الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 10، ألقاها
يشرح مفهوم تحقيق التوحيد وأهميته لدخول الجنة بغير حساب، ويتطلب العلم بالتوحيد واعتقاده والانقياد له. كما يشير إلى تأثير الذنوب على تحقيق التوحيد إذا أصر عليها الإنسان.
يتناول أهمية تحقيق التوحيد في الإسلام، ويشير إلى أن تحقيق التوحيد عزيز في الأمة، وأن أهل الإخلاص هم الغرباء في آخر الزمان. كما يبين أن كمال الإخلاص يكون بترك الشرك والبراءة منه.
يشرح صفات الإله الحق الذي يستحق العبادة، ويبين أن إبراهيم عليه السلام كان مثالاً لتحقيق التوحيد. كما يشير إلى واقع الناس الذين يدعون الإسلام ولكنهم يقعون في الشرك بالله.
يشرح كيف أن بعض الناس ينتقدون دعاة التوحيد ويتهمونهم بالتفريق، ويبين أن هذه المقالة خبيثة ولا تصدر إلا عن جاهل أو متجاهل يريد أن يصد الناس عن دعوة التوحيد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: قال إمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب». قال العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى جميعًا: قوله: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب». وتقدم معنى «باب» مرارًا، بمعنى أن الباب بمعنى المدخل إلى الشيء. فقول الإمام رحمه الله: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة»، أي مدخل «من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب». وتبويب الشيء -رحمه الله تعالى- الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لهذا الباب في كتاب التوحيد، مناسبته ظاهرة؛ أي أن الكتاب كتاب التوحيد، والإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بوبه هنا، فقال: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب». وكذلك هناك مناسبة أخرى لذكر هذا الباب أيضًا بعد الباب السابق، وهو «باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب». وكأن الشيخ رحمه الله تعالى يقول: وفضل التوحيد الذي به يكفر الله جل وعلا من الذنوب، لا يكون ولا يتحقق ولا يتأتى إلا إذا حقق التوحيد ودخل الجنة بغير حساب. فقوله رحمه الله: «من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب»، يدل على المعنى المقصود والمعنى المطلوب دلالة واضحة. وقول الإمام رحمه الله تعالى: «من حقق التوحيد»، ذكر العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله أن تحقيق التوحيد لا يكون إلا بثلاثة أمور. قال: «فلا يمكن أن تحقق شيئًا قبل أن تعلمه»، قال تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. «الثاني: الاعتقاد؛ أي اعتقاد ذلك الشيء الذي قد علمته»، قال: «فإذا علمت ولم تعتقد؛ إذا علمت ولم تعتقد واستكبرت لم تحقق التوحيد»، قال تعالى عن المشركين: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾؛ علموا ما أراد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولكنهم استكبروا ولم يعتقدوا هذه العقيدة التي أمرهم بها ربهم جل وعلا، وأمرهم بها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقالوا ما قالوا. «الأمر الثالث: الإنقياد»، قال: «فإذا علمت واعتقدت؛ أي علمت التوحيد واعتقدت التوحيد، ولكنك لم تنقد؛ فإنك لم تحقق التوحيد»، كما أخبر الله جل وعلا في