الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 251، ألقاها
يشرح الحديث النبوي حول وصف رجل ب"بئس أخو العشيرة" قبل دخوله، ثم معاملة النبي له بلطف. يوضح أن وصف الشخص ليس بغيبة إذا كان القصد بيان حاله أو التحذير.
يشرح المقطع جواز لين الكلام مع الناس لتأليفهم وحسن التعامل، مستندًا إلى حديثين صحيحين عن عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما.
يتناول حكم حكاية أفعال الناس وذكر عيوبهم، موضحًا أن ذلك جائز إذا كان للتوضيح وليس الاستهزاء، ومحرمًا إذا كان على سبيل السخرية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع المرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": حدثنا موسى وابن إسماعيل التبوذكي المنقري، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: استأذن رجل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "بئس أخو العشيرة". فلما دخل انبسط إليه. فقلت له: فقال: "إن الله لا يحب الفاحش المتفحش". هذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. ذكر الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث في هذا الباب: "باب قول الرجل: فلان جعد أسود أو طويل قصير، يريد الصفة ولا يريد الغيبة". وفي هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها أنه استأذن رجل على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بئس أخو العشيرة". فقول النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الرجل هذا الكلام: "بئس أخو العشيرة"، أراد به النبي عليه الصلاة والسلام بيان حاله، فذكره النبي صلى الله عليه وسلم بشيء يعرف به، إما لقصد التحذير، فلما دخل عليه انبسط إليه، أي غير النبي صلى الله عليه وسلم معاملته معه. فتعجبت من ذلك عائشة رضي الله عنها، فقلت له -يعني قالت له في ذلك-: كيف قبل أن يدخل قلت: "بئس أخو العشيرة"، فلما دخل انبسط إليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يحب الفاحش المتفحش". ففي هذا الحديث بيان أن قول مثل هذا القول ليس على وجه التنقص، وإنما على وجه بيان حال من فيه ذلك، لقصد التعريف به أو قصد التحذير منه، فإن ذلك لا يعد من الغيبة المحرمة. إذا كان الإنسان فيه شيء مما يخشى أن يصدر منه من فحش في قول أو فعل، فأراد الإنسان بيان حاله، فذكره بشيء مما فيه لهذا القصد، فلا بأس بذلك. وكونه يلين له الكلام إذا حضر عنده، هو كذلك أيضا مما يجوز، إذا قصد بذلك تأليفه، أو حسن التعامل معه، لعله إذا نصح أن يقبل النصيحة، أو نحو ذلك من المقاصد، فلا بأس بذلك. وهذه من المداراة الجائزة، المداراة أنك تتنازل عن شيء من حظك الدنيوي لأجل الحفاظ على الدين، فهذا لا بأس به. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، قال: حدثني عبد الرحمن، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة ليلة جمع، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة، فأذن لها. وهذا الحديث كذلك حديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفي هذا الحديث بيان أدب عائشة رضي الله عنها في خطابها وكلامها، فقالت: "استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة"، ولم تقل: "استأذنت سودة رسول الله". فقدمت الرسول عليه الصلاة والسلام في خطابها، وهذا من كمال الأدب أن يجعل الصحابة رضي الله عنهم تبعا للنبي عليه الصلاة والسلام. أخبرت عائشة رضي الله عنها أن سودة بنت زمعة، وهي إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، استأذنت النبي عليه الصلاة والسلام ليلة جمع -يعني ليلة المبيت بمزدلفة، وسميت ليلة جمع لاجتماع الناس، واجتماع الحجاج فيها، وسميت ليلة المزدلفة لأن الناس يزدلفون فيها إلى ربهم، ويلجأون إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء والتضرع-، قالت: "ليلة جمع، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة"، ثقيلة يعني في البدن، وثبطة أي حركتها بطيئة. قال: باب من لم ير بذكر الخبر بأسا. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا حماد بن زيد، وهو أبو سلمة، عن عاصم بن بهدلة، وهو عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، وهو شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، قال: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين بالجعرانة ازدحموا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عبدا من عباد الله بعثه الله إلى قوم، فكذبوه وشجوه، فكان يمسح الدم عن جبهته، ويقول: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون". قال عبد الله بن مسعود: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي الرجل يمسح عن جبهته. وهذا الحديث صحيح، وأصله في صحيح الإمام البخاري. وقول الإمام البخاري رحمه الله: "باب من لم ير بذكر الخبر بأسا"، الحكاية يقال: حكيت فلانا، أو حكيت فلانا حكاية أو محاكاة، بمعنى فعلت مثل فعله، أن تفعل مثل فعله. والمحاكاة في الغالب تطلق على الأمور القبيحة، بخلاف الحكاية. ولهذا قال هنا الإمام البخاري: "باب من لم ير بذكر الخبر بأسا"، ثم ذكر حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم غنائم حنين بالجعرانة ازدحموا عليه. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بيان عظيم صبر هذا العبد من عباد الله، وهو نبي من الأنبياء، كما جاء في رواية أخرى في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أو يحكي نبيا من الأنبياء". وقوله كذلك هنا: "بعثه الله إلى قوم"، يدل على أنه نبي. فيحكي النبي صلى الله عليه وسلم ويخبر عن عظيم صبر هذا النبي الذي أوذي من قبل قومه، فكذبوه وشجوه، أي اعتدوا عليه حتى أسالوا الدم من رأسه. والشج هي الضرب في الرأس، هذا هو الأصل، وقد يطلق كذلك على غير الرأس توسعا. قال عبد الله بن مسعود: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي الرجل يمسح عن جبهته. وهذا وجه الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم حكى ما حصل لهذا النبي، ففعل مثل فعله. فاستدل به الإمام البخاري رحمه الله على أن حكاية الرجل أو حكاية الإنسان فعل غيره، إذا كان على وجه التبيين، على وجه التوضيح والتبيين، فإن هذا لا بأس به. إذا كان على وجه التوضيح والتبيين، فإن هذا لا بأس به. وأما إن كان على وجه السخرية والاستهزاء، فهذا لا يجوز، كما قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾. فإذا كان على وجه السخرية، فهو محرم، وهو كذلك يكون من الغيبة المحرمة. وأما على وجه البيان والتوضيح، فهذا جائز.