تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 166

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 166

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 166، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رد السعدي على طلب أهل الكتاب إنزال القرآن جملة واحدة

يوضح العلامة السعدي أن طلب أهل الكتاب إنزال القرآن جملة واحدة كالتوراة والإنجيل هو عناد واقتراح باطل، لأن النبي بشر لا يملك من الأمر شيئاً. ويبين أن الله أنزل القرآن منجماً لتثبيت فؤاد الرسول والرد على شبه المشركين بأحسن تفسير.

الرد على اعتراض المشركين بنزول القرآن مفرقاً

يرد النص على اعتراض الكفار بأن القرآن نزل مفرقاً لا جملة واحدة، مبيناً أن التدرج في النزول كان لتثبيت فؤاد النبي وتقوية قلبه. ثم يستعرض قبائح بني إسرائيل وعنادهم كطلب رؤية الله وعبادة العجل وقتل الأنبياء ليؤكد أن من فعل هذه الكبائر لا يستغرب منه طلب إنزال كتاب على وجه التعنت.

حجة الله على المشركين بذكر عناد بني إسرائيل وجرائمهم

يستعرض المقطع حجة الله على المشركين بذكر عناد بني إسرائيل وسؤالهم التعنتي لرؤية الله جهرة، ثم اتخاذهم العجل ونقضهم المواثيق وقتلهم الأنبياء. ويوضح أن افتراءهم على مريم وادعاءهم قتل عيسى عليه السلام كان للعناد والمجادلة الباطلة، وأن الله رفع عيسى إليه.