كتابه كذلك عن المشركين بقوله: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون﴾؛ فهؤلاء علموا ما جاء به الرسول من الحق المبين، ولكنهم أبوا الإنقياد واستكبروا عن قبول الحق، واستكبروا عن قبول الحق. والله جل وعلا يقول عن موسى عليه السلام حينما دعا فرعون وقومه: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾؛ فهم علموا وتحقق عندهم صحة ما قال لهم موسى عليه السلام، ولكنهم جحدوا واستكبروا وترفعوا عن قبول الحق، فلم تنفعهم تلك المعرفة، ولا ذلك الاعتقاد للحق الذي ظهرت أنواره، وبزغت كذلك أشعته، بحمد الله رب العالمين جل وعلا. فأشهد من هذا أن تحقيق التوحيد يكون بالأمور الثلاثة: أولها أن يكون بالعلم، وثانيها أن يكون باعتقاد لذلك العلم، والثالث أن يكون بانقياد لذلك المعلوم الذي قد اعتقده الإنسان. قال العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: قول الإمام: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب»، أي ولا عذاب؛ كما في الحديث؛ أي الآتي ذكره بإذن الله جل وعلا. قال: «وتحقيق التوحيد: تصفيته وتخليصه من شوائب الشرك والبدع والإصرار على الذنوب؛ فمن كان كذلك فقد حقق التوحيد». ومعنى هذا في قوله رحمه الله تعالى: «وتحقيق التوحيد»، لأن التحقيق من «حقق الشيء يحققه تحقيقًا»، ومعناه: نقاه ودقق فيه، وهذا لا يكون إلا بهذا المعنى. فقوله رحمه الله: قول الإمام رحمه الله تعالى: «من حقق التوحيد»، أي حققه تحقيقًا بليغًا. ومعنى «تصفيته وتخليصه من شوائب الشرك والبدع والإصرار على الذنوب»: أن يكون التوحيد لله وحده لا شريك له، وأن يكون لوجه الله جل وعلا خالصًا من شوائب الشرك الأكبر والأصغر؛ كلاهما يجب عليه أن يخلص التوحيد من شائبة الشرك الأكبر والأصغر؛ هذا هو الذي يكون محققًا للتوحيد. وكذلك أن يكون مخلصًا للتوحيد من البدع؛ سواء كانت البدع الكبرى المخرجة عن الملة، أو كانت البدع الصغرى غير المخرجة من الملة المفسقة. وكذلك الإصرار على الذنوب. وقول الإمام رحمه الله تعالى: «والإصرار على الذنوب»، إشارة لطيفة إلى أن الذنوب على دركات؛ فبعضها أشد من بعض؛ منها الكبائر، ومنها دونها؛ أي صغائر. كبائر وصغائر. وبعض أهل العلم يجعل الذنوب على ثلاثة أقسام: أكبر الكبائر، والكبائر، والصغائر. والعلماء رحمهم الله تعالى في الكبائر ذكروا قيودًا وضوابط؛ سيأتي بإذن الله جل وعلا إشارة إلى بعضها، ومدارها يدور على أن من فعل شيئًا من المفسقات؛ يكون بذلك قد ارتكب الكبيرة، وارتكب كبيرة. وإذا ارتكب الكبيرة صار بها فاسقًا. أو أصر على الصغيرة؛ أو أصر على الصغائر؛ يعمل الصغيرة، والصغيرة هي ما دون الكبائر. والعلماء رحمهم الله تعالى في حد الكبيرة ذكروا حدودًا كثيرة معلومة مشهورة؛ من أشهرها: أنه ما ترتب عليه وعيد خاص في الدنيا، أو حد، أو لعنة، أو عذاب، أو ما شابه ذلك. وبعضهم يضيف قيودًا أخرى؛ كان يقول: «أو ترتبت عليه كفارات»، وهكذا. بعض أهل العلم يقيدوا بقيود فوق قيود بعض. والحاصل والمقصود من هذا أن قول الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا: «والإصرار على الذنوب»، في إشارة إلى أن الصغائر واللمم الذي يحصل من الإنسان؛ إذا لم يصر عليها؛ فإنها لا تؤثر ذاك التأثير في تحقيق التوحيد؛ لأنها بإذن الله جل وعز تكفرها الطاعات؛ الوضوء كفارة لها، الصلاة كفارة لها، السعي والمزجد كفارة لها، إلى غير ذلك من أنواع المكفرات للصغائر؛ بخلاف من أصر عليها؛ بخلاف من أصر على الصغائر؛ فإنها ترقيها وتجعلها من الكبائر؛ حتى قال من قال من العلماء رحمهم الله تعالى: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الإستغفار». يعني قالوا: أن الصغيرة مع الإصرار ترقيها إلى الكبائر؛ ترقيها إلى الكبائر؛ بسبب ما يقوم في قلب العبد من الإصرار عليها، والاستهانة بتلك الصغيرة. فلأجل ما يقوم به من نوع الاستهانة، وعدم المبالاة بتلك الصغيرة؛ تصيرها كبيرة. فإذن: تحقيق التوحيد يكون بترك الشرك بنوعيه، والبدع كذلك بنوعيها، وبترك الكبائر والإصرار على الصغائر. قال رحمه الله تعالى: «فمن كان كذلك فقد حقق توحيده». «وتحقيق التوحيد عزيز في الأمة»؛ أي عزيز من حيث العزة، وكذلك من حيث القلة؛ أي قليل من الأمة من يحقق التوحيد؛ وإلا فأكثرهم وقع منهم الهفوات، والسقطات، والزلات، إلى غير ذلك؛ فلم يكونوا من المحققين للتوحيد كما أراده الله جل وعلا منهم. قال: «وتحقيق التوحيد عزيز في الأمة؛ لا يوجد إلا في أهل الإيمان الخلص الذين أخلصهم الله واصطفاهم من خلقه»، كما قال تعالى في يوسف عليه السلام: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾، وفي قراءة: «المخلصين». قال: «وهم في صدر هذه الأمة كثيرون؛ أي في أمة محمد صلى الله عليه وسلم في أوائلها؛ في عهد صحابته كثيرون أهل تحقيق التوحيد». قال: «وفي آخرها هم الغرباء؛ هم الغرباء». وفي هذا إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء». والحديث جاء من حديث أبي هريرة في مسلم، وجاء كذلك من حديث عبد الله بن عمر، وجاء في زيادة من حديث عبد الله بن عمر في زيادة أنه قال: «قيل: يا رسول الله! من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون ما أفسد الناس». وفي رواية: «الذين يصلحون إذا فسد الناس»؛ أي الناس يكونون في فساد، وفي بعد عن الله جل وعلا، وهم صالحون في أنفسهم، ومع ربهم جل وعلا؛ فهم الغرباء بين مجتمعهم، وبين أهليهم، وبين أقاربهم؛ هم الغرباء؛ لماذا؟ لأنهم على الصلاح، وعلى الأمر الأول الذي عليه الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. فأهل الإخلاص كما ذكر رحمه الله تعالى: هم الغرباء. قال: «وقد قلوا؛ أي صاروا قليلين». قال: «وهم الأعظمون قدرًا عند الله؛ عند الله؛ أي جل جلاله سبحانه وتعالى؛ فهم وإن كانوا قلة؛ إلا أنهم كرام عند الله رب العالمين جل وعلا؛ لأنهم حققوا ما أراده الله جل وعلا منهم من التوحيد؛ فكانوا كما أراد الله جل وعلا منهم؛ مخلصين لله رب العالمين جل وعلا؛ ممتثلين لقول الله جل وعلا: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾، ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له ديني﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي فيها هذا المعنى. قال: وقال تعالى عن خليله عليه السلام: ﴿قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين﴾؛ قال: «أي أخلصت ديني، وأفردت عبادتي للذي فطر السماوات والأرض؛ أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سابق». «فاطر»؛ يقول: يعني فاطر السماوات والأرض؛ يقول: أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سابق. فالله جل وعلا هو الذي أوجدها على هذه الصورة، وعلى هذا الحال الذي لم يكن له نظير ولا مثيل من قبل. قال: ﴿حنيفًا﴾؛ «أي في حال كوني حنيفًا»؛ يعني معنى «حنيفًا»: حال من حيث الإعراب، ومعناها وتقديره: يقول حنيفًا؛ أي في حال كوني حنيفًا؛ أي مائلًا عن الشرك إلى التوحيد؛ كما تقدم ومر معنا أن هذا من لازم الحنيف؛ وإلا فالحنيف كما نبه على ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أنه هو المقبل على الشيء. فكون إبراهيم عليه السلام مقبلًا على التوحيد؛ استلزم ذلك أن يكون مبتعدًا منافرا للشرك؛ مبتعدًا منافرا للشرك. فقوله رحمه الله: «أي مائلًا عن الشرك إلى التوحيد». وبهذا المعنى قال: ﴿وما أنا من المشركين﴾. ونظائر هذه الآية في القرآن كثير؛ كقوله: ﴿ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفًا واتخذ الله إبراهيم خليلًا﴾، وقال تعالى: ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾. قال عماد بن كثير رحمه الله في الآية: يقول تعالى مخبرًا عن من «أسلم وجهه لله؛ أي أخلص له العمل، وانقاد لأوامره، واتبع شرعه؛ ولهذا قال: وهو محسن؛ أي في عمله، واتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر». قال: «فدلت هذه الآية العظيمة على أن كمال الإخلاص إنما يكون بترك الشرك والبراءة منه، وممن فعله؛ كما تقدم في الباب قبل هذا؛ كما تقدم في الباب قبل هذا؛ هذا كمال الإخلاص؛ أي الإخلاص الكامل التام». وكلما حصل من العبد شيء من الالتفات إلى غير الله جل وعلا، وتعلق القلب بغير الله جل وعلا؛ كلما حصل النقص في التوحيد؛ وربما تلاشى، وربما يأتي الشيء الذي يكون سببًا في نقض ذلك التوحيد من أصله ورأسه؛ وذلك إذا التفت إلى غير الله جل وعلا التفاتًا تامًا؛ فجعله كرب العالمين جل وعلا فيما يظن فيه النفع والضر؛ والنفع والضر لا يكون إلا من الله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قول الله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين﴾. وهذا معطوف على قوله: «من حقق التوحيد» إلى آخره. قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: «يمدح تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم؛ إمام الحنفاء بتبريه من المشركين، ومن اليهودية والنصرانية والمجوسية». قال: «والأمة: هو الإمام الذي يقتدى به، والقانت: هو الخاشع المطيع، والحنيف: المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد؛ المنحرف قصدًا؛ أي أنه أقبل قاصدًا التوحيد لله رب العالمين جل وعلا، وابتعد ونافر الشرك وأهله». قال: «ولهذا قال: ولم يكن من المشركين». وقال مجاهد: «كان إبراهيم أمة؛ أي مؤمنًا وحده، والناس كلهم كفار». وهذا الأثر -يعني ذكر في تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى- كما ذكر هاهنا، وذكر في تفسير ابن أبي حاتم؛ لكنه بغير إسناد؛ لكنه بغير إسناد؛ وعزاه كذلك السيوطي في الدر المنثور إليه، ولابن المنذر. فالله أعلم بالإسناد إليه. ولكن المعنى صحيح؛ فإن إبراهيم كان في أول أمره مؤمنًا وحده، والناس كلهم كفار. قال العلامة عبد الرحمن بن حسن: «قلت: كلا القولين حق؛ كلا القولين حق؛ الأول والثاني». قال: «فقد كان الخليل عليه السلام كذلك؛ فتأمل قول مجاهد». والله أعلم -يعني تأمل قول مجاهد- «أن الإنسان إذا كان على التوحيد وحده؛ فإنه أمة؛ ولو خالفه الناس، ولو رفضه الناس، ولو نفر عنه الناس؛ ما دام أنه على الدين الحق، وعلى دعوة المرسلين، وعلى دعوة السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين؛ فلا يبالي بمن خالفه من الناس؛ لا يبالي بمن خالفه من الناس؛ وله أسوة في ذلك بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام». قال رحمه الله تعالى: «لما كان الخليل كذلك في ابتداء دعوته، ونبوته ورسالته عليه السلام؛ فمدحه الله تعالى بتبريه من المشركين؛ كما قال تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقًا نبيًا إذ قال لأبيه يا أبت لما تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا﴾». وهذه الآية كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: فيها محاجة إبراهيم عليه السلام لأبيه ولقومه، وفيها بيان الإله الحق الذي يستحق أن يكون إلهًا؛ وهو الإله الذي يجب أن يكون سامعًا لداعيه؛ سامعًا لداعيه، وأن يكون كذلك مبصرًا لهم؛ ينظر في أحوالهم، وحركاتهم، وما يبدو منهم. وكذلك لابد أن يكون غنيًا؛ إذا سأله عباده، وإذا أراده عباده، وإذا أقبل عليه عباده؛ أغناهم من فضله؛ أغناهم من فضله؛ بخلاف الإله الذي هو باطل؛ فإنه لا يملك شيئًا من ذلك الأمور؛ من تلك الأمور؛ لا يسمع إذا دعاه داعيه؛ لا يسمع، ولا يبصره كذلك، ولا يغني عنه شيئًا، ولا يغني عنه شيئًا. فإذا كان الأمر كذلك؛ فكيف يستحق العبادة من كان هذا حاله؛ لا يغني عنك شيئًا؛ أي لا يغني عن داعيه وعابده شيئًا؛ فلماذا إذن يعبد؟ فدل على أن الإله الحق لابد أن يكون سميعًا، وسامعًا لأصوات داعيه؛ مجيبًا لهم؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان﴾؛ إذا دعا الداعي ربه جل وعلا؛ استجاب له ربه جل وعلا؛ كما قال الله جل وعلا: وقال ربكم: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾؛ أستجب لكم؛ يكون الجواب والاستجابة؛ بخلاف ما إذا كان إله لا يسمع؛ كيف يسمع؟ وكيف يستجيب لداعيه؟ وكيف يحقق رغباتهم إليه، وطلباتهم منه؟ لا يكون ذلك أبدًا. قال: قال رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم﴾؛ «أي جاء ربه سليمًا؛ جاء ربه وقلبه سليم من الشرك، ومن كل ما يقرب إليه، وسليم بالتوحيد؛ ليس فيه دخل ولا مدخل من الشرك، ولا من شوائبه». قال: «فهذا والله أعلم كان في ابتداء دعوته عليه الصلاة والسلام، ولم يكن إذ ذاك على وجه الأرض مسلم غيره». وبذلك جاء الحديث -أي جاء الحديث الذي فيه قصته مع امرأته- حينما مر بذلك الملك المجرم الكافر، فقال لامرأته: «إذا سألك عني؛ فقول إني أخوك؛ فإنه ليس ثم مؤمن في الأرض إلا أنا وأنت؛ إلا أنا وأنت؛ أي أخوها في الله؛ أخوها في الله». وفيه إشارة إلى أنه لم يكن مؤمن في الأرض في أول الأمر إلا إبراهيم، ثم انضمت إليه بعد ذلك زوجته. قال رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿ولم يكن من المشركين﴾؛ «فقد فارق المشركين بالقلب واللسان والأركان، وأنكر ما كانوا عليه من الشرك بالله في عبادته، وكسر أصنام قومه، وصبر على ما أصابوه في ذات الله». وهذا هو تحقيق التوحيد، وهو أساس الدين ورأسه؛ كما قال