تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 57

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 57

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 57، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحديد الطلاق الرجعي بمرتين واشتراط نية الإصلاح

حدد الإسلام الطلاق الذي تثبت به الرجعة بمرتين فقط، مانعاً تكرار الطلاق والمراجعة كما كان في الجاهلية. واشترط أن تكون الرجعة بقصد الإصلاح لا الإضرار، وإلا بقيت المرأة في عدتها دون رجعة صحيحة.

أحكام الطلاق الثالث ومعنى الإمساك بالمعروف

بيّن المقطع أن الطلاق الثالث لا رجعة فيه، وفسر «الإمساك بالمعروف» بأنه الإحسان والعرف غير المضار مستنداً إلى القرآن وعمل ابن مسعود. وأكد أن الإمساك بقصد الضرر لا يعد إمساكاً بمعروف، مما يوجب الفسخ أو الخلع حسب المذاهب.

أحكام الطلاق بالإحسان والمهر والمتعة والهدايا

أوضح أن الطلاق يجب أن يتم بإحسان دون أخذ شيء من مهر الزوجة إلا في حال الخلع، وبين حكم المتعة للمطلقة وكونها واجبة أو مستحبة. كما شدد على عدم جواز استرجاع الهدايا التي أعطيت للزوجة.

خاتمة الدرس وحكم المهر في المخالعة

اختتم الشيخ الدرس موضحاً أن المهر الذي أعطاه الزوج يرجع إليه في حال المخالعة، على أن يفصل ذلك في الدرس القادم. ثم ختم بالشكر والدعاء للحضور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال رحمه الله: كان الطلاق في الجاهلية، واستمر أول الإسلام، يطلق الرجل زوجته إلى نهاية، فكان إذا أراد مضارتها طلقها، فإذا شارفت انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، أن له أن يطلق ما شاء ويراجع، ليس عليه عدة معينة أو عدد معينة. قال: ثم طلق وصنع بها مثل ذلك أبداً، فيحصل عليها من الضرر ما الله به عليم. فأخبر الله تعالى أن الطلاق الذي تحصل به الرجع مرتان، ليتمكن الزوج إن لم يرد المضارة من ارتجاعها، ويراجع رأيه في هذه المدة. وتقدم معنى الرجعة، المؤلف ما جاء على أن الرجعة إن كانت عن مضارة فهي غير صحيحة، أن إذا أراد أن يرجع المرأة لأجل أن يضارها فالرجعة غير صحيحة، وتستمر في عدتها. وإن كان أراد الإصلاح فإن الرجعة تكون صحيحة كما ذكرنا قبل، لأن الله عز وجل قال: ﴿بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. معنى مفهوم الآية: إن لم يريدوا إصلاحاً فلا يجوز له أن يرجعها، فهو ليس بحق بها ولا بحق برجعتها، بل تستمر في عدتها. والضرر مثل هذا، مثل أنه مثلاً يريدها أن تبقى في العدة، فإذا كانت تستنتهي العدة يجد أنه يراجعها ثم يطلقها حتى تستمر في العدة، وهذا من الضرر الذي لا يجوز. وقد كان في الجاهلية ليس لها عدد، فإذا أراد أن يضر الرجل بهذه المرأة طلقها وراجعها، فإذا انتهت أو كادت انتهت عدتها راجعها حتى تبقى هكذا معلقة. فقال الله عز وجل: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فجعل الطلاق الذي تحصل به الرجعة مرتان، ليتمكن الزوج إن لم يرد المضارة من ارتجاعها، ويراجع رأيه في هذه المدة. وأما ما فوقها فليس محلاً لذلك، على ما فوق الاثنتين معنى الثالثة ليس له رجعة بعدها إذا طلق الثالث، لأن من زاد على الثنتين فإما متجرع على المحرَّم أو ليس له رغبة في مساكها، فالقصد المضارة. لهذا أمر تعالى الزوج أن يمسك زوجته بمعروف، أي عشرة حسنة، ويجري مجرى مثاله مع زوجات. وهنا كما قلنا: المعروف يأتي أحياناً ويراد به المعروف أي الخير، ويأتي بمعنى ما اعتاد الناس عليه وهو العرف، فيأتي بمعنى هذا، وقد يأتي أيضاً بالمعنيين معاً كما في هذه الآيات، أن هذه الآيات يقصد بها المعنيين معاً. ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فهنا معنى يحمل على المعروف الذي هو الخير وعدم المضارة وعدم الأذية، ويحمل كذلك على ما تعارف عليه الناس من عوائد ليس فيها إضرار ولا مضارة. ولهذا هذا الشرط هو من شروط النكاح: ﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. ولهذا جاء عند ابن أبي شيبة بسناده الصحيح عن عبد الله بن مسعود، أو عن بسناد الحسن من طريق عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، أو عن زر عن عبد الله بن مسعود، أنه كان إذا خطب عنده أحد فيقول له: «زوجتك»، أو قل مثلاً يقول: «زوجتك هذه المرأة بإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»، يعني يجعله من لفظ العقد حتى يذكره بهذا الشرط، حتى يذكره بهذا الشرط. ولهذا اختار الإمام الشافعي ذكر هذا الشرط في لفظ النكاح، وإن لم يلفظه فهو واجب، لأنه قد ذكره ربنا جل وعلا على أنه شرط شرعي. ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ولا يجوز أن يضر امرأته بأي ضرر. إن كان أراد أن يمسكها لعلة أن يصلح الذي بينها وبينه فهذا يجوز له أن يراجع هذه المرة. أما إن كان يريد أن يضرها ولا يريد الإصلاح، فقط يريد أن يقضي شهوته، وأما ما كان جانب الإصلاح لا يريده، فدائماً يتخاصم معها ودائماً كذلك يضربها ودائماً كذا، فهذا ما يريد إصلاح. لهذا فمثل هذا ضرر وليس إمساك بمعروف. والأصل أن هذا العقد يفسخ، مثل هذا العقد أنه يفسخ، لكن على قول الجمهور أو على قول مالك وغيره أنه لا يفسخ، لكن للمرأة أن تخلع أو للرجل أن يطلق. سيأتي إن شاء الله معنا أيضاً الكلام عن الخلع في هذه الآية. قال رحمه الله: «بمعروف» أي عشرة حسنة، ويجري مجرى أمثاله مع زوجاتهم، وهذا هو الأرجح معنى العادة المعتادة مع الزوج مع زوجته على ما جرى عند الناس. قال: وإلا يسرحها ويفارقها أي بإحسان. ومن الإحسان أن لا يأخذ على فراقه لها شيئاً من مالها، لأنه ظلم وأخذ للمال في غير مقابلة، مقابلة بشيء. لهذا قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾، وهي المخالعة. وهنا يبين ربنا جل وعلا أن المسلم لا ينبغي له إذا طلق أن يأخذ شيئاً من مال المرأة، ولو أعطاها قنطاراً، أعطاها مالاً كثيراً، فلا تأخذوا منه شيئاً. ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. هذا مدام أنه قد استحل ودخل عليها، فهذا المهر الذي أعطاها إياه بما استحل من فرجه، لهذا فهو لا يجد له أن يأخذ شيئاً إلا إن كانت خالعته، كما سيأتي. ولهذا استثنى الله عز وجل المخالعة من الطلاق، لكن عليه فقط أن يمتعها ويسرحها تسريح حسن، بالحسنى. والمتعة إن شاء الله تعالى سيأتي الكلام عليها، أنها حصل خلاف بين أهل العلم هل هي واجبة أو مستحبة. عن متعة الطلاق: إذا طلقها فإنه يمتعها كما قال الله عز وجل في أزواج النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. وهذا أيضاً من المفارقة بالإحسان، أنه يعطيها شيئاً ويفارقها، فيفارقها أيضاً بإحسان، أنه لا يكون فيه أذى، لا يضربها ولا يظلمها بأخذ مالها أو بأخذ شيء من حقها، أو كما قلنا يضربها ضرباً مبرحاً، فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز، بل أنه يحسن إليها. إن كان لا يريدها فيسرحها، إذا كان ما يريد أن تكون معه زوجته فإنه يطلقها بالحسنى. فهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾، أي المهر. وأما ما يعطى أو ما تعطى المرأة من هدايا وغيرها فهذا يعتبر من الهدايا، لا يجوز له أن يرجع فيه، لا يرجع فيه. وأما ما أعطاها من المهر فإنه يرجع بالمخالعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في تتمة هذه الآية. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا ونكمل في الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم. شكراً لكم.