شرح قرة عيون الموحدين 89

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 89، ألقاها

تعظيم العهد والذمة وأهميتهما

يتناول هذا الفصل أهمية تعظيم العهد والذمة في الإسلام، ويشرح معنى ذمة الله وذمة نبيه، ويبين أن حفظ الذمة من كمال التوحيد والإيمان. كما يشير إلى خطورة نقض العهود والذمم ودلالتها على ضعف تعظيم الله تعالى.

آداب القتال وأحكام التعامل مع الأعداء

يتناول هذا الفصل آداب القتال في الإسلام كما وردت في حديث نبوي، ويشمل النهي عن الغلول والغدر والتمثيل بقتل الأعداء، ودعوة المشركين إلى الإسلام أو الجزية قبل القتال، وضبط التعامل مع الأسرى والمحاصرين.

أحكام الجزية والذمة ومسائل اجتهادية

يتناول هذا الفصل أحكام الجزية والذمة في الإسلام، مبينًا أن الجزية تؤخذ من كل كافر، ويشرح معنى الذمة والعهد، ويبين حكم نقض العهد وخفر الذمة، ويتطرق إلى مسائل اجتهادية في الإسلام وأحكامها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «قرة عيون الموحدين»: قال قوله «ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه» أي من الأدلة الدالة على تعظيم ذلك، على تعظيم العهد والذمة، ولا سيما إذا كانت ذمة الله جل وعلا وذمة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وذكر الشيخ رحمه الله تعالى الإمام محمد بن عبد الوهاب لهذا الباب في كتاب التوحيد، هو من جنس ما تقدم ذكرهم في الأبواب السابقة، من أن الموحد الذي كمل توحيده وكمل إيمانه يكون أحرص ما يكون على حفظ ذمة الله جل وعلا وذمة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأنه لا يخفر أحد ذمة الله جل وعلا ولا ذمة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلا رجل قد ضعف توحيده، وضعف تعظيمه لله رب العالمين جل وعلا، فهو من منقصات التوحيد والإيمان. قال قوله «إن الله يعلم ما تفعلون» قال: تهديد ووعيد. قال قوله عن بريدة، هو ابن الحصيب الأسلمي، وهذا الحديث من رواية ابنه سليمان عنه. قال قوله «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله» بتقوى الله تعالى، قال: فيه من الفقه تأمير الأمراء ووصيتهم، أي في الحديث من الفقه، أي من المعاني أنه إذا سير سرية أو أعد هيئة جيشًا أن يؤمر على ذلك الجيش، وأن يوصي أمير ذلك الجيش، وكذا يوصي من معه بتقوى الله رب العالمين تبارك وتعالى. قال الحربي: «السرية» الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها، والجيش ما كان أكثر من ذلك. قال: «وتقوى الله» التحرز من عقوبته بطاعته، التحرز من عقوبة الله جل وعلا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومن أحسن ما عُرِّفت به التقوى أنها فعل المأمور امتثالًا لله جل وعلا على نور من الله جل وعلا، واجتناب المحظور امتثالًا لله رب العالمين تبارك وتعالى على نور من الله تبارك وتعالى. قال قوله «ومن معه من المسلمين خيرًا» أي: أمر الأمير وأوصاه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، قال: أي ووصاه بمن معه أن يفعل معهم خيرًا، من الرفق بهم والإحسان إليهم وخفض الجناح لهم وترك التعاظم عليهم، وهذه من أسباب حصول الوئام والتكاثف والترابط بين الأمير والمأمورين؛ لأنهم لو أحسوا من أميرهم الرحمة والشفقة عليهم والبذل قابلوه بذلك أيضًا، والعكس بالعكس. قال قوله «اغزوا بسم الله» أي: اشرعوا في الغزو مستعينين بالله مخلصين له، فتكون الباء في «بسم الله» للاستعانة بالله والتوكل عليه هنا، والأمر كذلك، وفيه إشارة كذلك إلى أن الأمير إذا أرسل جيشًا أن يحثهم على كثرة الاستعانة واللجوء إلى الله تبارك وتعالى والتوكل عليه، وعدم النظر إلى الذات وإلى الكثرة وإلى العتاد، ولكن ينظر العبد إلى ربه تبارك وتعالى، ويعلم أن النصر من الله، مع ما يبذله من الأسباب الظاهرة، ينبغي له كذلك أن يبذل الأسباب الباطنة، وهي التوكل على الله تبارك وتعالى وحسن اللجوء إليه تبارك وتعالى. قال قوله «قاتل من كفر بالله» قال: هذا العموم يشمل جميع أهل الكفر والمحاربين من أهل الكتاب وغيرهم، واستثني منهم من له عهد، وكذلك الذراري والأولاد والنساء والرهبان فلا يقتلون؛ للأدلة الدالة على الاستثناء هؤلاء. قال قوله «ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا» قال: الغلول الأخذ من الغنيمة من غير قسمتها، ومن قبل قسمتها، أي من قبل قسمة الغنيمة. قال تعالى: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِما غَلَّ يَومَ القِيامَةِ﴾. قال: والغادر نقض العهد، وهو الشاهد هاهنا في قوله «ولا تغدروا» أي: أنه لا يجوز للمسلم أن يغدر، بخلاف الخدعة في الحرب فإنها جائزة، وفرق بين الغدر والخيانة وبين الخدعة؛ فإن الخدعة جائزة، أما الخيانة والغدر فإنها محرمة في الحرب وغيرها. قال: والتمثيل هنا التشويه بالقاتل، كقطع أنفه وأذنه والعبث به، وهذه من الآداب الإسلامية السامية. قال قوله «وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال» الرواية