باب المراقبة من رياض الصالحين 9

باب المراقبة من رياض الصالحين 9

الدرس في باب المراقبة من رياض الصالحين 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ابتلاء الثلاثة من بني إسرائيل وشفاؤهم على يد ملك

يستهل الشيخ بشرح حديث الثلاثة من بني إسرائيل الذين ابتلوا الله ثم بعث إليهم ملك فشفاهم ومنحهم المال. ويبين أن هذه القصة ثابتة في الصحيحين فيجب الإيمان بها كما يجب الإيمان بما ورد في القرآن عن الأمم السابقة.

تصنيف أخبار علماء بني إسرائيل وحكمة الابتلاء الإلهي

يقسم المقطع أخبار علماء بني إسرائيل إلى ثلاثة أقسام: ما خالف الشرع فيرد، وما وافق الشرع فيقبل، وما سكت عنه الشرع فيوقف فيه. ثم يبين أن الغرض من قصص الأمم السابقة الاعتبار والعظة، وأن الابتلاء من الله يكون بالخير والشر لاختبار شكر العبد وصبره.

قصة الأبرص مع الملك: الشفاء بالأسباب والرزق بالمال المبارك

يروي المقطع قصة رجل أبرص دعا الله أن يعيد إليه صحته وجماله حتى لا يقذره الناس، فمسح الملك جسمه فرد الله عليه جلده مبيناً أهمية الأخذ بالأسباب. ثم سُئل عن أحب المال إليه فاختار الإبل، فأعطي ناقة عشراء حاملة ودُعي له بالبركة فيها.

