التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 17

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 17

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قصة سلمان الفارسي: بحثه عن الحق وإسلامه وعتقه

يروي المحور قصة سلمان الفارسي منذ بحثه عن الدين الحق ولقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم وتأكده من علامات النبوة. ثم يتناول كاتبة سيده على ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية، وإعانة الصحابة له وبركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى سدد دينه ونال حريته.

روايات سلمان الفارسي ونقد أسانيدها واختلافها

يستعرض المحور عدة روايات عن نشأة سلمان ورحلته إلى الإسلام مع ذكر أسانيدها مثل رواية ابن إسحاق عن عمر بن عبد العزيز. ويناقش النقاد اختلافات الروايات في تفاصيل النسب وحال الأب وقصة الراهب مع تضعيف بعض الأسانيد لانقطاعها أو ضعف حفظ رواتها.

سلمان الفارسي مع الرهبان وبشارة النبي محمد

يرافق سلمان صاحبه للقاء رهبان يعبدون الله بأشد أنواع العبادة ويقيم عند راهب كان أميرًا ترك ملكه. يخبره الراهب ببشارة النبي الخاتم وصفاته من أكل الهدية وعدم أكل الصدقة وخاتم النبوة بين كتفيه، ويأمره باتباعه حتى لو أمره بترك النصرانية.

