تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 168

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 168

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 168، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الإنصاف في ذكر الممدوحين من أهل الكتاب

توضح الآية أن ذكر الراسخين في العلم من أهل الكتاب يأتي كإنصاف وبيان لفضلهم لا للموازنة مع أهل البدع. ويبين العلامة سعد أن الاستدلال بها للموازنة خطأ لأن ذكر المحاسن يهدف للتقويم لا للتحذير.

الفرق بين مقام التحذير ومقام التقويم

يبيّن المقطع أن التحذير من طائفة لا خير فيها يقتضي عدم ذكر محاسنهم لئلا يغرّ الآخرين، مستدلاً بذكر الله لأبي لهب وعالم بني إسرائيل. ويؤكد أن عدم ذكر الحسنات في مقام التحذير حكمة لتمييز المقامين لا ظلم.

استثناء المؤمنين من اليهود المجرمين ووصفهم

بعد تعداد جرائم اليهود، استثنى الله منهم الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الصالحات، ووصفهم بأنهم أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وآمنوا باليوم الآخر. فهؤلاء استحقوا أجراً عظيماً لكونهم جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾. قال رحمه الله: لما ذكر معايب أهل الكتاب ذكر الممدوحين منهم، فقال: ﴿ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ﴾. وهذا من باب الإنصاف، وليس من باب الموازنة كما ظنه بعضهم. استدل بعض أهل البدع بأن هذا من الموازنة مع أهل البدع، أنك إذا تكلمت في مبتدع أو في غيره فإنك تذكر محاسنه ومساوئه، وهذا خطأ؛ لأن الإنصاف... لأنك إذا أردت أن تحذر من شخص فما فائدة ذكر محاسنه؟ لكن أحياناً من باب التقويم، ولأن هؤلاء غير أولئك، فلذا تذكر من كان له الفضل. مثلاً: لو ذكر طائفة وفيهم أهل فضل وأهل رجوع وأهل حق تذكرهم، كما ذكر الله عز وجل هنا. أما إن كان تحذر من طائفة ليس فيهم خير وليس فيهم من يثنى عليه، وخاصة وقت التحذير، لا يذكر المحاسن؛ لأن ذكر المحاسن تغرير بالآخرين، فما فائدة التحذير إذا ذكرت المحاسن؟ ولهذا الله عز وجل ذكر كثيراً من الناس ولم يذكر لهم حسنات، ذكر التحذير منهم. فذكر أن أبا لهب وامرأته في النار ولم يذكر شيئاً من محاسنه. وذكر أيضاً صاحب بني إسرائيل الذي كان من أهل العلم ثم سال لعابه إلى الدنيا، وهو الذي قال له ابن باعوراه كذا، فكان ذكره الله عز وجل وأنه آتاه الله الآيات، بمعنى أنه آتاه علماً، لكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب: إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. فهذا لا شك أن له حسنات لأنه كان من أهل العلم، لكن الله عز وجل لم يذكر شيئاً من ذلك. فهل معنى ذلك أنه لم ينصف؟ فعال الله عما يقول هؤلاء. فإنما هم لم يفرقوا بين مقام التحذير ومقام التقويم. مقام التقويم ممكن أنك تذكر ما على الرجل وما له، وأما مقام التحذير فلا ينبغي أن تذكر ما له؛ فإنه تغرير. فليس هذا من هذا الباب، وإنما هذا من ذكر من كانت له محاسن منهم، وهو ينتسب إليهم لكنه ليس على شاكلتهم. قال: أي الذين ثبت العلم في قلوبهم ورسخ الإيقان في أفئدتهم، فأثمر لهم الإيمان التام العام. قال: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾. أن هؤلاء ليسوا على دين اليهود لأنهم آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهم من نسبة إلى اليهود ينتسبون لليهود، لكنهم خالفوا اليهود فآمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، وآمنوا كذلك بما أنزل على موسى وعيسى. قال: وأثمر لهم الأعمال الصالحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهما أفضل الأعمال، وقد اجتمعتا على الإخلاص للمعبود والإحسان للعبيد؛ فإخلاص المعبود الصلاة، والإحسان للعبيد الزكاة. وآمنوا باليوم الآخر فخافوا الوعيد ورجوا الوعد. فخافوا الوعيد أي الوعيد بالنار والعذاب، ورجوا الوعد أي بالجنة والنعيم. قال: ﴿ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾. أي لأنهم جمعوا بين العلم والإيمان والعمل الصالح والإيمان بالكتب والرسل السابقة واللاحقة. فهؤلاء استثناهم الله عز وجل من أولئك اليهود الذين أجرموا، فعدد الله عز وجل فضائحهم وجرائمهم، ثم استثنى هؤلاء الذين آمنوا بالله وآمنوا برسله وعملوا الصالحات. فهذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.