ختام الجلسة وتعليق الدرس

أعلن المحاضر انتهاء وقت الجلسة الحالية. وأكد أن الحديث سيكتمل في درس قادم إن شاء الله، وختم بقوله: والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب المراقبة: الحديث السادس، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، أراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا. فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس. فمسحه، فذهب عنه قذره، وأعطي لونًا حسنًا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، أو قال: البقر، شك راوٍ. فأعطي ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها». وهكذا أتى الأقرع والأبرص، والحديث طويل، فنأخذ منه شيئًا فشيئًا لضيق الوقت. هذا الحديث فيه إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر وقع في أمة سبقتنا، وهي أمة بني إسرائيل. وإسرائيل هو إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، أخو إسماعيل. فإبراهيم له ولدان: إسحاق وإسماعيل. فإسحاق من ذريته بنو إسرائيل، وإسماعيل من ذريته العرب. فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ثلاثة نفر من بني إسرائيل، وكانوا ذوي عاهات. ذوي عاهات يعني: واحد منهم أبرص، وواحد أقرع، وواحد أعمى. الأبرص هو الذي إن سلخ جلده فصار أبرص، أي لا جلد يحميه. ولذلك الأبرص يؤثر عليه كل شيء: الشمس، والحرارة، والضرب، ولو يسيرًا، يؤثر عليه؛ لأنه ما معه جلد يحمي جسده، فهو من العاهات التي لها أضرار كثيرة. والأقرع هو الذي فقد شعر رأسه، صار ما عنده شعر، لا ينبت له شعر. والأعمى الذي فقد عينيه. فهذه أمراض وعاهات، ابتل الله عز وجل بها هؤلاء الثلاثة من بني إسرائيل. وموقف المسلمين مما أخبرنا به عن بني إسرائيل، أو عن الأمم السابقة عامة، ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: ما جاء في القرآن، كإخبار ربنا سبحانه وتعالى عن... ذاك الذي قتل، ثم قيل لهم: ﴿اذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67]، إلى غير ذلك مما جاء في سورة البقرة. فهذا يجب الإيمان به، ويجب تصديقه؛ لأنه جاء في القرآن. وكذلك ما جاء في صحيح السنة، كهذا الحديث. فهذا الحديث في الصحيحين، فأيضًا يجب الإيمان بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح السنة. وأمر ثالث: وهو ما جاء عن أخبارهم وعن علمائهم، ما جاء لا في القرآن ولا في السنة، وإنما جاء عن أخبار علماء بني إسرائيل. فهذا الثالث كذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول منه: ما شهد الشرع ببطلانه، يعني يأتي خبر فيه معارضة لدين الله سبحانه وتعالى، كإخبار مثلًا بعض بني إسرائيل بذكر بعض أمور الغيب. فهذا لا يقبل؛ لأن الشرع جاء ببطلانه، لأنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله. والثاني: ما شهد الشرع بصدقه، فهذا يقبل؛ لأن العبرة بشرعنا لا بإخبارهم، فهذا يقبل لأنه شهد شرعنا بصدقه. والثالث: ما لم يكن في الشرع تصديقه ولا تكذيبه، يعني ما هناك ما يوافق هذا الخبر في تصديق أو تكذيب. فهذا يتوقف فيه، فلا يصدق ولا يكذب، ولا حرج بالتحديث به، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، لكن لا يصدق ولا يكذب، يتوقف فيه. فإذا هذا الحديث هو مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب الإيمان به، ويجب تصديقه. وما فائدة إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار الأمم السابقة؟ في ذلك أخذ العظة والعبرة، وكذلك العلم والاتعاظ ونحو ذلك، ففيه فائدة عظيمة كما سيأتي معنا في هذا الحديث. فالمهم: هؤلاء الثلاثة أراد الله أن يبتليهم. والابتلاء من الله عز وجل قد يكون بالسر، وقد يكون بالضر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]. فالإنسان قد يبتلى بالشر ليختبر ربنا سبحانه وتعالى إيمانه، وتحمله، وصدق ثباته، ونحو ذلك. فهذا يكون ابتلاء بالشر. وقد يكون الابتلاء بالخير، ينعم ربنا سبحانه وتعالى على عبد من عباده ليختبره: هل يشكر؟ هل يطيع؟ هل يسخر هذه النعم في مراضيه أو في معاصيه؟ فهذا أيضًا من الابتلاء. نبي الله سليمان، لما تمثل له عرش ملكة سبأ أمامه، ماذا قال؟ قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]. إذن هذا ابتلاء من الله عز وجل، نعم، كما في هذه الآية: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. فإذن هؤلاء الثلاثة ابتلوا الله عز وجل بالسر وبالضر، كما سيأتي معنا. فأتى الملك عند الأول، وهو الأبرص. جاء إلى الأبرص، فقال له: أي شيء أحب إليك؟ إيش تتمنى في هذه الحياة؟ لا شك أن العافية كنز عظيم لا يعادله شيء، العافية. فهذا الرجل لا شك أن أحب شيء إليه أن تعود له صحته، أن تعود له صحته. فلا شك أن هذا الرجل قال لهذا الملك كما في هذا الحديث: «أحب شيء إلي لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس». هذا المرض ليس خاصًا بالإنسان ولا يتأذى منه غيره، بل هذا المرض يتأذى منه غيره؛ لأن هذا المرض الناس يعني ينعزلون عن صاحبه، ويتأذون برؤية صاحبه، لما في ذلك من ذلك المظهر الذي فيه شيء من الكراهية لمن رأى ونظر إليه. فقال هذا الرجل: يعني أتمنى أن يرد الله عز وجل إلي جسمي أو جلدي، فأكون بصورة حسنة، ولا يقذرون الناس، لا يقذرون الناس. فمسح هذا الملك جسم، أو يعني ظاهر هذا الرجل الأبرص، فرد الله عز وجل له جلده، رد الله عز وجل له جلده. وهذا فيه الأخذ بالأسباب، فالله عز وجل قادر أن يرد لون هذا الرجل من غير مس ولا مسح ولا شيء، ولكن في هذا الأخذ بالأسباب. وإلا ماذا ستفعل هذه المسحة لولا أن الله عز وجل أراد شفاء هذا الرجل؟ ولذلك في آيات كثيرة يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى الأخذ بالأسباب، ولو كان هذا السبب يسيرًا، ولو كان هذا السبب ربما لا يوبه له كثير من الناس. مريم عليها السلام، لما جاءها المخاض في تعب، في شدة، في ألم الولادة، ماذا قال الله عز وجل؟ ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25]. الآن لو جئت أنت شاب قوي وهززت النخلة، هل تستطيع أن تهزها؟ ربما لا تستطيع. لكن ربنا سبحانه وتعالى أمر مريم أن تهز هذه الشجرة، من باب الأخذ بالأسباب، من باب الأخذ بالأسباب. وهذا فيه أمثلة كثيرة يطول المقام بذكرها. وهكذا لم يقتصر الأمر على أن عرض عليه ما يتمناه في صحته، بل بعد ذلك جعل سؤالًا آخر له، وهو: «فأي المال أحب إليك؟» أي المال تحبه؟ فقال له هذا الرجل: الإبل، أو البقر. الظاهر أنه الإبل؛ لأنه سيأتي في الأقرع أنه تمنى البقر، تمنى البقر لأنه يحب البقر. وهذا شك من الراوي، وهذا يدل على ورع الرواة وأمانة نقلهم؛ فإنهم إذا شكوا في حرف من الحديث يروونه على الشك، ولا يجزمون بشيء؛ لأنهم لا يجزمون فيه. نعم، فأعطي ناقة عشراء، والناقة العشراء هي الحامل، هي الحامل، وهذا أفضل ما يكون من الأموال؛ لأنها ستنتج وتولد ويتكاثر نسلها. فقال: «بارك الله لك فيها». ولانتهاء الوقت، للحديث بقية إن شاء الله، نكمل في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.