الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 31، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
كان الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله من أشد العلماء تعظيماً للسنة النبوية، مقدماً إياها على نفسه وماله وأهله، ومدافعاً عنها بلسانه وقلمه ضد شتى الفرق المخالفة. وبعد وفاته ظهرت البدع وارتفعت رؤوس أهلها، مما يبرز دور العلماء كسد منيع أمام الفتن.
كان الشيخ رحمه الله متمسكاً بالسنة النبوية تطبيقاً وتعظيماً حتى في التفاصيل الدقيقة، رافضاً مخالفتها لأجل مصالح دنيوية. كما كان آية في الزهد والورع، يعرض عن الدنيا ومباهجها، مربياً طلابه على أن مشقة طلب العلم حلاوتها كحلاوة العسل.
يصف المقطع حياة الشيخ في الزهد والقناعة، حيث كان يفضل الفقر في طلب العلم على الغنى الملهي، ورفض الدعم الحكومي والرئاسي مكتفياً بأهل الخير. وكان كريماً معطاءً يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في الجود والعطاء.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى أن الدروس القادمة ستتناول مواقف من كرم الشيخ وصفاته الأخرى، ويختتم بالدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. كما تم ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر في ختام الجلسة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع ترجمة علم من أعلام السنة، وعالم من علماء الأمة، ألا وهو شيخنا الإمام المحدث أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي بن مقبل الوادعي، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وكم يشعر الإنسان براحة، وهكذا يشعر بطمأنينة حين يتذاكر تراجم وسير هؤلاء العظماء، كأنه يعيش معهم، كأنه يعيش معهم. فإن فات البعض مجالستهم ومخالطتهم والدراسة على أيديهم، فهذه صفاتهم، وهذه شمائلهم، وهذه تراجمهم التي نتعرف من خلالها عليهم وعلى صفاتهم الحميدة وسجاياهم الكريمة، فنتأسى بهم، رحمة الله عليهم. ومر معنا بعض الجوانب في حياة الشيخ رحمه الله تعالى، ومن هذه الجوانب أمر عرف به، ألا وهو تعظيمه للسنة. الشيخ رحمه الله تعالى كان عظيماً، كثير التعظيم للسنة، ولعل هذا من أعظم أسباب علو شأنه وبركة علمه، وبركة علمه. فقد كان من أشد الناس تعظيماً للسنة، وكان كثيراً ما يردد علينا عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إنما يرفع الله الشخص بقدر تمسكه بالسنة، إنما يرفع الله الشخص بقدر تمسكه بالسنة». هناك من كان أعلم من الشيخ، من كان أعلم من الشيخ، لكن ماذا لم يرفع المنزلة والرفعة التي نالها شيخنا رحمه الله تعالى؟ ولعل ذلك يرجع إلى ما سبق من التمسك بالسنة، وتعظيم الشخص لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتعظيمه للسنة يتمثل في أمور عدة، منها أنه رحمه الله تعالى كان يعظم السنة أكثر من تعظيمه لنفسه وماله وأهله ودمه إلى غير ذلك. كان كثيراً ما يردد: «أن السنة عنده أغلى من ماله، وأغلى من أهله ودمه». وصدق رحمه الله تعالى، فقد بذل في سبيل نشرها وتعليمها والدعوة إليها والدفاع عنها بذل جل عمره، وكذلكم أيضاً جل جهده. فكان من المدافعين عنها بلسانه وقلمه، وهكذا عاملاً بها، معلماً لها، داعياً إليها. كان يقول رحمه الله تعالى: «أموالنا وأنفسنا وأعراضنا ودماؤنا فداء لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وتعظيمه للسنة هذا أمر لا يخفى على كل من عرفه وعاشره وجالسه، أو سمع