الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر ابن رجب تقسيم الرواة إلى أربعة أقسام مبيناً أن القسم الرابع هم الحفاظ المتقنون الذين يقل خطأهم ويُحتج بهم. وينبه إلى أن حتى الأئمة الكبار كمالك بن أنس قد وقعوا في أخطاء يسيرة في الأسانيد والمتون مع اختلاف النقاد في أرجح رواة الزهري.
يصف المقطع نشأة سفيان بن عيينة المبكرة في طلب العلم من الزهري وعمر بن دينار ومقارنة روايته برواية معمر ومالك. ويروي نقاش الأئمة الثلاثة في أفضل أصحاب الزهري مع إشارة أحمد إلى أخطاء سفيان في نحو عشرين حديثاً بينما كان مالك أقلهم خطأً.
يناقش المقطع اختلاف الروايات في أحاديث الدباغ حيث زاد سفيان بن عيينة لفظاً لم يروه مالك ومعمر. ويستعرض أقوال العلماء في جواز الخطأ على المحدثين حتى الثقات مع ذكر أمثلة لوهم الصحابة والتابعين ومدح ضبط أهل البصرة.
أثنى أبو زرعة الرازي على عبد الرحمن بن مهدي وأطنب في مدحه مشيراً إلى أن أخطاءه اقتصرت على تصحيف بعض الأسماء. ونقل عن ابن معين قوله إن زكريا بن أبي زائدة أحير وأعلم ولم يخطئ إلا في حديث واحد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله: «أقسام الرواة وحكامها». قال: قد ذكرنا فيما تقدم أن الرواة ينقسمون أربعة أقسام، وهذا على ترتيب الحافظ أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي في كتابه «الجرح والتعديل». نقسم الرواة على أربعة أقسام، مثل ما ذكرهم هنا في كلام الترمذي رحمه الله أيضاً. أحدها: من يتهم بالكذب. والثاني: من لا يتهم لكن الغالب على حديثه الوهم والغلط. وأن هذين القسمين يترك تخريج حديثهم إلا لمجرد معرفته. والثالث: من هو صادق ويكثر في حديثه الوهم ولا يغلب عليه، وقد ذكرنا الاختلاف في الرواية عنه وتركه. والرابع: الحفاظ الذين يندر غلطهم ويقل الخطأ في حديثهم، وهذا هو القسم المحتج به بالاتفاق. قالوا: قد ذكر الترمذي حكم الأقسام الثلاثة فيما تقدم، وذكر هنا حكم القسم الرابع، وهم حفاظ المتقنون الذين يقل خطأهم. وذكر أنه لم يسلم من الغلط والخطأ كبيرٌ، أحدٌ كبيرٌ، أحد من الأئمة مع حفظهم، وهو كما قال: كبير أحد... معنا أكثر من واحد أو أكثر من أحد، أو لا يسلم أحد من الخطأ. الخطأ وارد حتى على كبار المتقنين كمالك وغيره. قلنا: إنه حصل منهم الخطأ. ولأن مالكاً يضرب به المثل في الحفظ والإتقان، وكان أيضاً يتحرى الرواية، فلذلك كما ذكرنا أن الإمام الدارقطني ألف كتاباً سماه «جزء ما أخطأ فيه مالك من الأسانيد ومن المتون». وغالبها أشياء بسيطة، هذه التي أخطأ فيها مالك، غالبها أشياء بسيطة. ذكر مسلم منها ثلاثة، ذكر مسلم في كتابه «التمييز» ثلاثة أحاديث. ومنها خطأه في حديث أنس الذي في الصحيحين، لما ذكر فيه قال أنس: «حتى يذهب أحدهم إلى العوالي ثم يرجع والشمس حية»، فقال بدل العوالي: قباء، «حتى يذهب أحدهم إلى قباء». ولا شك أن العوالي أبعد من قباء. وفي الأسانيد في خطائه، معنا في خطائه في اسم عمرو بن سعيد الأشعث، كان يقول: عمر. وأيضاً أخطأ في بعض الحديث، في حديث عائشة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الوتر وصلاته بعد ذلك بعد الأذان ركعتين ثم يتجع، فأخطأ مالك فجعل الركعتين بعد الوتر معنا قبل الأذان، وإنما هي بعد الأذان. وأشياء من هذا القبيل، معنا أخطاء يسيرة لكنها أخطاء بسيطة. وهناك أشياء مختلف فيها، معنا سواء كان اختلاف أصحاب الزهري، وهذا عدة أحاديث اختلفوا فيها أصحاب الزهري، وبعض أيضاً أصحاب نافع. لكن مالك أتقن لحديث نافع، وليس هناك من يوازي مالك في حديث نافع. لكن في حديث الزهري قد يكون من يوازيه، ولهذا اختلف علي بن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين في من هو أوثق أصحاب الزهري وأحفظهم. فقال علي بن المديني: سفيان بن عيينة. وقال أحمد: مالك. وقال يحيى: معمر. وأنكر يحيى كلام علي، فقال: وما عسى أن يكون؟ قد روى سفيان... أنا سفيان أقلهم رواية عن الزهري، لأنه ما رأى الزهري إلا مرة واحدة، ما رأى الزهري إلا مرة واحدة في حج، في الحج التي حجها في آخر سنة ثلاث وعشرين ومئة، وبعدها رجع إلى الشام ومات في سنة، في أول سنة أربع وعشرين ومئة. ف سفيان بن عيينة جلس معه تلك الأيام في مكة، ولا زال صغيراً، أنا لازلت في شبابي، أنا قرابة في ذلك الوقت، سفيان بن عيينة سنه ستة عشر أو خمسة عشر، لأنه ولد في سنة سبع ومئة، أنا في هذا الحدود، في خمسة عشر أو ستة عشر، أنا بداية شبابي، ستة وعشرين، وقرابة، وقرابة، وقرابة، وقرابة. بخلاف معمر، معمر التقى بالزهري مرتين، مرة في المدينة، وقرابة، وجلس، وقرابة، وجلس عنده أيام. سبحان الله، كما قال الإمام أحمد: ما قارنت أحداً في طلب العلم بمعمر إلا رأيت معمراً أفضل منه. أنا كان معمر أحرص على العلم كثيراً، مع أنه كان يشتغل بالتجارة، كان يتاجر لامرأة، لامرأة من أهل البصرة، يذهب ببزها إلى الحج، إلى المدينة، فلما دخل المدينة وجد الناس يجتمعون على الزهري، فاجتمع معهم، أخذ نسخة وسمع الحديث من الزهري. والمرة الأخرى كانت في العراق أو في الشام، على الصحيح، في منطقة اسمها الربذة، فالتقاه وجلس عنده فترة. فلذلك فحديث معمر أكثر من حديث سفيان. وأيضاً كان سفيان يتثبت من معمر، كانت سفيان دائماً يتثبت من معمر في الأحاديث. وسفيان حافظ كبير، لكن أحياناً الإنسان في الحفظ القديم قد يختل عليه مهما كان. انظر إلى سفيان بن عيينة أخذ الحديث من الزهري ومن عمر بن دينار وهو صغير، وهو بداية شبابه، ثم شاخ وصار إماماً وحدث الناس، لما جاء بعدما مات الزهري ورجع إلى الكوفة، لأنه سفيان بن عيينة من أهل الكوفة، لكن كان يخرج مع أبيه إلى الحج، وكان أبوه يخرج كل سنة إلى الحج فيجلس في مكة أربعة أشهر، معنا مع أيام الحج، ثم يرجع إلى الكوفة، وكان سفيان يذهب معه ويطلب العلم. فلما رجع في سنة أربع وعشرين ومئة، رجع إلى الكوفة، وجد علماء أهل الكوفة، وكان فيها مسعر، سفيان الثوري، وجماعة. فقال له مسعر: حدث يا أبا محمد. فقال: والله ما أستطيع أن أحدّث. قال: فأخذني وأجلسني، فأخذه مسعر وأجلسه، قال: حدث، ومعك حديث عمر بن دينار والزهري، أنا عادي، ولو كنت تحدث لكن معك حديث الزهري وعمر بن دينار، وهم ما لقوهم إلا مسعر، لقيا عمر بن دينار، أما الزهري ما لقيا. فكان يحدث وله سبع عشرة سنة أو نحوها، ومنذ ذلك الوقت وهو يحدث، قال: حتى قال: مللت الحديث على ثنتين وسبعين سنة، أو سبعين سنة، وهو يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حتى مللت الحديث. فالمهم أن اجتمع الأئمة الثلاثة، وذكروا من هو أفضل أصحاب الزهري. فقال علي: سفيان بن عيينة. وقال يحيى: معمر. وقال أحمد: مالك. فأنكر يحيى على علي تقديمه سفيان على معمر ومالك، فقال: وكم روى سفيان عن الزهري؟ معناه: روى أقل من هؤلاء. وقال الإمام أحمد: عليّ أن سفيان قد أخطأ في عشرين حديثاً من أحاديث الزهري. وهذه الحكاية يحكيها الإمام أحمد، ورواها الظاهر المروذي أو العُثْرِي. ثم قال أحمد: بل بل عشرين، بل عشرين وعشرين، أنا أخطأ في عشرين، بل عشرين وعشرين، أنا كأنه أخطأ في الستين حديثاً. وأما مالك فلم يخطئ إلا في أشياء يسيرة من حديث الزهري، كما قلنا ذكرها الدارقطني وحاول أن يحصي هذه الأخطاء. وأما الأشياء المختلف فيها كحديث الدِّبَاغ، حديث عبد الرحمن بن عوف عن ابن عباس في