بأو التي هي للشك، والمعنى واحد، أي أن الراوي شك هل قال النبي صلى الله عليه وسلم «ثلاث خصال» أو «ثلاث خلال»، والمعنى واحد. قال قوله «فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» منصوب «أجاب» في قوله «وكف عنهم». قال قوله «ثم أدعهم إلى الإسلام» كذا وقعت الرواية في جميع نسخ كتاب مسلم «ثم أدعهم» بزيادة «ثم». قوله «ثم أدعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين» بمعنى: جاء في نص الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا تقتلوا وليدًا»، قال: «قاتلوا من كفر بالله، أغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم أدعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم أدعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم بأن لهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أن يكونوا كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فأسلمهم، فاسألهم الجزية»، أي أبوا عن الإسلام، فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. «وإذا حصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه»، وهذا والشاهد من ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الحديث، قال: «ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم أن تغفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تغفروا ذمة الله وذمة رسوله». «وإذا حصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا»، رواه مسلم. قوله رحمه الله تعالى «ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجر» يعني المدينة، إذاك أي في ذلك الزمن، إذ أن المدينة كانت دار الهجرة. قال: وهذا يدل على أن الهجرة واجبة على كل من آمن وهو في بلد الشرك، وكذلك إذا ظهرت المعاصي في بلده، نص عليه الفقهاء في كتبهم، وهذا في كل زمن ومكان، ليس محصورًا في زمن دون زمن، ولا في مكان دون مكان، بل كل بلد أسلم فيها الإنسان وكانت بلد كفر أو شرك، لا يستطيع أن يظهر فيها دينه، فالواجب عليه أن يتحول من تلك البلدة إلى بلدة إسلامية يستطيع بها أو فيها أن يظهر دينه وإسلامه وأن يحافظ على ذلك. قال قوله «فإن أبوا أن يتحولوا منها» يعني أن من أسلم ولم يجاهد ولم يهاجر من البداوة لم يعطَ من الخمس ولا من الفيء شيئًا. قال قوله «فإن أبوا فاسألهم الجزية» فيه حجة لمالك وأصحابه والأوزاعي في أخذ الجزية من كل كافر، عربيا كان أو غيره، كتابيا كان أو غيره، وهذا هو الأظهر في هذه المسألة؛ أن الجزية تؤخذ من أهل كتاب ومن غيرهم؛ لظاهر هذا الحديث. قال: وقال الشافعي: «دينار على الغني والفقير»، قال: وقد اختلفوا في القدر المفروض من الجزية. قال: وعند مالك وكافة العلماء: عن رجال أحرار بالغين دون غيرهم، بمعنى أن الصغار والنساء ليسوا كذلك، وإنما تؤخذ ممن كان تحت قهر المسلمين، لا من نأى بداره، ويجب تحويل النأى إلى بلاد المسلمين أو حربهم. قال قوله «وإذا حاصرت أهل حصن» إلى آخره، فيه حجة لمن يقول من الفقهاء وأهل الأصول: إن المصيب في المسائل اجتهاد واحد، وهو المعروف من مذهب مالك وغيره، وهذا هو الصواب؛ أن المجتهد في مسائل اجتهاد واحد، وإن كان الكل مأجورًا. قال: فكل مجتهد له نصيب من الأجر والثواب على اجتهاده، وليس كل مجتهد مصيبًا في اجتهاده؛ لأن الثواب واحد والحق واحد، ولكن أحدهما مصيب والآخر مخطئ، كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حكم الحاكم أو قال: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر»، فدل على أن اجتهاد الحاكم دائر بين الصواب والخطأ، وعلى كلا الأمرين هو مأجور. قال: ومعنى هذا أن الإنسان في المسائل الاجتهادية التي لا يقطع فيها الإنسان بقول ما، بل اجتهادية قد يكون الصواب في القول هذا، وقد يكون الصواب في القول الآخر، لا يجوز للإنسان أن يقول في المسائل الاجتهادية أن حكم الله جل وعلا كذا وكذا، وأن يجزم بأن حكم الله جل وعلا في المسائل الاجتهادية كذا وكذا. قال: لذا نبه العلماء رحمهم الله تعالى أن من الأدب في السؤال في المسائل الاجتهادية إذا سأل إنسان عالمًا من العلماء في مسألة اجتهادية، لا يقول: «الشيخ يا شيخ ما حكم الله في كذا وكذا»، ولكن يقول له: «ما قولكم؟ ما رأيكم؟ ما فتواكم في مسألة كذا وكذا؟». قال قوله «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه» الذمة العهد، وتخفر تنقض، يقال: «أخفرت الرجل» نقضت عهده، يقال: «أخفرت الرجل» نقضت عهده، وخفرته أجرته؛ لأنه لا يؤمن على من أعطى ذمة أن يخفرها، فخفر ذمته أهون من أن يخفر ذمة الله تعالى. قال: وهذا والشاهد من هذا الحديث أن الإنسان لأن يخفر ذمته، وفيه نقص من توحيده وإيمانه، أهون عليه من أن يخفر ذمة الله، أي أن ينقض ذمة الله أو ذمة نبيه صلى الله عليه وسلم، ما فيه من معنى ضعف التعظيم الواجب لله رب العالمين تبارك وتعالى. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على