أشرطته، أو قرأ في كتبه، رحمه الله تعالى. ومن أجل هذا هابه الكثير من المخالفين للسنة والزائغين عنها. كان الكثير منهم إذا أراد أن ينشر بدعة أو أن يحدث فتنة، يخاف أن الشيخ يرد عليه في شريط، أو يخرج فيه رسالة أو كتاب. فوقف رحمه الله تعالى أمام المخالفين كالأسد المهاب، سواء كان في داخل اليمن أو كان في خارجها، أو كان في خارجها. ومما نقل عنه رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «قولوا لأهل البدع: إنا لكم بالمرصاد، قولوا لأهل البدع: إنا لكم بالمرصاد». ولهذا يا إخوان، لما مات الشيخ رحمه الله تعالى، لما مات الشيخ رحمه الله تعالى، ظهر للبدع قرون، وظهر لها رؤوس يدعون إليها. قال قائلهم: «ذهب زمان الخوف لما مات الشيخ». قال أحدهم: «ذهب زمان الخوف». فمن هذا القائل الذي قال بعد وفاة الشيخ مقبل: «ذهب زمان الخوف»؟ يا أبا تميم، أبو الحسن المصري المأربي، الذي كان من طلاب الشيخ، وكان على جانب من الدعوة إلى السنة، لكن إلى الله المشتكى. لما مرض الشيخ، مرض الرجل، وظهر مرضه، وبدأ يحدث فتن، فلما مات الشيخ قال: «ذهب زمان الخوف»، وأعلنها صريحة، فتنة مزق بها دعوة أهل السنة. وهكذا أصبح قريباً من الحزبيين والتكفيريين، شيئاً فشيئاً، وإذا به يرمي بنفسه في أحضانهم، فيؤسس حزباً سياسياً، وهكذا من المخالفات الشيء الكثير، الشيء الكثير. وبهذا نعلم أيها الأحبة في الله أهمية بقاء العلماء، أنه ليس لأجل العلم ونشره فقط، وإنما العلماء هم سد منيع أمام الفتن، وأمام البدع وأهلها، وأمام البدع وأهلها. والشيخ رحمه الله تعالى كان يدافع عن السنة، فيرد على المخالفين، سواء كانوا من الشيوعيين أو البعثيين أو الناصريين، أو كانوا من الشيعة، أو من الصوفية، أو من الجماعات الحزبية بأنواعها وصورها، كالإخوان المسلمين والسرورية والقطبية، وهكذا جماعة التبليغ، وهكذا غيرهم مما يطول ذكره. وهذا مما جعل أهل البدع والمخالفين يتكالبون على الشيخ، فيشوهون صورته، وهكذا، آه، ماذا، ينفرون عنه ويختلقون الكذبات والافتراءات. وآه، كان الشيخ رحمه الله تعالى يكرر كلمة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، سبق معنا ذكرها، من يذكرها يا إخوان؟ كلمة الشيخ ابن باز في وقيعة أهل البدع والمخالفين في من يدعو إلى السنة. قال الشيخ ابن باز رحمه الله: «أحسنت». قال: «لو استطاعوا أن يرموا الداعي إلى الله عز وجل بأنه يأتي أمه لفعلوا، يقول: فلان يزني بأمه، لو استطاعوا لفعلوا ذلك». أيضاً من تعظيم الشيخ لآية السنة أنه كان يقف عندها فلا يتجاوزها، وهكذا كان يدعو الناس إلى ذلك. فكان لا يخالف السنة إذا استبانت له، إذا استبانت له. وكان كثيراً ما يكرر ما جاء عن بعض السلف: «ندور مع السنة حيث دارت». وهكذا يقول: «دعوتنا من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله إلى سنة رسول الله، إلى سنة رسول الله». فكان رحمه الله تعالى لا تأخذه في الله لومة لائم في أن يرد على المخالفين والمبطلين بعد نصحهم. وهكذا مما يدل على تعظيمه للسنة حرصه على السنة والعمل بها. قل أن يوجد في عصرنا مثله، قل أن يوجد في عصرنا مثله. ومن الأمثلة على ذلك، من الأمثلة على ذلك، أنه كان حريصاً على تطبيق سنة تكاد لا توجد في أي مسجد من مساجد الدنيا. فما هي هذه السنة يا أبا جعفر؟ نعم، سنة الصلاة في النعال. ليس هناك مسجد يصلى فيه بالنعال إلا في مسجده. وكان كثيراً ما يحث طلابه على العمل بهذه السنة، كان يقول: «صلوا يا أبنائي في النعال، فإنكم لا تستطيعون أن تصلوا بها في غير هذا المكان». أتي بفراش جديد لمسجده، فأشار عليه بعض الفضلاء والأخيار: «الفراش جديد، يا حبذ لو ترك الصلاة في النعال لكي لا يتلف الفراش». فالشيخ رحمه الله تعالى كان حريصاً على تطبيق السنة، الفراش ينظف، والسنة تبقى، يبقى العمل، يبقى العمل بها. فكان رحمه الله تعالى، آه، ماذا، كان حريصاً على تطبيق هذه السنة. وهكذا من جوانب حياته، ومن الصفحات المضيئة في ترجمته، كان على جانب عظيم من الزهد والورع. الزهد يا إخوان، الشيخ رحمه الله تعالى كان آية من آيات الله عز وجل في الزهد في الدنيا والورع. فقد عزف عن الدنيا وزهد فيها، عرضت عليه مراراً وتكراراً، فكان يضعها وراء ظهره، وراء ظهره. وقد صال وجال رجال خلفها يلهثون وراءها، والشيخ رحمه الله كانت خلف ظهره. وهذا يظهر جلياً في مراحله التي سبق معنا ذكرها. لما كان في المملكة، كان أقرانه يشتغلون ويجمعون الأموال، ويبنون الدور، ويشترون المراكب الفاخرة، ويلبسون الثياب الفاخرة، بينما الشيخ رحمه الله تعالى كان يعمل بما يسد حاجته، ويصرف بقية وقته في طلب العلم، ويتنقل في حلقات العلماء، ويقنع بالقوت اليسير، يقنع بالقوت اليسير. كما مر معنا في صبره رحمه الله تعالى على طلب العلم، فكان وهو في معهد الحرم، في معهد الحرم في مكة، ذكروا عنه أنه كان يسكن في صندقة مبنية من الزنك. صندقة يعني مثل الصندوق من الحديد أو من الزنك، كان يعيش فيها. وهكذا في المدينة كان يسكن في بيت متواضع أيضاً. وهكذا بعد أن خرج إلى اليمن، بعد أن خرج إلى اليمن، أقبل طلاب العلم عليه، وجاءه شيء من الدنيا. كان التجار يدعمون المركز والطلاب، الشيخ ما كان يلتفت إلى ذلك، ولم يسل لعابه لهذه الدنيا، وإنما كان يسكن في بيت قديم من الطين. بيت الشيخ يا إخوان، من رآه يرى أن هذا الرجل يعيش في زمن الصحابة، في زمن الصحابة. البيت قديم جداً من الطين، والسقف من أشجار الإثل، من أشجار الإثل. تدخل بيت الشيخ فتتعجب من زهده، وتتعجب من ماذا، من عدم رغبته في الدنيا. فأرسل بعض أهل الخير مالاً للشيخ خاصاً به: «هذا لك يا شيخ». طيب لماذا؟ لكي يبني له بيتاً جديداً. لكن الشيخ أخذه وبنى به مسجداً، وصل فيه الطلاب، وتقام فيه الدروس. وهكذا كل ما يأتيه من مال، فيجعله في خدمة الدعوة وحاجات طلاب العلم. وهكذا كانت تربيته لطلابه، كان يربي الطلاب على ذلك، على ذلك. من عباراته التي كان يقولها: «الإفلاس في طلب العلم مثل العسل، الإفلاس في طلب العلم مثل العسل». ما معنى هذا؟ يعني طالب العلم لما تنتهي النقود التي معه، ويصبح ليس معه شيء، لكنه في طلب العلم، هنا يبدأ حياة الفقر والإفلاس، لكنه يشعر بلذة، وتكون عنده همة في طلب العلم. وهذا مجرب يا إخوان، بخلاف ما لو كان عنده فلوس كثيرة، عنده فلوس كثيرة، دائماً يريد السفر، تأجير المكلة، ودائما برست وسنجر ويشعاد ونوم في الفنادق، شبكات ورحلات، وإلى غيرها، يشغل عن طلب العلم. لكن الطالب الفقير: آمن المسجد، إلى السكن، إلى الساحة، يأكل ويرجع. فماذا كان يقول؟ «الإفلاس في طلب العلم مثل العسل». قال: «الحمد لله، إذا وجد العلم، ولو بقي المخبأ شهراً أو شهرين لا يدخله ريال ولا حاجة، الحمد لله، رز وزيت، ويأكل الشخص وهو يضحك مستريح. العبرة هي راحة النفس، ليست العبرة المأكل والمشرب أو الملبس». أكذا يقول رحمه الله تعالى. من ورع الشيخ وزهده، ذكروا أن الأطباء قرروا للشيخ من أجل حالته المرضية: «لابد يأكل لحم، لابد يأكل لحم، يحتاج في اليوم نصف كيلو لحم يأكله». الشيخ ما عنده شيء، قام في الدرس، قام في الدرس، ف، ماذا، في درس الظهر تكلم مع الطلاب، قال: «يا أبنائي، الأطباء طلبوا مني أن يكون، يعني، من ضمن الوجبات لحم، وأنا ليس عندي شيء، فأستأذنكم أن آخذ من مال الدعوة، من مال الدعوة، وأشتري لحم، فإن وافقتم فبها ونعمة، وإن لم توافقوا فأبقى إلى أن يسر الله لي». يا إخوان، هذا رجل كأنه يعيش في غير هذا الزمن، في غير هذا الزمن. في سنة من السنوات، وفي شهر رمضان، طلع أحد الحراس، حارساً مع الشيخ، وهذا الطالب يقول: «اليوم فرصة الإفطار سيكون ماذا؟ الإفطار سيكون دسماً». فلما حان وقت الإفطار، الشيخ ينادي الحارس لكي يفطر معه، فتعجب الحارس، وجد رزاً ناشفاً، ليس هناك دجاج ولا لحم ولا إدام. أكله رحمه الله تعالى، غالباً من قوت طلابي العلم، مثل طلاب العلم. وهذا ليس يوماً أو يومين، كنا هناك، إذا طلع الواحد منا حارساً، فيرى قوت الشيخ من هذا، يرى قوت الشيخ من هذا: رز ناشف، أحياناً قليل دجاج أو شيء من الإدام. وأما العشاء فعبارة عن فول، خبز، أحياناً يكون حليب الإبل، لأنه كان يتعالج به، يتعالج به. طلب رئيس البلاد قديماً أن يجعل مركزه جامعة معتمدة لدى الحكومة، ولها شهادات معتمدة، فرفض الشيخ رحمه الله تعالى، واعتذر منه، اعتذر منه. وهكذا، وهكذا، طلب الرئيس السابق، الرئيس السابق، أن يدعم المركز، أن يدعم المركز، فاعتذر الشيخ، قال: «لا، جزاك الله خيراً». قال: «يا شيخ، من مال الخاص، من مال الخاص». قال: «جزاك الله خيراً». قال: «طيب، من يدعمكم؟» قال: «أهل الخير». قال: «اجعلني واحداً من أهل الخير، اجعلني واحداً من أهل الخير الذين يدعمونكم». قال: «لا، جزاك الله خير»، وأبى أن يأخذ منه شيئاً، أبى أن يأخذ منه شيئاً. فكان رحمه الله تعالى كان عزيزاً، كان عفيفاً، كان قنوعاً، كان زاهداً، كان زاهداً. وآه، ماذا، من عاشره وجالسه أدرك شيئاً كثيراً من ذلك. أيضاً من هذه الجوانب التي هي بارزة في ترجمته وحياته، كرم عظيم كان لدى الشيخ، وهذا الكرم كان مما يضرب به المثل، يضرب به المثل فيه. فكان من أكثر أهل العصر كرماً. وهكذا يا إخوان، هم أهل العلم، لو تذكرون ما مر معنا في ترجمة ابن باز والعثيمين والألباني وغيرهم، كيف كان كرم أولئك، وكيف كان جودهم، وأسوتهم في هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، من لا يخشى الفقر. خرج نبينا صلى الله عليه وسلم ذات يوم وعليه جبة جديدة، فقال أحد الصحابة: «يا رسول الله، أعطني إياها». فدخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته، وخلعها، وماذا؟ فقال الصحابة لهذا الرجل: «سألتَه، وغد، وغد، علمت أنه لا يرد سائلاً». فقال الصحابي: «إنما أردتها أن تكون كفني». فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاها لهذا الرجل. سأله رجل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه مالاً، فأعطاه غنماً ما بين جبلين، غنماً ما بين جبلين. فذهب الرجل عند قومه وهو يقول: «يا قوم، أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر». هذا هو القدوة، رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان علماؤنا رحمة الله عليهم يتأسون بالنبي صلى الله عليه وسلم. يأتي معنا في درس قادم جملة من المواقف والجوانب من كرمه رحمه الله تعالى، وهكذا غيرها من الصفات التي يأتي معنا الكلام عنها. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر