الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع تفاضل العلماء في الحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع ذكر أمثلة مثل محمد بن حميد الرازي وإبراهيم النخعي والزهري. يُبرز كيف اختبر الأئمة حفظ الرواة ومدى دقتهم في الرواية.
يسرد المقطع نماذج من عناية المحدثين الأوائل بالحفظ والضبط مثل قتادة وسفيان الثوري والزهري ويحيى بن أبي كثير وحماد بن زيد وشعبة. تُذكر شهادات أقرانهم بدقة روايتهم ومنهجهم في المراجعة حتى لُقب شعبة بأمير المؤمنين في الحديث.
يتناول المقطع مقارنة بين كبار أئمة الحديث مثل سفيان الثوري وشعبة ومالك بن أنس وعبد الرحمن بن مهدي، مبينًا تفوق كل منهم في الحفظ والإتقان ومعرفة الرجال. تُستحضر شهادات الأئمة اللاحقين كالأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان بفضلهم.
يوضح أبو عيسى أن الكلام في علم الرواية عن العلماء يُدوّن، وقد ذُكر باختصار ليستدل به على منازل العلماء وتفاضلهم في الحفظ والإتقان. يؤكد أن من تكلم في هذا الباب من أهل العلم سيُكتب عنه إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: «إنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان، والتثبت عند السماع»، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الله، إما مع حفظهم. أن العلماء يتفاضلون في العلم والحفظ والإتقان، وكذلك التثبت عند السماع؛ عندما يسمعون، فمنهم من يتثبت أكثر، كما جاء عن شعبة وعن غيره. قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي، ومحمد بن حميد ضعفه العلماء ليس لحفظه، بل هو حافظ، لكن حصلت منه بعض الأشياء من الخطأ، من السرقة؛ أنا أخذ نسخ الناس والتحديث منها، وحملهم على ذلك شهوة العلم وشهوة التحديث، حتى أنه حصل منهم الكذب. محمد بن حميد الرازي أثنى عليه أحمد، وأثنى عليه ابن معين، لكن عرفه أهل بلده، وهذه من قواعد الجرح والتعديل: أن أهل البلد أعلم ببلديهم من غيرهم. فهذا أثنى عليه أحمد وابن معين، لكن بينوا عواره أهل بلده، كأبي حاتم وأبي زرعة، حتى قال أبو زرعة: كان محمد بن حميد، وأشار إلى لسانه، أي أنه كان يكذب. وقال أبو حاتم: أرسلت إلى ابن معين أن اكفَ الثناء عن محمد بن حميد، وقلت له بحاله. قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا جرير أخو بن عبد الحميد الضبي، عن عمارة بن القعقاع، قال: قال لي إبراهيم النخعي: إذا حدثتني فحدثني عن أبي زرعة بن عمر بن جرير، فإنه حدثني مرة بحديث، ثم سألته بعد ذلك بالسنين فلم يخرم منه حرفا. أبو زرعة بن عمر بن جرير يروي عن أبي هريرة وعن غيره، وهو حفيد جرير بن عبد الله البجلي. قال: حدثنا أبو حفص عمر بن علي، وهو الفلاس، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن منصور، قال: قلت لإبراهيم النخعي: ما لسل بن أبي الجعد أتم حديثا منك؟ قال: لأنه كان يكتب، وأنا أكون أقل لكتابته. قال: حدثنا عبد الجبار بن علي، قال: حدثنا سفيان، قال: قال عبد الملك بن عمير: إني لو حدثت بالحديث فما أدع منه حرفا. وهكذا كثير من لا إما. حتى أن الزهري رحمه الله، لما قال له هشام بن عبد الملك: املِ على أولادي، أملي عليهم أحاديث، فأملي عليهم أربعمائة حديث. قال: فلما كان العام القابل، قال له هشام: يا أبا بكر، نريد أن تملي الأحاديث التي قد مليتها قبل، فإنها قد أضعناها، أو كذا؛ أنا يريد أن يختبر حفظه. فجاء بالكاتب، وكتب هذه الأربعمائة حديث، قال: فقورنت بالورقة التي كتبها العام، فما خرم منها حرفا واحدا، كأن نفسك كأنها مصحف، كأنها شيء منسوخ. قال: حدثنا الحسين بن مهدي البصري، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: ما سمعت أذني شيئا قط إلا وعاه قلبي. أنا بشرى يحفظ. وكان سفيان الثوري أيضا من هذا النوع: إذا سمع شيء حفظه، حتى أنه كان يضع الكرسف على أذنيه حتى لا يسمع شيء غير الحديث. قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: ما رأيت أحدا أنص للحديث من الزهري، أنا يأتي بالحديث بلفظه. قال: أخبرنا إبراهيم بن سعيد الجوهري الحافظ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال أيوب السختياني: ما علمت أحدا كان أعلم بحديث أهل المدينة بعد الزهري من يحيى بن أبي كثير. قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: حدثنا سليمان بن حرب، وهو الأزدي الواشح، قال: حدثنا حماد بن زيد، أبو إسماعيل البصري الحافظ، كان حفظه كحفظ سفيان. قال: كان ابن عون يحدث، فإذا حدثته عن أيوب بخلافه تركه، فأقول: قد سمعته، فيقول: إن أيوب أعلم بحديث محمد بن سيرين. قال: أخبرنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، أبو بكر بن أبي شيبة، قال: قلت ليحيى بن سعيد: أيهما أثبت، هشام الدستوائي أو مسعر؟ قال: ما رأيت مثل مسعر، كان مسعر من أثبت الناس، عن أيضا هشام. كان أحمد رحمه الله يثني عليه جدا، قال: لأنه كان يكتب. وحدثنا أبو بكر، عبد القدوس بن محمد، قال: وحدثنا أبو الوليد، قال: سمعت حماد بن زيد يقول: ما خالفني شعبة في شيء إلا تركته. وقال أبو بكر: حدثني أبو الوليد، قال لي حماد بن سلمة: إن أردت الحديث فعليك بشعبة. قال: حدثنا عبد بن حميد الكشي، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: قال شعبة: ما رويت عن رجل حديثا إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة أحاديث أتيته أكثر من عشر مرار، والذي رويت عنه خمسين حديثا أتيته أكثر من خمسين مرة، والذي رويت عنه مئة أتيته أكثر من مئة مرة، إلا حيان البارقي، فإني سمعت منه هذه الأحاديث ثم عدت إليه فوجدته قد مات. هذا كان من عادة شعبة: أنه يأتي ويسأل الشخص عن الحديث الذي حدثه به، حتى يرى هل هو حافظ لهذا الحديث أو أنه ضيعه. قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، قال: أخبرنا ابن مهدي، قال: سمعت سفيان يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث. قال: حدثنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله أحد عندي. وإذا خالفوا سفيان أخذت بقول سفيان، أن سفيان كان أحفظ، وشعبة أعلم من سفيان بالحديث. قال علي: قلت ليحيى: أيهما كان أحفظ لحديث الطوال، سفيان وشعبة؟ قال: كان شعبة أمر فيها. قال يحيى: وكان شعبة أعلم بالرجال، فلان عن فلان، وكان سفيان صاحب أيوب، صاحب أبواب. قال: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث، قال: سمعت وكيعا يقول: قال شعبة: سفيان الثوري أحفظ مني. ما حدثني سفيان عن شيخ بشيء فسألته إلا وجدته كما حدثني، أنا يأتي باللفظ. قال: حدثنا عمر بن علي، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ألا إن الأئمة في الحديث أربعة: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وحماد بن زيد. قال أبو عيسى: سمعت إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: سمعت معن بن عيسى القزاز يقول: كان مالك بن أنس يشدد في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الباء والتاء ونحوهما، يعني حتى في الحرف. ومالك معروف بإتقانه. قال: أخبرنا أبو موسى، حدثني إبراهيم، أبو موسى العنزي، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن القرظي، من الأنصاري، قاضي المدينة، قال: مر مالك بن أنس على أبي حازم وهو جالس، فجازه، فقيل له، قال: إني لم أجد وضعا أجلس فيه، وكرهت أن آخذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائم. قال: لم أجد موضعا أجلس فيه. قال: أخبرنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: قال يحيى بن سعيد: مالك عن سعيد المسيب أحب إلي من سفيان الثوري عن إبراهيم النخعي. قال يحيى: ما في القوم أحد أصح حديثا من مالك بن أنس. كان مالك إماما في الحديث، مع أن مالك لم يسمع من سعيد ولم يدركه، لكن أراد لشدة إتقانه، وأيضا تثبته، فهو لا يأخذ إلا عمن عرف أنه ثقة. قال: سمعت أحمد بن حسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان. قال أحمد بن حسن: وسئل أحمد بن حنبل عن وكيع وعبد الرحمن بن مهدي، قال أحمد: وكيع أكبر في القلب، وعبد الرحمن إمام. وإنما فضل أحمد وكيعا لأنه ذكر العلة في ذلك: أن وكيعا كان له صاحب فعمل بالقضاء فتركه وكيع، وعبد الرحمن كان له صاحب عمل بالقضاء فلم يتركه. باب التورع. قال: سمعت محمد بن عمر بن نبهان بن صفوان، الثقة البصري، يقول: سمعت علي بن المديني يقول: لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني لم أرى أحدا أعلم من عبد الرحمن بن مهدي. قال أبو عيسى: والكلام في هذا والرواية عن أهل العلم يكتب، وإنما بينا شيئا منه عن الاختصار، ليستدل به على منازل أهل العلم وتفاضل بعضهم على بعض في الحفظ والإتقان. ومن تكلم فيه من أهل العلم لأي شيء تكلم فيه، طيب، إن شاء الله نكتب.