مناقشة أسانيد الحديث وتضعيف الروايات الواردة

يتناول المحور نقد أسانيد الحديث المذكور حيث يُوصف بأنه منكر وغريب ويُشار إلى أن الرواية السابقة أصح منه. كما يُذكر تفرد مسلمة برواية قصة ابن عباس وضعفها عند الإمام أحمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: في سياق حديث ابن عباس في قصة سلمان، قال: وبعث الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة، لا يذكر لي شيء من أمره. قال: فلما فرغت، قال: كاتب يا سلمان. لما جئت للنبي صلى الله عليه وسلم وتأكدت من العلامات، أنه كان لا يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وأيضا ما كان فيه من خاتم النبوة. ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام جعل سلمان يحكي قصته، قصة سلمان، أو قصة سلمان قصته، للنبي عليه الصلاة والسلام ولأصحابه. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كان الدين في الثريا لناله رجال من هؤلاء». جاء في رواية من أهل فارس، وأشار إلى سلمان، أي: لو كان الدين في السماء، في الثريا، وهو النجم الذي يكون في السماء يضيء، لو كان الدين هناك لناله رجال من هؤلاء، أي بسبب البحث، وكان سلمان باحثا عن الحق حتى وفقه الله عز وجل لذلك. قال: فلما فرغت، قال: كاتب يا سلمان. معنى كاتب: أي اجعل لك، اجعل كتابا بينك وبين سيدك، هذا الذي أخذك؛ لأنهم باعوه لليهود، أو النصارى الذين كان معهم، باعوه لبعض اليهود في المدينة، أو في بعض البلاد، ثم بعد ذلك بيع لرجل من أهل المدينة، بيع لأنه عبد، وهو ليس عبدا بل هو من أبناء الملوك. قال: فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية. فأعانني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنخل، ثلاثين ودية، وعشرين ودية، وعشرة، نعطونه ودية، أي أصل الغرس. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فقرها. قال: فإذا فرغت، معنى يفقرها، أي ليزرعها، فإذا فرغت فأعذني حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي. فقرتها، معنى بعد الفقر، أي بعد أن يخرجها وينبتها، يحفر لها ويضعها في الحفرة، فيقال: فقرتها. قال: وأعانني أصحابي، أي في الحفر، يقول: حفرت لها بموضع حيث توضع، حتى فرغنا منها، وخرج معي، أي النبي صلى الله عليه وسلم، فكنا نحمل إليه الفسيل فيضعه بيده ويسوي عليها، والذي بعثه، ما مات منها ودية واحدة، إنا كلها حيت وطلع الزرع. قال: وبقيت علي الدراهم، فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البيضة من الذهب، فقال: أين الفارسي؟ فدعيت له، فقال: خذ هذه فأد بها ما عليك. قلت: يا رسول الله، وأين هذا ما عليك؟ قال: فإن الله سيؤدي بها عنك، والذي نفس سلمان بيده، لو وزنت لهم منها أربعين أوقية فأديتها إليهم، وعتق سلمان، فإن هذه البيضة التي من الذهب أدت ما كان عليه من المال. قال: حتى فوتتني بدر وأحد، ثم شهدت الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد. إني لم أشهد بدرا واحدا لأنه كان لا يزال عبدا. قال: قوله: قطن النار، جمع قاطن. أنا هنا انتهى الكلام على هذا. قطن النار جمع قاطن، أي مقيم عندها، وهذا يدلك على صبر سلمان رضي الله عنه وبحثه على الحق، وأن الإنسان مهما حصل ما حصل، ما دام أن نيته الإخلاص ونيته الرب جل وعلا ورضاه، فإنه سيوفق، والإنسان متى ما بحث عن الحق تحصله ووفقه الله عز وجل إليه. وقال يونس بن بكير وغيره عن ابن إسحاق: قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال حدثني من سمع عمر بن عبد العزيز، قال: وجدت هذا من حديث سلمان، قال: حدثت عن سلمان أن صاحب عمورية قال له لما احتضر: «بأرض الشام غيضتان، فإن رجلا يخرج من إحداهما إلى الأخرى في كل سنة، الليلة يعترضه ذو الأسقام، فلا يدعو لأحد به مرض إلا شفي». فسأله عن هذا الدين، دين إبراهيم، فخرجت حتى قمت بها سنة، حتى خرج تلك الليلة، وإنما كان يخرج مستجيزا، فخرج وغلبني عليه الناس حتى دخل في الغيضة، حتى ما بقي إلا منكبه، فأخذت به، فقلت: رحمك الله، الحنيفية دين إبراهيم. فقال: تسأل عن شيء ما سأل عنه الناس اليوم، قد أظلك نبي يخرج بأرض الحرم، ويبعث بالسيف. فلما ذكر ذلك سلمان لرسول الله، قال: «لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد رأيت حواري عيسى بن مريم عليه السلام». لكن هذا لا يصح، أولا: أن ابن إسحاق أرسله، وأيضا عمر بن عبد العزيز وجد وجادة، مما على صحته إلى عمر، وقال: مثلما ابن علقمة المازني، حدثنا داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن سلامة العجلي، قال: جاء ابن أخت لي من البادية يقال له قدامة، فقال: أحب أن يلقى سلمان الفارسي، فأسلم عليه. فخرجنا إليه فوجدناه بالمدائن، فهو يومئذ على عشرين ألفا، فوجدناه على سرير منسوج من خوص، فسلمنا عليه. فقلت: يا أبا عبد الله، هذا ابن أخي، ابن أخت، قد قدم علي من البادية، فأحب أن يسلم عليك. قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قلت: يزعم أنه يحبك. قال: أحبه الله. فتحدثنا، وقلنا: يا أبا عبد الله، لا تحدثنا عن أصلك؟ قال: أما أصلي، فأنا من آل رام هرمز، كنا قوما مجوسا، فأتى رجل نصراني من أهل الجزيرة، كانت أمه منا، فنزل فينا، واتخذ فينا ديرا. وهذا لا يناقض ما ذكره أنه من منطقة يقال لها جيد، فهي أيضا من قرب رام هرمز. قال: وأما فصل هنا، أنه رجل نصراني جاء من أهل الجزيرة معنا، فعلت تلك الديرة التي وجدهم فيها. قال: وكنت من كتاب الفارسية، فكان لا يزال غلام معي في الكتاب يجيء مضروبا يبكي، قد ضربه أبواه، فقلت له يوما: ما يبكي؟ قال: يضربني أبواي. قلت: ولم يضربكما؟ قال: آتي صاحب هذا الدير، فإذا علم ذلك ضرباني، وأنت لو أتيت سمعت منه حديثا عجبا. وهذه قصة أخرى عن شيء غير الذي ذكره في ابن عباس، وذاك أوثق، لأن سماك فيه شيء في حفظه. قلت: فاذهب به معك. فأتيناه، فحدثنا عن بدء الخلق، وعن الجنة والنار، فحدثنا بأحاديث عجب، كنت أختلف إليه معه، وفطن لنا غلمان من الكتاب، فجعلوا يجيئون معنا. فلما رأى ذلك أهل القرية، أتوا فقالوا: يا هنه، إنك قد جاورتنا، فلم تر من جوارنا إلا الحسن، وإنا نرى غلماننا يختلفون إليك، ونحن نخاف أن تفسدهم علينا، أخرج عنا. قال: نعم. فقال لذلك الغلام الذي كان يتي: أخرج معي. قال: لا أستطيع ذلك. قلت: أنا أخرج معك، وكنت يتيما لا أب لي. وهذا يخالف ما ذكر في القصة التي ذكر ابن عباس، أن أباه كان من رؤساء تلك القبيلة، وما يسمى بالنصرانية. قال: قال فخرجت معه، فأخذنا جبل رام هرمز، فجعلنا نمشي ونتوكل، ونأكل من ثمر الشجر، فقدمنا نصيبين. فقال لي صاحبي: يا سلمان، إنها هنا قوما هم أعبد أهل الأرض، فنحب أن ألقاهم. قال: فجئناهم يوم الأحد، وقد اجتمعوا، فسلم عليهم صاحبي، فحيوه وبشوا به، وخرجوا بمقدمه، وقالوا: أين كانت غيبتك؟ فتحدثنا، ثم قال: قم يا سلمان. فقلت: لا، دعني مع هؤلاء. قال: إنك لا تطيق ما يطيقون، أولاء يصومون من الأحد إلى الأحد، ولا ينامون هذا الليل، وإذا فيهم رجل من أبناء الملوك ترك الملك ودخل في العبادة. فكنت فيهم حتى أمسينا، فجعلوا يذهبون واحدا واحدا إلى الغارة الذي يكون فيه. فلما أمسينا، قال ذلك الرجل الذي من أبناء الملوك: هذا الغلام لا تضيعوه، ليأخذه رجل منكم. فقالوا: خذه أنت. فقال لي: هلم. فذهب به إلى غارة، وقال لي: هذا خبز وهذا أدم، فكل إذا غفلت، وصم إذا نشطت. غفلت، معنى إذا فترت وجعت. قال: وصل ما بدا لك، ونم إذا كسلت. ثم قام في صلاة فلم يكلمني، فأخذني الغم تلك السبعة الأيام، لا يكلمني أحد، حتى كان الأحد، وانصرف إليه. فذهبنا إلى مكانه الذي يجتمعون فيه في الأحد، فكانوا يخطبون فيه، ويلقى بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم على بعض، ثم لا يلتقون إلى مثله، ما يلتقون إلا يوم الأحد. قال: فرجعنا إلى منزلنا، فقال لي مثل ما قال أول مرة، ثم لم يكلمني إلى الأحد الآخر. فحدثت نفسي بالفرار، فقلت: صبر أحدين أو ثلاثة. فلما كان الأحد واجتمعوا، قال لهم: إني أريد بيت المقدس. فقالوا: ما تريد إلى ذلك؟ قال: لا عهد لي به. قالوا: إنا نخاف أن يحدث بك حدث فيليك غيرنا. قال: فلما سمعت يذكر ذلك، خرجت، فخرجنا أنا وهو، فكان يصوم من الأحد إلى الأحد، ويصلي الليلة كلها، ويمشي بالنهار، فإذا نزلنا قام يصلي. وسبحان الله، عندهم شدة ونشاط في العبادة، لكن إن كانوا على الدين الصحيح والاعتقاد الصحيح، أن الله عز وجل واحد لا شريك له، فهذا ينفعه، وأما إن كان على دين التثليث، فهذا لا ينفعه، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. ثم قال: فأتينا بيت المقدس، وعلى الباب مقعد يسأل، فقال: أعطني. فقال: ما معي شيء. أنا مقعد، أي سائل. فدخلنا بيت المقدس، فلما رأوه بشوا إليه واستبشروا به، فقال لهم: غلامي هذا، فاستوصوا به. فانطلقوا به، فأطعموني خبزا ولحما، ودخل في الصلاة، فلم ينصرف إلى الأحد الآخر. ثم انصرف، فقال: يا سلمان، إني أريد أن أضع رأسي، فإذا بلغ الظل مكان كذا فأيقظني. فبلغ الظل الذي قال، فلم أوقظه، مأوة له، معنى: رحمة له، من كثرة العبادة مما تعب من اجتهاده ونصبه. فاستيقظ مذعورا، فقال: يا سلمان، ألم أكن قلت لك: إذا بلغ الظل مكان كذا فأيقظني؟ قلت: بلى، ولكن إنما منعني مأوة لك من تعبك. قال: ويحك، إني أكره أن يفوتني شيء من الدهر لم أعمل لله فيه خيرا. ثم قال: أعلم أن أفضل دين اليوم النصرانية. قلت: ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية؟ كلمة ألقيت على لساني. قال: نعم، يوشك أن يبعث نبي، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإذا أدركته فاتبعه وصدقه. قلت: وإن أمرني أن أدع النصرانية؟ قال: نعم، فإنه لا يأمر إلا بحق، ولا يقول إلا حق، والله لو أدركته ثم أمرني أن أقع في النار لوقعت فيها. والحديث طويل، إن شاء الله تعالى، وهو حديث كما قال الشيخ: حديث منكر وغريب، والذي قبله أصح، معنا قصة عبد الله بن عباس، وقد تفرد بهذا مسلمة، وهو أيضا في حفظه شيء، وقد ضعفه أحمد رحمه الله. طيب، إن شاء الله نختم بهذا، ونختم برسول الله.