خاتمة شرح الآيات والدعوة للاشتراك

يختتم المتحدث شرح سياق الآيات مؤكداً استكمال التفسير لاحقاً للآيات التي ذكرها المؤلف. ويختتم بقوله والله أعلم مع دعوة الجمهور للاشتراك في القناة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، فقالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات، فعفونا عن ذلك، وآتينا موسى سلطانًا مبينًا. الآيات. قال رحمه الله: هذا السؤال الصادر من أهل الكتاب للرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم على وجه العناد والاقتراح، وجعلهم هذا السؤال توقف عليه تصديقهم أو تكذيبهم، أي سؤالهم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء. قال: وهو أنهم سألوا أن ينزل عليهم القرآن جملة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل، وهذا غاية الظلم منهم والجهل، فإن الرسول بشر عبد مدبر، ليس في يده من الأمر شيء، بل الأمر كله لله. أنهم يريدون أن ينزل هذا القرآن جملة واحدة مثل ما نزلت التوراة والإنجيل، والله عز وجل لم ينزل القرآن هكذا، وإنما نزله منجمًا، نزله بحسب الحوادث حتى يثبت الله عز وجل رسوله الكريم، ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾، كما قال في سورة الفرقان: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، قال الله عز وجل: ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾، أي هذا الأمر الثالث معنى من الأسباب التي أدت إلى نزول القرآن مفرقًا. قال جل وعلا: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، أي أن الله عز وجل أيضًا يرد على شبه المشركين ويبين عوارها. قال رحمه الله: فإن الرسول بشر عبد مدبر، ليس في يده من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهو الذي يرسل وينزل ما يشاء على عباده، كما قال الله عز وجل عن الرسول لما ذكر الآيات التي فيها اقتراح المشركين على محمد: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾، الرسول على كيف تطلبون مني هذه الأشياء؟ إنما أنا رسول الله وبشر، لا أستطيع على هذه الأشياء إلا إذا أمرني الله عز وجل بها ويسرها لي. قال: وكذلك جعلهم الفارق بين الحق والباطل، وكذلك جعلهم الفارق بين الحق والباطل مجرد إنزال الكتاب جملة أو مفرقة، مجرد دعوة لا دليل عليها، يعني ربط الحق بأنهم لو نزلت القرآن سنتبعك ونكون معك، هذا كلام باطل، وإنما فقط يريدون أن يضعوا شبهة لرد دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ولا مناسبة، بل ولا شبهة، لأن هذا لا تعلق لهم به، سواء كان أنزل القرآن جملة واحدة أو أنزل مفرقًا، لا دخل لهم في هذا. قال: فمن أين يوجد في نبوة أحد من الأنبياء أن الرسول الذي يأتيكم بكتاب نزل مفرقًا فلا تؤمنوا به ولا تصدقوه؟ بل نزول هذا القرآن مفرقًا بحسب الأحوال مما يدل على عظمته واعتناء الله بما أنزل عليه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. قال: فلما ذكر اعتراضهم الفاسد، أخبر أنه ليس بغريب من أمرهم، بل سبق لهم من المقدمات القبيحة ما هو أعظم مما سلكوا مع الرسول الذي يزعمون أنهم آمنوا به، من سؤالهم له رؤية الله عيانًا. أن الله عز وجل ذكر قبائحهم، وأنهم بهذه الأسئلة إنما يريدون فقط العناد والتعنت. قال: رأوا من الآيات بأبصارهم، واتخاذهم العجل إلهًا يعبدونه من بعد ما رأوا من الآيات بأبصارهم ما لم يره غيرهم، ومن امتناعهم من قبول أحكام كتابهم وهو التوراة حتى رفع الطور من فوق رؤوسهم، أنا جاءهم الطور وانحدر إليهم ومال إليهم حتى سيقع في رؤوسهم. قال: وهددوا أنهم لن يؤمنوا، أسقط عليهم فقبلوا ذلك على وجه الإغماط، ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾، أنا صار كالظل فيهم، ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾، فآمنوا على إغماط، كما قال المؤلف. قال: والإيمان الشبيه بالإيمان الضروري، ومن امتناع من دخول أبواب القرية التي أمروا بدخولها سجدًا مستغفرين، فخالفوا القول والفعل، ومن اعتداء من اعتدى منهم في السبت فعاقبهم الله تلك العقوبة الشنيعة، وبأخذ الميثاق الغليظ عليهم فأخذوا، قال عليهم فنبذوا وراء ظهورهم وكفروا بآيات الله وقتلوا رسله بغير حق. كل هذه الأشياء ذكرهم الله عز وجل بها، وأنهم فعلوا ذلك عنادًا، فعاقبهم الله عز وجل هذه العقوبات. قالوا: من قوله ﴿مِنْهُمْ قَتَلُوا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه، فالشبه لهم غيره، فقتلوا غيره وصلبوه، وادعائهم أن قلوبهم غلف لا تفقه ما تقول لهم ولا تفهمه، قالوا بصدهم الناس عن سبيل الله، فصدوهم عن الحق ودعوهم إلى ما هم عليه من الضلال والغي، وبأخذهم السحت والربا مع نهي الله لهم عنه والتشديد فيه. فالذين فعلوا هذه، لفاعل لا يستنكر عليهم أن يسألوا الرسول محمدًا أن ينزل عليهم كتابًا من السماء. وهذا خاصم الله عز وجل به هؤلاء المشركين وحاجهم بها، فهم ليسوا أهل حق، فلو كانوا أهل حق لما ردوا على رسولهم بهذا الرد وسألوا أن ينزل عليهم الكتاب جملة، ثم رد الله عز وجل عليهم وأنهم أهل عناد، ثم ذكر فضائحهم، ذكر الله عز وجل فضائحهم التي سألوا أنبياءهم، وذكر أنه عاقبهم جل وعلا. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ﴾. هذا حال المشركين، يسألوا فقط للعناد لا للحق والاسترشاد. ولهذا الذي يسأل العلماء لأجل العناد ولأجل أن يسكتهم أو كذا من هذه القبيل، فهذا ليس على الحق، فهذا يبحث عن الباطل، ولهذا تجد هؤلاء الذين يفعلون ذلك ما يوفقهم الله ويضلون إلى الضلال. فما كان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل»، ومن أعظم الجدل هو السؤال التعنت، السؤال الذي يكون تعنتًا، هذا من أعظم الجدل، لأنه ما سأل إلا ليجادل. فلذا ذكر الله عز وجل سؤال هؤلاء الذي سألوه تعنتًا على موسى، سألوه أن يروا الله جهرًا، وهذا تعنت منهم، وبعد ذلك اتخذوا العجل، معنا لو كانوا صادقين لما اتخذوا العجل وعبدوهم من دون الله. قال: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾، أن كل هذا نكثوه. قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، أن هذه المصائب التي عنده، فطبع الله عليها بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلاً. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. وفي هذه الآيات يسوق الله عز وجل عناد بني إسرائيل ومصائبهم وجرائمهم التي فعلوها وقالوها. قال: وقولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، وهذا أيضًا حتى لو لم يقتلوه، لكنهم شرعوا في قتله، وهذه جريمة بحد ذاتها أنهم يقتلوا نبيًا من أنبياء الله. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أبغض رجل عند الله رجل قتله نبي أو قتل نبيًا، قتله نبي أو قتله أو قتل نبيًا، من أبغض الناس أو أبغض الإنسان عند الله عز وجل». قال: وقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه، ما لهم به من علم إلا اتباع الظن، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. ثم ذكر سياق الآيات، وسيئات - إن شاء الله تعالى - تكملت شرح لهذه الآيات، ثم نكمل الآيات التي ذكرها المؤلف، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة