تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 165

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 165

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 165، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية العفو وبيان فضله على الانتقام

توضح الآية أن كل خير قولي أو فعلي ظاهر أو باطن يدخل في حكمها، وأن العفو عن المسيء يعد أرقى من مجازاته بمثل إساءته. وتؤكد الأحاديث الواردة على وجوب أداء الحقوق للوالدين والأقارب حتى مع ظلمهم، مشيرة إلى أن العفو والإحسان هما السبيل الأرقى.

فضل العفو وأثره في نيل العزة والرضا الإلهي

العفو عن الظالمين يعد سبباً لنيل عزة الله في الدنيا والآخرة، ومن عفا وأصلح فأجره على الله. كما أن العفو يرفع قدر العبد ولا يذله، بينما الانتقام لا يحل المشكلة بل العفو يجلب الخير والظفر.

علاقة العفو باسم الله العفو القدير

العفو عن الظالم أفضل من الأخذ بالحق والانتقام لأن الله عفو قدير يعفو عن زلات عباده، ومن عفا عفا الله عنه وستره. الإصرار على الحق والانتقام يورث أخلاقاً ذميمة تضر بالدين، بينما العفو من خصال أهل الإيمان ومقتضى التفقه في أسماء الله وصفاته.

تعليل الأحكام بالأسماء الحسنى في سياق العفو

يعلل الله الأحكام بأسمائه الحسنى كما في قوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، مبيناً أن عفو الله عن العبد مشروط بعفوه عن غيره. هذا التعليل يغني عن ذكر ثواب خاص ويبرز ارتباط التشريع بأسماء الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ [النساء: 149]. قال رحمه الله: ثم قال تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ ﴾، وهذا يشمل كل خير قولي وفعلي، ظاهر وباطن، من واجب ومستحب؛ لأن الخير ما سُمِّيَ خيرًا إلا ما جاء في الشرع إما بوجوبه أو باستحبابه. ويدخل في ذلك عمومات الأعمال التي ينتفع بها الناس، أو ينفع بها العبد آخرين، فهي من الأمور المستحبة، وقد تكون من الأمور الواجبة. فسواء أبداه أو أخفاه: ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ ﴾؛ لأن الله عز وجل يعلم ما في الصدور، ﴿ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [النمل: 25]، ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]، وهو أعلم بالمتقين، سبحانه وتعالى. قال: وهذا يشمل كل خير قولي وفعلي. قال: ﴿ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ﴾، أي: عمن ساءكم في أبدانكم وأموالكم وأعراضكم، فتسمحوا عنه. فإن الجزاء من جنس العمل، فمن عفى لله عفى الله عنه، ومن أحسن أحسن الله إليه. وهنا ذكر ربنا جل وعلا هذه الآية بعد ذكره سبحانه وتعالى: ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: 148]. ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ﴾، وأن كل ذلك خير. إن أبديت الخير وأعلنته لصاحبك هذا الذي ظلم، والذي لم يؤدِّ حقك، سواء كان حاكماً أو أباً، أو معلماً، أو غيرهم ممن لهم حقوق أو عليهم حقوق، فإن لم يؤدوها، فإن العبد ينبغي عليه أن لا يقابل... أن لا يقابل عدم إتيانهم بالحق الذي له، بأنه لا يعطيهم حقوقهم. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سيكون عليكم أمراء لا يؤدون حقكم ولا يؤدون حقكم» أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «أعطوهم حقهم، وسلوا الله الذي لكم». فلا ينبغي أن المسلم يحدث الفتن، وأيضاً يسفه ويكون أشر ممن ظلمه، ولم يؤدِّ حقه، فيقابل الإساءة بأكثر منها. فإن أراد أن يقابل الإساءة، يقابلها بمثلها، وجزاء سيئة سيئة مثلها، لا يجوز له أن يظلم، ولا يجوز أن يزيد على ما ظلم به. مثل ما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ [النحل: 126]. فلا يجاوز على إساءته. هذا إذا أراد أن يرد إساءته، وإلا فالأفضل له أن يعفو. بل إن بدأ منه الخير، وبداية الخير هو طلب العفو، وطلب الإحسان، أو طلب التقارب بينك وبين من ظلمك أو خصمك، فهذا من إبداء الخير أو إخفائه بالنصيحة، أو إرسال من ينصحه، أو غير ذلك من الخير العام. قال: ﴿ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ﴾، تعفو عن هذا السوء الذي أساء إليك. مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الرجل في صحيح مسلم: قال: «يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي». قال: «فأنا أصلهم وهم يقطعوني، وأحسن إليهم وهم يسيئون إلي». فقال عليه الصلاة والسلام: «إن كنت كما تقول، فإنما تسفهم المل» - أي: الرماد الحار - «كأنك تلقمهم رماداً حاراً بمعاملتك هذه، أن تقيم عليهم الحجة، والأمر أو الخير لك». قال: «ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك»، ما دمت على هذا الأمر، فالله عز وجل يعينك. فلذلك فالعفو أفضل، كما هو في الآيات الأخرى. بل الله عز وجل قال: ﴿ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40]، ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40]. قال: فمن عفى لله عفى الله عنه. وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً. وسبحان الله، هذه من الأمور التي تأباها النفس، النفس تأبى أن تذل نفسها عند غيرها: «أنا، أنا، أنا». يقول: هو الذي ظلم، وهو الذي أخذ حقي، كيف أسامح، وكيف أطلب العفو منه، وهو الذي ظلم؟ لكن من أراد الله عز وجل، لم ينظر ولا ينظر إلى مثل هذه الأمور، حتى لو حصل ما حصل من أخذ الحق والظلم، فإنه يريد رضا الله سبحانه وتعالى، ويريد ما عند الله. فلذلك لا يلتفت إلى ما تمليه النفس عليه، بل يذلها لأجل الله، لأن رفعتها إنما تكون من الله. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً»، أو قال: «ما زاد الله بعبد بعفوه عزة»، أو قال: «إلا زاده عزاً». وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً. هذا يعزه، هو يظن نفسه أنه ذليل، لكنه عزيز. بل الله عز وجل يعزه ويرفعه في هذه الحياة وفي الآخرة بسبب عفوه. أو أن المراد أنه يعزه ويرفعه على خصمه، يجعله عزيزاً. ومعنى يجعله عزيزاً: أي أنه تأتي الأيام عليه، ويكون هذا الذي ظلمه في فترة من الفترات يحتاج إليه، ويرجع إليه. وهذا معهود عند الناس، ومن تأمل أحوال الناس يجد هذا. فكم من إنسان ظلم آخر، بل ظلم أخاه، وظلم أبناءه، فيصبر ويعفو، وأيضاً يعامل هذا الأخ بالحسنة، تأتي الأيام وتجد أن هذا الذي كان يظلمه يحتاج إليه، يحتاج إليه في أشياء كثيرة. وهكذا أيضاً الابن يحتاج لأبيه. فلذلك يجعل العفو وسيلة للخير له، فليس الانتقام هو الحل. بعض الناس يجد في نفسه انتقاماً، يريد أن ينتقم من هذا الذي ظلم، ما يسامح ولا يعفو، ويظن أن هذا هو الحل. وسبحان الله، تجد أن الحل أكسف. ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40]، ومن عفى أعزه الله، ﴿ مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا ﴾. فهذا ينبغي أن يؤمن بها الإنسان، ويرسخها في نفسه، ويعتقدها ويعمل بها. فإذا حصل مثل هذا، يجد أنه ينظر إلى مثل هذه الأمور، ويراها حقيقة: أن من كان يظلمه، وكان يأخذ حقه، الآن يحتاج إليه، بل ويحتاج إلى الإحسان إليه. وهكذا. فلذلك ينبغي للمسلم أن يحسن، ويعفو عمن ظلمه، حتى يتحصل على هذه الجوائز العظيمة. قال: فإن الجزاء من جنس العمل، فمن عفى لله عفى الله عنه، ومن أحسن أحسن الله إليه. فمن عفى فقط، عفى الله عنه، ومن زاد أنه أحسن إلى من ظلمه، فهذا أمره عظيم عند الله؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ ﴾، أي خير، ومن هذا ومن أعظم الخير الإحسان، الإحسان إلى من ظلم. قال: فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾، أن إذا عفوت، عفا الله عنك جل وعلا. وعفو الله عز وجل أعظم. أي: إن كنت تريد عفو الله، فاعف عمن ظلم. يعفو عن زلات عباده وذنوبهم العظيمة. ولما يأتي في الآيات والحديث: أن الإنسان له أن يأخذ بحقه، وله أن يطالب بحقه لمن ظلمه وغير ذلك. ليس معنى ذلك أنه مثلاً... الحرب لا يجوز، لكن ليس معنى جوازه أنه الأفضل. بل قد تكون هذه الأشياء تورث في العبد أشياء بعيدة عن الإسلام، وأيضاً تورث له أشياء تضره في دينه. كما قلنا: مثل الانتقام. يقول بعض الناس مثلاً: يحتج، يقول: هذا حقي، أنا ما سأتنازل عن حقي، ويظن أن هذا فضيل له. لا، ليس هذا فضيل، وإنما العفو هو أفضل. لأن معنى إرادة الانتقام يحدث في العبد أشياء كثيرة، فيظل عنده أنه يريد أن ينتقم فقط. معنى يورث له هذا الخلق الذميم، ما يريد الله أن ينتقم، ما يتنازل عن حقه أبداً. فلذلك ما يصلح، مع معنى ما يكون بينه وبين الناس صلح، وأيضاً لا ينسى من ظلمه، لا ينسى هذا الظلم، يبقى سنين وهو يريد أن ينتقم من هذا الشخص الذي ظلم، حتى قد يكون هذا الذي ظلمه قد نسي هذا الأمر. فتجد هذا يعامله، قد يكون معاملة سطحية، لكنه يريد اليوم الذي ينتقم منه. فإذا وجد ذلك اليوم انتقم. وهذه خصلة ليست من خصال أهل الإيمان. قال: فقال الله عز وجل: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾، أي: يعفو عن زلات عباده وذنوبهم العظيمة، فيسدل عليهم سترة، ثم يعاملهم بعفوه التام الصادر عن قدرته. وهذا أيضاً من أعظم الأمور: أن الله عز وجل يستر عليك في أشياء كثيرة. أنت لو مثلاً لو خُيِّرت بين أن تأخذ حقك هذا الذي تريده، وبين أن يستر الله عز وجل عنك هذه السيئة وهذه الفضيحة، لاخترت أن تدفع مالك كله. ليس الحق الذي تريده، لكن تدفع ما عندك من المال، وما عندك من غيره، تدفعه لأجل أن لا تفتضح. فبعفوك سترك الله، سترك الله مما تخاف أن تفتضح به. قلنا: أنك لو تفتدي بمالك كله، لكان حقاً لفعلت ذلك، أنك تفتدي بمالك كله لأجل أن لا ينتشر هذا الخبر عند الناس، حتى لا تذهب سمعتك، ولا تفعل كذا. فلذلك هذه الأخلاق العظيمة التي ربى الله عز وجل عباده عليها، ورباهم النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً بطريقته، هي أخلاق عظيمة، وفيها أيضاً إعانة الله جل وعلا على ما هو أعظم منها. قالوا: في هذه الآية رشاد إلى التفقه في معاني أسماء الله وصفاته، وأن الخلق والأمر صادر عنها، وهي مقتضية له. أن هذه الأسماء التي تأتي غالباً في آخر السور، هذا لها معاني عظيمة، لها معاني عظيمة تأخذ من سياق الآيات وسباقها. قال: وهي مقتضية له. ولهذا يعلل الأحكام بالأسماء الحسنة، كما في هذه الآية: لما ذكر عمل الخير والعفو عن المسيء، رتب على ذلك بأن أحالنا على معرفة أسمائه، فقال: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾. الله عز وجل يقدر على كل شيء، وهو إن عفوت عفا عنك. قال: وأن ذلك يغنينا عن ذكر ثوابها الخاص. فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله. نكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.