد كما يستوطن البعير، فهذا يحمل على أنه إذا كان لغير حاجة، وكذلك لغير فضيلة. قال: وكان بين المنبر والقبلة قدر ما يمر الشاة. كان بين المنبر، أي منبر النبي عليه الصلاة والسلام، والقبلة، أي الجدار، كان بينهما قدر ما يمر الشاة، يعني لم يكن المنبر ملاصقا بالجدار، بل كان بينهما قدر ما يمر الشاة. قال الإمام النووي رحمه الله: وذلك حتى لا ينقطع نظر أهل الصف الأول بعضهم عن بعض، فجعل هذا القدر بين المنبر وبين الجدار. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: يزيد بن أبي عبيد أخبرنا، قال: كان سلمة يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت له: يا أبا مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها. الأسطوانة يعني السارية، الأسطوانة هي السارية. فكان سلمة رضي الله عنه يتحرى الصلاة عند هذه السارية، فلما سئل عن ذلك أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى الصلاة عندها. والمقصود من هذا الحديث هو جواز اتخاذ السترة، ولو كانت السترة سارية، ولو كانت سارية يصلي إليها. وفي أنه يجوز أن يصلي إلى السارية ويصمد إليها، يعني يجعلها أمامه. وأما ما ورد في الحديث في النهي عن ذلك، وأنه لا يصمد إليها، وإنما يصلي عن جانبيها، أي عن يمينها أو شمالها، فهو حديث ضعيف لا يصح. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، قال: وحدثني زهير بن حرب، بمعنى حديث إسماعيل بن علية. ومعنى «حاء» تحويل السند، يعني يحدث عن شيخ آخر غير الأول، يحول السند إلى شيخ آخر، وقد يأتي بمعنى اختصار، اختصار السند، أو اختصار الحديث. إذا ذكر السند كاملا فقال إلى النبي صلى الله عليه وسلم «حاء» يعني الحديث اختصارا للحديث. قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود». قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان». قال: وحدثنا شيبان بن فروخ، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، «حاء». وقال: وحدثنا محمد بن المثنى، ومن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، «حاء». وقال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، «حاء». وقال: وحدثنا إسحاق أيضا، قال: أخبرنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت سلمة بن أبي الذيال، «حاء». وقال: وحدثني يوسف بن حماد المعني، قال: حدثنا زياد البكائي، قال: عن عاصم الأحول. كل هؤلاء عن حميد بن هلال، بإسناد يونس، كنحو حديثه. هذا الحديث لأبي ذر رضي الله عنه، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المصلي إذا قام يصلي وبين يديه مثل مؤخرة الرحل، مؤخرة الرحل الخشبة التي تكون في آخرة الرحل التي يستند عليها الراكب، يعني هذا هو مقدار السترة المجزية، قدر مؤخرة الرحل، وهي قدر ثلثي ذراع، وقد تكون أقل من ذلك بقليل. فإذا صلى الإنسان وبين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإنه لا يضر مرور هذه الأمور الثلاثة: الحمار، والمرأة البالغة لبعض الروايات، والمرأة الحائض، يعني المرأة البالغة، والكلب الأسود، إذا مرت هذه الأمور، هذه الأشياء الثلاثة، ما بينه وبين السترة، أو ما بعد السترة، لا يضر بصلاته. إذا مرت من خلف السترة، فإن صلاته صحيحة. وإذا صلى إلى غير سترة، ومرت هذه أحد هذه الأمور الثلاثة، فإنها تقطع صلاته. فإنها تقطع صلاته. والمراد بالقطع: جمهور أهل العلم أن المراد بالقطع يعني النقصان في الأجر والثواب. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بالقطع هو البطلان، أن المراد به بطلان الصلاة. وهو الصحيح أن هذه الثلاثة إذا مرت، أو مر بعضها على المصلي وهو يصلي إلى غير سترة، فإنها تقطع صلاته وتبطل صلاته. فإذا السترة تقي المصلي من بطلان الصلاة. السترة تقي المصلي من بطلان الصلاة من مرور هذه الثلاثة، وهي الحمار، والمرأة البالغة، أما الصغيرة فلا يضر، لأن القيد في الأحاديث بالمرأة الحائض، وكذلك الكلب الأسود دون غيره من الكلاب. فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال: «الكلب الأسود شيطان»، يعني فيه شر أكثر من غيره من الكلاب، فلذلك خص بالذكر دون غيره. إذن هذه الثلاثة الأشياء تقطع صلاة المصلي إذا كان يصلي إلى غير سترة، وأما إذا صلى إلى سترة، فإنها لا تضر بصلاته. وهذا فيه بيان يعني فضل السترة، وأنها تحمي صلاة المصلي من البطلان بمرور هذه الأشياء الثلاثة. قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا المخزومي، قال: حدثنا عبد الواحد، ومن زياد، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، قال: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل». يقي ذلك يعني يقي من القطع أن يصل الإنسان إلى سترة مثل مؤخرة الرحل. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة... نترك هذه الفائدة إن شاء الله في المجلس القادم بإذن الله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.