شرح مختصر سيرة الرسول 98

شرح مختصر سيرة الرسول 98

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 98، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تخلف أبي ذر عن جيش تبوك ومناقشة حديث وفاته

يسرد المقطع قصة تخلف أبي ذر رضي الله عنه عن جيش تبوك بسبب تعطل بعيره فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ماشياً، ويناقش الشيخ صحة حديث "يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده" مبيناً أن زيادته بعد تعرف الصحابة عليه ضعيفة غير ثابتة في الصحيحين.

بشارة النبي لأبي ذر ووفاته في الفلاة بحضور المسلمين

تخبر زوجة أبي ذر عن بكائها لموته في فلاة فيبشرها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن موته في فلاة وتشهده عصابة من المسلمين، ويتحقق ذلك حين يمر رجال فيعرفونه فيكفنونه ويشهدون موته.

صلح تبوك مع أهل أيلة وجرباء وأذرح وبعث خالد بن الوليد

يذكر المقطع أحداث صلح تبوك حيث صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل أيلة وجرباء وأذرح على الجزية، وبعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فقبض عليه أثناء صيده ثم صالحه على الجزية وأطلقه.

خاتمة الدرس والاكتفاء بما طرح

يختتم المتحدث الجلسة العلمية معلناً الاكتفاء بما تم طرحه في المجلس، مفوضاً أمر العلم كله لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فنازلنا في ذكر أحداث غزوة تبوك. قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: قال: ثم سار -أي النبي صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كان ببعض الطريق جعلوا يقولون: تخلف فلان، فيقول: «دعوه، فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه». وهذا فيه أن المتخلف هو أحد أمرين: إما أنه تخلف لعذر فلا حرج عليه، وإما أنه تخلف لبعض حاجاته وهو من المؤمنين الصادقين، فلا شك أن إيمانه سيدفعه إلى اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون من المنافقين، فهؤلاء جلوسهم وتخلفهم خير للمسلمين من خروجهم، لأن الله عز وجل قال في شأنهم: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾، لأنهم لا يقاتلون عن إيمان وصدق ودفاع عن الإسلام والمسلمين، وإنما يقاتلون نفاقاً ورياءً، والعياذ بالله. قال: وتلوم على أبي ذر بعيره، ومعنى «تلوم» يعني لم يكن منطلقاً، فعجز عن السير أو أبطأ عن السير. قال: فلما أبطأ عليه أخذ متاعه على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشياً. وهذا دليل الصدق، وإلا فلو تعذر بهذا العذر عند تخلفه لكان عذراً شرعياً لأنه لم يجد الراحلة، ولكنه لقوة إيمانه ولصدقه رضي الله تعالى عنه ترك بعيره وأخذ متاعه على ظهره وانطلق يمشي على قدميه حتى لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي، وهذا هو حال الصادقين. قال: ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، لأنه لما يمشي عليه الصلاة والسلام لبعد المسافة فإنه يتنقل، فيمشي ثم ينزل في موضع للراحة والنوم، ثم يمشي، وهكذا ينزل عدة منازل في سفره. ففي إحدى هذه المنازل نظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا ذر». فلما تأملوه قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر. وهذا من وحي الله عز وجل نبيه، فإن عين البشر لا ترى ولا تميز في هذه المسافة البعيدة، لأن الصحابة لم يميزوه، وإنما ميزه رسول الله، وما ذاك إلا لوحي الله عز وجل له. فقال -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده». وأصل هذا الحديث -أو أصل هذا الحديث- في صحيح مسلم، لكن إلى قوله في هذا الحديث: «قالوا يا رسول الله، والله أبو ذر»، إلى هنا هذا الحديث في صحيح مسلم. وأما قوله: «رحم الله أبا ذر» إلى آخره، فهذا لم يثبت ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ضعفه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فالصحيح من هذا الحديث إلى قوله: «يا رسول الله، هو والله أبو ذر»، هذا الذي في صحيح مسلم. وأما الزيادة فقد أخرجها الحاكم في مستدركه، ولكنها زيادة ضعيفة. قال: وفي صحيح ابن حبان، ورواه كذلك -روى هذا