الدِّبَاغ، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا انتفعتم بإهابها فدبغتموه»، هذه «فدبغتموه» زادها سفيان بن عيينة، من أصحاب الزهري الذين رووا كمالك ومعمر فلم يذكروا «فدبغتموه»، وإنما ذكروا: «ألا انتفعتم بإهابها». وأيضاً في حديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، لكن في حديث «أيما إهاب دبغ فقد طهر» وافقه مالك ومعمر وجماعة من الحفاظ، وهناك من لم يذكر هذه الزيادة. فهذه الأشياء المختلف فيها لم يذكرها مالك رحمه الله لأنها فيها خلاف، بينة للعلم من الذي أصاب. فمنهم من صوب رواية سفيان وأنه حفظ لفظ الدِّبَاغ، ومنهم من قال: لعله وهم سفيان، فحمل الحديث هذا الذي هو «أيما إهاب دبغ فقد طهر» على حديث عبد الرحمن بن عوف عن ابن عباس: «ألا انتفعتم بإهابها فدبغتموه». لكن قد وافقه أيضاً بعض الرواة، المالك أقصد عن الزهري. قال: وقال ابن معين: من لم يخطئ فهو كذاب، من لم يخطئ فهو كذاب. وقال ابن معين: لست أعجب من من يحدث فيخطئ، وإنما أعجب من من يحدث فيصيب، لأن الخطأ وارد. وقال مبارك: ومن يسلم من الوهم؟ وقد وهمت عائشة، وجماعة من الصحابة في روايتهم للحديث، وقد جمع بعضهم جزءاً في ذلك، الظاهر يريد جزء الإمام الزركشي «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة». وأيضاً السيوطي له كتاب في هذا سماه «عين الإصابة». قال: وهم سعيد بن المسيب في قوله: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم. وقرأت بخط أبي حفص البرمكي الفقيه الحمد، ذكرت لأبي الحسن يعني الدارقطني: جاء عمر بن يحيى المازني في ذكره الحمار موضع البعير لتوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، وأن أحمد لم يضعفه بذلك. فقال أبي الحسن: مثل هذا في الصحابة، هذا يحصل في الصحابة أنهم يهمون في بعض الأمور. ابن عمر وهم في أشياء، منها أنه قال: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، فأوهّمته عائشة في ذلك. فقال أبي الحسن: مثل هذا في الصحابة. قال: روى رافع بن خديج المزني قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على بغلة، ببناء، أنا ذكر بغنة، وإنما هي ناقة. وروى الناس كلهم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم على ناقة وجمل، أفيضعف الصحابي بذلك؟ وقد ذكر الأثر ابن أحمد أن ابن المديني كان يحمل على عمر بن يحيى، وذكر له هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال: إنما هو على بعير. فقال أحمد: هذا سهل، هذا شيء هين. وقال أحمد: كان مالك من أثبات الناس وكان يخطئ. وقال أحمد بن زين: قد أخطأ في غير شيء. قال أحمد بن زين: مع أنه ثبت. وقال علي بن المديني: المحدثون صحفوا وأخطؤوا، ما قال أربعة: يزيد بن زريع، وابن علية، وبشر بن المفضل، وعبد الوارث بن سعيد. معنا كانوا يتقنون، خاصة أصحاب البصرة، أولا ليس لهم مثيل، أصحاب البصرة ضبطوا الحديث ضبطاً شديداً، حتى ما كاد أحدهم يغلط. وهم منهم: يزيد بن زريع، وابن علية، وبشر بن المفضل، وعبد الوارث بن سعيد. قالوا عن الترمذي، مع أن بعضهم تكلم. قال: وقال البرذعي. وقال البرذعي، البرذعي كما قلنا من أبو هارون أحمد بن هارون البرديجي، يقال البرديجي ويقال البرذعي، لأن البرديج وبرذع معناهما متقاربتان. قال: وقال البرذعي: شهدته أبا زرعة ذكر عبد الرحمن بن مهدي ومدحه وأطنب في مدحه، وقال: وهم في غير شيء. ثم ذكر عدة أسماء صحفها بعدما أثنى عليه، ذكر أنه صحف في أسماء. وقال: قال عن سماك عن عبد الله بن ظالم، وإنما هو مالك بن ظالم. وقال ابن معين: أحير من زكريا بن أبي زائدة، كيس، لا أعلم أخطأ إلا في حديث واحد. وقد ذكر الترمذي هنا، إن شاء الله أكتفي بها.