الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 55، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح أحكام الرجعة في الطلاق الرجعي مستنداً إلى آية البقرة 228، موضحاً حق الزوج في مراجعة زوجته خلال العدة إن أراد الإصلاح ولا يملك ذلك إن قصد الضرار. كما يستعرض أحكام المطلقة الرجعية من وجوب بقائها في بيتها إلا بفاحشة، ومسألة الإشهاد على الرجعة بين القول بالوجوب والاستحباب.
يبيّن وجوب إعلام الزوجة بالرجعة وعدم جواز امتناعها عنها بغير عذر شرعي، ويحرم على الزوج مراجعة زوجته بقصد الإضرار أو تطويل العدة. يجب الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان عند انقضاء الأجل.
يناقش خلاف الفقهاء في ملكية الزوج للرجعة مع نية الإضرار، حيث يرى الجمهور جوازها مع الإثم بينما يرجح المؤلف عدم صحتها لعدم توفر قصد الإصلاح. يفرق بين الطلاق الرجعي الذي تثبت فيه الرجعة والطلاق البائن الذي لا رجعة فيه إلا بعقد جديد، مبيناً أحكام العدة في حال عدم الدخول.
يختتم المتحدث بالإشارة إلى الانتقال لبيان الأحكام المتعلقة بقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، مكتفياً بما ذُكر في هذا الباب. يُعد هذا تمهيداً للتفصيل اللاحق في آية الطلاق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: قال ثم قال تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾ [البقرة: 228]. قالوا: بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ، أي: لأزواجهن ما دامت متربصة في تلك العدة أن يردوهن إلى نكاحهن إن أرادوا إصلاحًا، أي: رغبة وألفة ومودة. ومفهوم الآية أنهم إن لم يريدوا الإصلاح فليسوا بحق بردهن، فلا يحل لهم أن يراجعهن لقصد المضارة لها وتطويل العدة عليها. وهل يملك ذلك مع هذا القصد؟ فيه قولان: الجمهور على أنه يملك ذلك مع التحريم، والصحيح أنه إذا لم يرد الإصلاح لا يملك ذلك، كما هو ظاهر الآية. وهذه حكمة أخرى في هذا التربص، وهي أنه ربما ندم زوجها على فراقها، فجعلت له هذه المدة ليتروى بها ويقطع نظره، وهذا يدل على محبته تعالى للألفة بين الزوجين، وكراهته للفراق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق». وهذا الحديث كما تعلمون أنه مرسل، أخرجه الإمام أبو داود وابن ماجه وأحمد، وصحيح فيه الإرسال كما رجح ذلك الأئمة كابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وكذلك الشيخ الألباني في الإرواء، رجحوا أنه مرسل بدون ذكر ابن عمر. قال: وهذا خاص في الطلاق الرجعي، وأما الطلاق البائن فليس البعل بحق برجعتها، بل إن تراضيا على التراجع فلا بد من عقد جديد مستوفٍ للشروط. هذه الآية دلت على الرجعة، الرجعة في الطلاق، والرجعة في الطلاق تكون إذا طلق الأولى أو الثانية، طلق المرأة الأولى، طلق الأولى، والطلق الثاني له الرجعة، وأما بعد الطلق الثالثة فليست له رجعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ [البقرة: 229]. هذه المطلقة الرجعية لها أحكام، منها أنها لا تخرج من بيتها، لا تخرج من البيت، بقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَلَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ [الطلاق: 1]. فالأصل أن المطلقة الرجعية لا تخرج من البيت، لكن إذا كانت أتت بفاحشة، سواء كان بالفعل أو بالقول، معنى فاحشة اللسان: معنى عندها بذاءة بلسانها، تأتي بالكلام الفاحش والسب والشتم، فهذا له أن يخرجها من بيته، أو تكون لها فاحشة فعلية، إما فاحشة واضحة كالزنى أو مقدماتها، فله كذلك أن يخرجها من بيته، وإلا فالأصل أنه يبقيها في بيته. والعدة الرجعية سميت رجعية لأنه له الحق أن يرجعها في أي وقت شاء، أنا إذا كان في العدة، مثلاً ثلاثة قروء، أو ثلاثة حيض، العدة ثلاثة حيض كما تقدم، أو ثلاثة أطهار، ففي هذه العدة له أن يرجعها في أي وقت شاء. لكن هل يجب عليه أن يشهد؟ فالجمهور على أنه ليس بواجب، مع أن الله عز وجل قال في سورة الطلاق: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾ [الطلاق: 2]. فهنا الله عز وجل ذكر الشهادة في الإرجاع، فلهذا ذهب الظاهرية، وهو قول لجماعة من أصحاب أحمد، أن الشهادة في الرجعة واجبة، وكذلك الشهادة في الطلاق أوجبها بعضهم، لكن لم يدل عليها دليل، أقصد بالأمر. لكن الأولى أنه يشهد على الطلقة، ويشهد على الرجعة، أنه يشهد ناسًا، أو يجعل ورقة رسمية من المحكمة بالطلاق، ورقة رسمية من المحكمة بالرجعة، هذا مثل الإشهاد. أيضًا عند أكثر أهل علم أنه ينبغي أن يعلم المرأة برجعته، أنا لا يقول بعد ذلك إذا انتهت العدة: أنا أرجعتها، هذا ليس صحيحًا، الصحيح أنه لا بد أن يرجعها، أن يعلمها بالرجعة، يعلمها بالرجعة. أيضًا كذلك كما تقدم أنه لا يجوز للمرأة التي فيها رجعة، أو عليها رجعة لزوجها، أن ينكحها أحد أو يخطبها أحد، فهذا لا يجوز لأنها لا زالت في عقده. كذلك أيضًا المرأة التي لها رجعة على زوجها لا يجوز لها أن تأبى، لا يجوز لها أن تأبى بالرجعة إلا أن كان هناك سبب، هناك سبب يجعلها لا ترجع، وهذا السبب مثلاً يجيز لها أن تخلع، فهذا ما في شيء، أما أنها ترفض هكذا، لماذا؟ بعض النساء الآن إذا طلقها زوجها تحتاج إلى كرامة كما يقولون، فلهذا إذا أراد أن يرجعها لا ترجع، وهذا لا يجوز، وهذا لا يجوز. فلو أرجعها ولم ترجع، فيبقى أنها زوجته، تبقى أنها زوجته، لأن الآن انتهت بالرجعة، انتهت العدة، أقصد عدة معنى، ليس عليها عدة الآن. فإذا أرجعها ولم ترجع، مثل ما يفعل كثير من النساء الآن، مثلاً يأتي إليها أو يرسل إليها أنها ترجع، فهذه تعتبر رجعة، تعتبر رجعة، سواء كان بالقول أو بالفعل، على المذهب الصحيح من قول العلماء الآن: بالقول أنه يرجع صراحة، بالفعل أنه يطؤها. فإذا أرجعها ولم ترجع فهي زوجته، فهي زوجته، ولو بقيت في بيتهم سنوات، أنا لو بقيت في بيتها، بيت أهلها مثلاً، سنوات، فهي تعتبر زوجته، ما تقول مثلاً: لا هو طلقني خلاص، أنا ما سأرجع، بل إذا طالب برجعتِها فتعتبر زوجته، ولو بقيت سنوات في بيتها، لأن هذه مثل هذه الأمور أحياناً بعض الناس يجهلون، تجد أنها ترفض في الرجعة، بعد أن إذا انتهت عدتها قالت: خلاص انتهت العدة، فهذا ليس صحيحًا. فإن أرادت تخلع، تخلع، إن كان هناك سبب للخلع، والخلع ليس طلاق رجعة على الصحيح من أقوال أهل العلم، هو قول جمهور، وذهب الشافعي على أنه طلاق، لكن لا يقول بالرجعة، يجعله طلاقًا بائنًا، وعند أحمد أنه فسخ، وهو المذهب الصحيح أن كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الخلع أنه فسخ وليس طلاق، فأكسب فسخ للنكاح وليس طلاق، لهذا الصحيح أن عدتها حيضة، أي المختلعة. فالآن ذكر مسألة في قوله جل وعلا: ﴿ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾، وبعولتهن، بعولتهن أزواجهن، أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا. طيب، إذا كان ما يريد إصلاحًا ويريد فقط أن يضر بها، أنا إذا كادت هذه العدة أن تنتهي أرجعها، أنا طلقها طلاق الأولى، فلم يشفِ من أنه طلقها، أراد مثلاً أن كما يضرها، فيأتي بها إلى بيته مثلاً، يرجعها ويعاملها معاملة سيئة، ويعاملها معاملة سيئة جداً، معنى أكثر من التي قبل، فهذا لا يجوز، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [الطلاق: 2]، وهنا الآية هذه حملها أهل العلم، وذكر بعضهم إجماعًا، في حملها على أنها ليست انتهت العدة، وإنما قاربت على الانتهاء، أنا مثلاً بقيت أيام أو يوم، فيأتي من يكون ولياً مثلاً للمرأة هذه، يقول لهذا الزوج: إما أنك تمسك هذه المرأة، وإما أنك تسرحها، تجعل العدة تنتهي، أنا تسرحها، لا تمسكها، لكن الإمساك هذا بالمعروف، قال الله عز وجل: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾، فلهذا إذا أراد الزوج أن يرجع زوجته لا بد أن يمسكها بمعروف، وإلا كان آثمًا، أنا لا يرجعها لأجل أن يضر بها. وكذلك أيضًا إذا أراد أن يطول عليها المدة، فهل هذا الرجوع يكون صحيحًا؟ فهنا يذكر المؤلف أن مذهب الجمهور أنه يملك ذلك مع التحريم، أنا هو آثم أن رجعها لأجل أن يضر بها، ورجعها أيضًا لأجل إطالة العدة عليها، معنى مثلاً يرى أن هذه المرة أرادت أن تفك منه مثلاً وتتزوج غيره، فطلقها بعد ذلك، وحسب هذا يقوم فيرجعها ثم يطلقها لأجل أن يطيل عليها المدة، وهذا لا يجوز. لكن هل إذا كانت نيته هذه أو صرح بها هل هذا الرجوع صحيحًا؟ فقال المؤلف: رجح أنه ليس صحيحًا، معنى يقول للمؤلف هنا أن هذه الرجعة ليست صحيحة، وليس هو بحق برجعتِها إذا كان أراد الإضرار. فذكر الجمهور أنه يملك ذلك مع التحريم، والصحيح أنه إذا لم يرد الإصلاح لا يملك ذلك، أنا لا يملك الرجعة، مثلاً يقول: إذا كانت هكذا أنا سآتي بها وأدبها مثلاً، أنا يريد أن يضر بها وصرح بذلك، فهنا يقال له: أنك لست أحق بالرجعة، معنى لا ترجع إليك ما دامت نيتك إنما الإضرار وليس الإصلاح. لهذا قال: وهذه، قال: وظاهر الآية أنه إن لم يرد الإصلاح لا يملك ذلك، أي: لا يملك الرجعة. فإن كان مثلاً أراد أن يضر بها برجعتِها، أو يريد أن يمد عدتها، فهذا يقول المؤلف أن الصحيح أنه لا يملك هذه الرجعة، وهذا مفهوم الآية: ﴿ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾. وجمهور أهل العلم جعلوا هذا من باب التحريم فقط، وإلا فهو يملك لأنها في عقده، وهذا هو الأصل، لأن المرأة لا زالت في عقده فهو يحق له أن يرجعها في أي وقت، فإن أراد المضار بها فهو آثم، ويحق له أن يرجعها لكنه آثم، لكنه آثم. ثم قال رحمه الله: هذا خاص في الطلاق الرجعي، وأما الطلاق البائن فليس البعل بحق برجعتِها، والطلاق البائن إما أنه يطلقها ثلاث طلقات، أنا يطلق ثم يرجعها ثم يطلق ثم يرجعها ثم يطلق الثالثة، فهذه خلاص تبينت منه، فلا رجعة لها. والطلاق البائن أيضًا إذا انتهت العدة يكون طلاقًا بائنًا، إذا انتهت عدتها يكون طلاقًا بائنًا، إذا أراد أن يرجعها له أن يرجعها لكن يرجعها كأنها امرأة أخرى، معنى بمهر جديد وبعقد جديد. والله عز وجل قد ذكر قال: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 232]، فقال: أن ينكحن أزواجهن، ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾، معنى: إذا أردن أن ينتزوجن أزواجهن مرة أخرى فلهن ذلك، ولا ينبغي للولي أن يعضل، لأن المرأة إذا طلقها زوجها فهو أحق بها، وإن كان قد بانت منه، لأنها مثلاً غالباً يكون عندها أولاد منه، وأيضاً غالباً أنها قد قد ألفته، وقد أيضاً قد كانت له لباس، فمتعد لباسات المرأة أو أزواج المرأة يكون فيها شيء عليها، فرجوعها إلى زوجها أفضل، أو إلى زوجها الأول، أو هذا الذي طلقها، وأفضل، فلهذا يكون هذا الرجوع أيضًا من العقد، أو من الطلاق البائن. إذا تزوج ولم يدخل على المرأة، لم يدخل بها، عند الشافعي ومالك أن الدخول يكون بالمس، على معنى أنه لا بد أن يجامعها، فلو خلى بها في غرفة لا يكفي، وعند أحمد أنه يكفي، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذلك. لكن معنى من باب أيضًا معرفة البائن أن أن الرجل إذا طلق المرأة قبل أن يدخل عليها تعتبر بائنًا، أنا لو طلقها الآن لها أن تتزوج بعد ساعة، بعد خمس دقائق، يعقد عليها آخر وينزوجها، ما في شيء، معنى لأنها ليس عليها عدة، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ [الأحزاب: 49]، فليس هناك عدة عليها. فهذا بعض ما يذكر في هذا الباب، وإن شاء الله تعالى نذكر بعض الأحكام في قول الله عز وجل: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.