الحديث الذي سيأتي في صحيح ابن حبان- الإمام أحمد، وحسنها الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، وهي بمجموع طرقها حسنة رحمه الله تعالى، وهي قصة مشهورة في وفاة أبي ذر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: وفي صحيح ابن حبان عن أم ذر قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت. ومعنى «حضرت» يعني ظهرت علامات الوفاة، وهي علامات الاحتضار، وهذا مثل حديث المغيرة بن شعبة أو حديث المسيب بن حزن لما قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء النبي صلى الله عليه وسلم إليه»، فمعنى «حضرت» يعني ظهرت علامات الوفاة من علامات الاحتضار ونحوها. قالت: بكيت، فقال -أي أبو ذر-: ما يبكيك؟ قالت: فقلت: وما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض، وليس عندي ثوب يسعك كفن، ولا يدان لي في تغيبك. يعني معنى كلامها أن أبا ذر كان في فلاة من الأرض، والفلاة هي الأرض التي ليس فيها أنس ولا أحد، بل هي مكان خال من الأنس، فلم يكن في هذا الموضع إلا أبو ذر وزوجته. وأما قولها: «وليس عندي ثوب يسعك كفن»، أي لفقري أبي ذر ما عنده من الثياب ما يكفن بها إذا مات. وأما قوله: «ولا يدان لي في تغيبك»، يعني إذا مت فمن الذي يقوم علي؟ فليس هناك من يقوم علي بعد وفاتك. فماذا قال لها أبو ذر؟ فقال: «أبشري ولا تبكي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول لنفر وأنا فيهم»، يعني كانوا جماعة عند النبي عليه الصلاة والسلام وأبو ذر منهم، من هؤلاء الجماعة يقول هذا القول الذي فيه بشارة لأبي ذر. قال: «يقول لنفر وأنا فيهم: ليموتن رجل منكم» -يخاطب هؤلاء النفر الذين عنده- «بفلاة من الأرض، يشهده عصابة من المسلمين». وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجمع، فأنا ذلك الرجل. يعني أن النفر الذين كانوا معه، وهذا من شدة تحري وهكذا ترقب أبي ذر لصدق ما قال النبي عليه الصلاة والسلام، ومعرفة هذا الرجل، فهو يرجو أن يكون هو هو. فالنفر الذين كانوا معه كلهم قد ماتوا، ولم يمت أحد منهم بفلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «واحد منكم يموت بفلاة»، يعني مكان ليس فيه جماعة وليس فيه ناس، فكلهم ماتوا في الجماعة وفي القرى، فلم يبق إلا هو أبو ذر، فرجا أن يكون هذا هو الرجل الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو الآن في فلاة وقد جاءه الأجل، بقي شهود عصابة من المسلمين. بقي شهود عصابة من المسلمين، ولذلك ماذا قال في هذا الحديث؟ قال: «فوالله ما كذبت ولا كذبت»، يعني ما أنا بمن يقول الكذب، ولا أنا بمن يكذب، يعني ما أنا أقول الكذب، ولا كذلك إذا قلت شيئاً كذبني السامع، كذبني السامع، فأنا صادق لا أقول إلا الصدق. «ما كذبت ولا كذبت» يعني إذا أخبر بخبر لا يكذبه السامع. قال لها: «فأبصري الطريق»، يعني اذهبي، فإن الأمر الآخر الذي ذكر في الحديث لعله يتحقق، وهو شهود عصابة من المسلمين. قال: فقال لها: «فأبصري الطريق». قالت: فكنت أشتد إلى الكثيب أتبصر، يعني تذهب وتنظر لعل جماعة وعصابة من المسلمين يمرون، ثم أرجع فأمده. فبينا أنا وهو كذلك إذا أنا برجال على رحالهم، يعني عصابة على رواحلهم، كأنهم الرخم تخب بهم رواحلهم. والرخم طائر يقال له الرخم، فالمعنى كأنهم مثل هذا الطير تخب بهم رواحلهم، والخبب نوع من العدو والمشي بسرعة، وهذه لغة دارجة عندنا، يقول لك: فلان يخب، أي يمشي سريعاً ويعدو عدواً. قالت: كأن هؤلاء عند مشيهم مثل الطائر الذي يجري أو يسرع في طيرانه. قالت: فأشرت إليهم، يعني أشرت إليهم فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي، فقالوا: يا أمة الله، ما لك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يموت، تكفنونه. قالوا: من هو؟ قلت: أبو ذر. قالوا: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم. وهذا فيه تعظيم التابعين لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبتهم لهم، فلما علموا أنه أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدوه بآبائهم وأمهاتهم، يعني تدافعوا وأسرعوا في خدمته، وكذلك في تلبية طلب زوجته، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه. فقال لهم: «أبشروا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم» وذكر الحديث. وما هو هذا الحديث؟ أن نفراً يموت بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المسلمين. فهذا الحديث فيه بشارة لأبي ذر، وفيه بشارة لهؤلاء العصابة، لهؤلاء الرجال، من أي وجه؟ بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الرجال من أي وجه؟ من يجيب؟ من يجيب؟ نعم، أنهم من المسلمين، فهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء العصابة بالإسلام. فلذلك قال لهم أبو ذر رضي الله تعالى عنه: «أبشروا، أبشروا»، فهي بشارة له وبشارة لهؤلاء الرجال. ثم قال: «وإنه لو كان عندي ثوب يسعني كفناً لي ولامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي»، يعني يقول لهم: أنا ما عندي ما أكفن به، فيطلب منهم كفناً، فلذلك قال: «فإني أنشدكم الله أن يكفني رجل منكم كان أميراً أو عريفاً أو بريداً أو نقيباً»، يعني سواء كان من علية القوم أو ممن هو دون ذلك. فالأمير هو الحاكم والرئيس لهم، والعريف هو من يكون مندوباً لجماعة من شعب ذلك الأمير، من شعب ذلك الأمير، كأن يكون مثل عاقلهم وكذلك مندوبهم للتفاوض والتفاهم مع الأمير، والبريد هو الذي يوصل الرسالة ويكون واسطة في إرسال الرسائل بين الأمير وبين غيره. قال: «وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال، إلا فتى من الأنصار قال: يا عم، أنا أكفنك في ردائي هذا». يعني كلهم لم يستجب لأبي ذر إلا هذا الأنصاري، وافق أن يعطيه كفناً، فأعطاه رداء له. قال: «وفي ثوبي في عيبتي من غزل أمي». قال: «وفي ثوبي في عيبتي من غزل أمي»، يعني أن هذا الثوب غزلته أمه، فأنت تكفنني. فكفنه الأنصاري، وأقام عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان. وكما تقدم أن هذا الحديث يحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله، وفيه علم من أعلام النبوة، إذ فيه إخبار عن أمر غيبي مستقبل فوقع كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فمات أبو ذر في فلاة من الأرض، وشهد جنازته هؤلاء النفر من المسلمين. قال: ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، أتاه صاحب أيلة، وهي بلد من نواحي بلاد الأردن، فصالحه وأعطاه الجزية، يعني أن يبقى في بلاد المسلمين مقابل أن يدفع الجزية للمسلمين، ولم يسلم. وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية، وهي أيضاً مواضع من بلاد أهل الأردن. وهذا الحديث في صحيح مسلم، في صحيح الإمام مسلم، أي مصالحة هؤلاء للنبي عليه الصلاة والسلام وإعطاؤه الجزية. قال: وكتب لهم كتاباً فهو عندهم. قال: ثم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة، وقال لخالد -وهذه كلها مناطق حول تبوك-: «إنك تجده يصيد البقر»، يعني أنه مولع بحب صيد البقر، هذا هو من أكيدر دومة. قال: فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، يعني أنه كان ينظر إلى حصن أكيدر، في ليلة مقمرة، يعني في ليلة فيها القمر مضيئاً، يعني إما أن تكون ليلة الثالث عشر أو الرابع عشر أو الخامس عشر أو السادس عشر، هذه الليالي التي يكون فيها القمر مكتمل أو شبه مكتمل. قال: وهو على سطح له، يعني هذا أكيدر، فبانت البقر تحك بقرونها باب القصر. فقالت لهم -رأته-: «هل رأيت مثل هذا قط؟» يعني هل وقع مثل هذا أن البقر تحك باب الحصن أو القصر؟ فقال: «لا والله». قالت: «فمن يترك مثل هذا؟» يعني حادثة أول مرة تقع، فكان الأولى أن تخرج وتنظر ما الخبر وما الأمر. قال: «لا، أحد ما أحد يترك هذا». ثم نزل فأمر بفرسه فأسرج له، أن يوضع عليه السرج، وهو الشيء الذي يوضع على ظهر الفرس قبل أن يركب عليه، وركب معه نفر من أهل بيته. فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي خالد ومن كان معه من المسلمين، فأخذته وقتلوا أخاه، وقدم به خالد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقن له دمه وصالحه على الجزية، ثم خلّى سبيله، فرجع إلى قريته، أنه يبقى في بلاد المسلمين ويدفع الجزية، وتبقى هذه البلاد بلاداً مسلمة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.