تعالى: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾؛ يقول الشارح رحمه الله في قول الله جل وعلا: ﴿ولم يكن من المشركين﴾؛ «ولم يكن من المشركين؛ أي إبراهيم عليه السلام لم يكن من المشركين؛ لا من قبل ولا من بعد؛ بل صانه الله جل وعلا من الشرك، ومن عبادة غير الله جل وعلا». قال: «فقد فارق المشركين بالقلب؛ لأن قلبه كان سليمًا لله رب العالمين جل وعلا؛ سليمًا من كل شائبة فيه؛ من كل شائبة فيه الشرك بالله جل وعلا». وكذا لسانه؛ فإنه كان كذلك لله. وكذلك أركانه -أي جوارحه- كانت كلها لله؛ فدلنا هذا على أن إبراهيم كان كله لله جل وعلا؛ قلبه ولسانه وجوارحه؛ كلها لله جل وعلا؛ كما قال الله جل وعلا عن نبيه صلى الله عليه وسلم وخليله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت﴾؛ فالخليلان إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام؛ كانت أعمالهم؛ بل أقوالهم وقلوبهم وجوارحهم؛ كلها لله رب العالمين جل وعلا. ولهذا الأمر جعلهم الله جل وعلا في هذه المنزلة؛ في منزلة الخلة؛ فكانوا أو كانا خليلين للرحمن جل جلاله. قال: «وأنت تجد أكثر من يقول: لا إله إلا الله، ويدعي الإسلام؛ يفعل الشرك بالله في عبادته؛ بدعوة من لا يضر ولا ينفع من الأموات والغائبين والطواغيت والجن وغيرهم، ويحبهم ويواليهم، ويخافهم ويرجوهم، وينكر على من دعا إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، ويزعم أن ذلك بدعة وضلالة، ويعاد من عمل به وأحبه؛ أي ويعاد من عمل به؛ أي عمل بالتوحيد وأحبه، وأنكر الشرك وأبغضه». وبعضهم لا يعد التوحيد علمًا، ولا يرتفع إليه؛ لجهله به، وعدم محبته. فالله المستعان. فهذا من الشيخ رحمه الله تعالى عبد الرحمن بن حسن: فيه لفتة للواقع المرير الذي كان يعيشه رحمه الله، وكيف كان حال الناس آنذاك؛ يقول رحمه الله: «وأنت تجد أكثر من يقول: لا إله إلا الله»، ولا زال في هذه الأعصار؛ بل في هذه الأيام؛ الأمر كذلك في كثير من البلاد المسلمة؛ فضلًا عن غيرها؛ تجد كثيرًا من الناس على هذا الحال؛ كما قال: يقول بلسانه: «لا إله إلا الله»؛ بلسانه «لا إله إلا الله»، لكنه لا يعلم معناها، ولا يعمل بمقتضاها؛ لذا قال: «ويدعي الإسلام؛ يفعل الشرك بالله في عبادته». يقول: «لا إله إلا الله، وأنا مسلم، وأنا أصلي، وأنا أصوم، وأنا أحج»، ومع هذا يشرك بالله جل وعلا في عبادته ليلًا ونهارًا؛ كما قال: «ويدعي الإسلام»، ومع هذا «يفعل الشرك بالله في عبادته»؛ بماذا؟ «بدعوة من لا يضر ولا ينفع؛ يدعو من لا يضره ولا ينفعه؛ إذا نزل به البلاء أو احتاج إلى دفعه، أو احتاج إلى جلب المنافع؛ دعا غير الله جل وعلا؛ من لا يملك نفسه نفعًا ولا ضر». والله جل وعلا يقول: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾؛ فالله جل وعلا سمى الدعاء عبادة؛ بل جاء في سنن الترمذي وغيره من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه وارضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء هو العبادة». وقال: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدعاء هو العبادة»، ومع هذا تجد ممن يقول: «لا إله إلا الله» بلسانه؛ إذا نزل به الكرب؛ دعا غير الله جل وعلا؛ سواء كانوا أحياء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضر؛ أو كانوا أمواتًا؛ أحوج ما يحتاجون إلى من يدعو لهم؛ ولكن المسكين يدعوهم، ويستغيث بهم، ويطلب منهم العون والمدد والغوث؛ إلى غير ذلك مما يسمع بين الحين والآخر. قال: «من الأموات والغائبين والطواغيت؛ أي الأموات يدعوهم؛ الأموات ويدعو الغائبين؛ يا سيد فلان، ويا شيخ فلان». «والطواغيت؛ سواء كانوا من طواغيت الإنس أو الجن». وسأتي معنا -إن شاء الله تعالى- معنى «الطاغوت». «وكل ما جاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع». قال: «والجن وغيرهم». قال: «ويحبهم ويواليهم؛ يحبهم محبة عظيمة؛ كحب الله جل وعلا؛ ويواليهم كما قال الله جل وعلا في المشركين الأول: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾؛ فهؤلاء يحبون هؤلاء السادة، وهؤلاء الأشياخ، وهؤلاء الذين يدعونهم ويستغيثون بهم، ويدبحون لهم، وينذرون لهم؛ يحبون كحب الله جل وعلا؛ بل قد يكون أشد من حب الله جل وعلا؛ لذا إذا نزل بهم الكرب والبلاء؛ فلا ينظرون إلى أحد إلا إلى هؤلاء؛ يضيع عنهم ربهم جل وعلا؛ يضيع من قلوبهم، ولا يلتفتون إلى ربهم جل وعلا؛ لا يرون أمامهم بأبصارهم وقلوبهم إلا أولئك الأولياء والمقبورين والطواغيت؛ إلى غير ذلك». قال رحمه الله تعالى: «ويحبهم ويواليهم، ويخافهم ويرجوهم؛ يخافهم ويرجوهم؛ هذا حقيقة هؤلاء؛ حتى بلغ ببعضهم أنه إذا دخل إلى شيخه أو سيده؛ ربما وضع يده على قلبه؛ وضع يده على قلبه؛ خشية أن يطلع أو أن يحصل في قلبه شيء فيطلع عليه ذلك الشيخ؛ يعني وصل بهم الأمر إلى هذا؛ أنهم يعتقدون في أولئك الأشياخ الذين هم من خاصة الخاصة؛ يعتقدون فيهم أنهم يعلمون السر وأخفى؛ الذي لا يعلم إلا الله جل وعلا؛ لذا ربما مسك على قلبه؛ خشية أن يحصل له في قلبه شيء من حديث النفس فيطلع عليه ذلك الشيخ؛ أين الخوف من الله جل وعلا؟ وأين التعظيم لله رب العالمين جل وعلا؟ وأين إفراد الله جل وعلا بخصائصه؛ ومنها العلم بالبواطن؟ أين هذه الأشياء كلها عند هؤلاء؟» قال رحمه الله تعالى: «ويخافهم ويرجوهم؛ هذا هو حقيقة هذه هي حقيقة العبادة؛ الخوف والرجاء». قال: «وينكر على من دعا إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه؛ كحال المشركين الأول؛ إذا رأوا الداعي للتوحيد؛ قول: «أعبد الله لا إله غيره؛ دعوهم عبادة القبور والأضرحة؛ العبادة يجب أن تكون لله رب العالمين وحده لا شريك له؛ أنكروا عليه، ونفروا، واستنفروا، وغضبوا، وحذروا، وأنذروا؛ إلى غير ذلك من الأشياء؛ ولسان حالهم: أجعل الآلهة إلها واحدًا إن هذا لشيء عجاب؛ ولسان حالهم: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ نحن نتقرب إليهم؛ تقربًا إلى الله جل جلاله؛ هكذا هو حالهم، وهذه هي شبهتهم؛ كشبهة الأول؛ كشبهة الأول ممن بعث إليهم الرسل عليهم الصلاة والسلام». قال رحمه الله تعالى: «وينكر على من دعا إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، ويزعم أن ذلك بدعة وضلالة؛ وهذا من غربة الدين؛ بدأ الدين غريبًا، وسيعود غريبًا؛ فطوبى للغرباء». وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء. أول ما كان يأتيهم النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: «أعبد الله ما لكم من إله غيره؛ قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدًا إن هذا لشيء عجاب». والمتأخرون كذلك؛ إذا جاءهم داعي التوحيد، وقال: «أعبد الله ما لكم من إله غيره؛ الذبح لا يكون إلا لله، والندر لا يكون إلا لله، والدعاء لا يكون إلا لله، والاستغاثة لا تكون إلا بالله؛ إلى غير ذلك من الأمور؛ قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدًا؛ كيف السيد فلان ما ينفع، وشيخنا فلان ما ينفع، وسيدتنا فلان ما تنفع؛ أين هذا الخبر؟ وكيف هذا الخبر؟ يستنكرون ويتعجبون من داعي التوحيد إلى التوحيد؛ بل يزعمون أن الدعوة إلى التوحيد بأنها بدعة؛ بل يزعمون بأنها تفرق؛ دعوة التوحيد تفرق الأمة». وللأسف أن هذه المقالة -كما هي مشهورة ومعروفة عن هؤلاء؛ أي القبورية- للأسف أن كثيرًا من الأحزاب السياسية المنتسبة إلى الإسلام؛ صارت تطلق هذه العبارات، وأمثال هذه العبارات؛ «دعوة التوحيد تفرق، لا إله إلا الله تفرق؛ فماذا تدعون؟ وإلى ماذا تدعون؟ إذا كانت لا إله إلا الله تفرق؛ فإلى ماذا تدعون؟ إذا كانت دعوة الرسل تفرق؛ فإلى ماذا تدعون؟ أي ندعو: لا إله إلا الله؛ إذا تركنا لا إله إلا الله، وإذا تركنا دعوة التوحيد؛ فإلى ماذا ندعو؟ أي دعوة فوق وبعد دعوة التوحيد؟ ليس هناك دعوة». فحال هؤلاء كأنهم يقولون: «دعوا الإسلام، دعوا الدعوة إلى الإسلام؛ لأن الإسلام يفرق». وبعضهم يجهد؛ وبعضهم يجهد حتى -كما ذكر رحمه الله تعالى- وبعضهم -كما قال- «يعاد من عمل به وأحبه؛ أنكر الشرك وأبغض». قالوا: بعضهم لا يعد التوحيد علمًا؛ «لا يعد أصلا علمًا؛ لماذا تدرس التوحيد؟» يعني وكما قيل: «ما أشبه الليلة بالبارحة». هذا الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله يقوله في زمنه؛ قبل نحو مئتي سنة؛ أن بعضهم يقول: «علم التوحيد ما هو علم أصلا؛ ما هو علم أصلا». وحصل في هذا الزمن؛ في هذا الزمن؛ ممن ينسبه بعض الجهال إلى السنة؛ ممن يقول بأن التوحيد يستطاع أن يتعلم في عشر دقائق؛ التوحيد الذي دعت إليه الرسل؛ يستطاع أن يتعلم في عشر دقائق؛ كما هو حال بعض السرورية الذين يصرون على هذه العبارة؛ كحال بعض كبرائهم ورؤسائهم؛ يقول: «التوحيد -توحيد الألوهية- يستطاع أن يعلن في عشر دقائق». سبحان الله! الإمام محمد بن عبد الوهاب ألف الكتاب العظيم «التوحيد»، «رسالة الثلاثة قواعد»، «الأربعة قواعد»، «ستة نواقض الإسلام»، «كشف الشبهات»، و«مسائل الجاهلية»؛ إلى غير ذلك من كتب المؤلفات الذي ألفها؛ فقط هذا الإمام المجدد رحمه الله؛ فضلًا عن غيره من الأئمة رحمهم الله؛ فضلًا عن الشراح؛ فضلًا عن العلماء رحمهم الله؛ هؤلاء ما يعرف التوحيد أنه يتعلم في عشر دقائق. أم أنت أيها القائل لهذه المقالة؛ جاهل للتوحيد؟ فصدرت مقالتك عن جهل بالتوحيد؛ وتنقص للتوحيد أنه دعت إليه الرسل. فالحاصل أن هذه المقالة: مقالة خبيثة؛ لا تصدر إلا عن جاهل أو متجاهل؛ يريد أن يصد الناس عن دعوة التوحيد؛ ودعوتهم إلى الله رب العالمين وحده لا شريك له. وإذا كان الناس لا يدعون إلى التوحيد؛ فإلى ماذا يدعون إذن؟ إذا كان الدين كله دعوة إلى التوحيد؛ الدين كله دعوة إلى التوحيد؛ ما معنى «لا إله إلا الله»؟ لا معبود بحق إلا الله؛ أي لا تعبد إلا الله جل وعلا؛ بأنواع العبادات التي شرعها لك ربك جل وعلا على لسان نبيك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالصلاة عبادة، الصيام عبادة،