الدرس في باب المراقبة من رياض الصالحين 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح الحديث أن الله سبحانه يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرمه عليه، وهذه صفة ثابتة لله على حقيقتها بلا تحريف ولا تشبيه. ويبين أن تشريع الله للأوامر والنواهي إنما هو لمصلحة العباد، فكل نهي فيه خير لهم.
يؤكد المقطع أن شرائع الله وضعت لمصلحة العباد، وأن الله يغار عند انتهاكها لا سيما في الفواحش ك الزنا واللواط. ويبين أن اللواط أشد من الزنا بدليل إجماع الصحابة على قتل فاعله مطلقاً بينما تختلف عقوبة الزنا حسب الإحصان.
يبيّن المقطع أن علم المسلم بغيرة الله عند ارتكاب المحرمات يوجب مراقبته وخشية عقابه، ويؤكد واجب أهل الصلاح في إنكار الفواحش والمنكرات كافة لأن سكوتهم سبب في عموم العقاب. ويستدل بحديث زينب بنت جحش مقراً صفة الغيرة لله كما تليق بجلاله دون تشبيه أو تحريف.
يؤكد المقطع أن أهل الحق من أهل السنة والجماعة يثبتون لله صفات تليق بجلاله ولا تشبه صفات المخلوقين. ويختتم بالاكتفاء بهذا القدر من البيان.
الحمد لله، الحمد كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «رياض الصالحين»، باب المراقبة، حديث الخامس: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه» متفق عليه. والغيرة بفتح الغين، وأصلها الأنفة. هذا الحديث يبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم صفة عظيمة من صفات الله سبحانه وتعالى، وهي صفة الغيرة. وكما هو معلوم من معتقد أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله عز وجل ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى والصفات العُلى. وهذه الصفات يثبتونها على حقيقتها من غير تحريف، ولا تشبيه، ولا تأويل، ولا تكييف، فيثبتونها لله عز وجل كما تليق بجلاله وعظيم سلطانه سبحانه وتعالى. فمن صفات الله عز وجل الثابتة له، كما في هذا الحديث، صفة الغيرة. ومما يغار الله سبحانه وتعالى - يغار الله عز وجل إذا انتهكت محارمه - وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه. فالله سبحانه وتعالى حين يشرع الشرائع، فيأمر بما أمر به من الأوامر، وينهى بما نهى عنه من النواهي، إنما ذلك لمصلحة العباد. فما من أمر يأمر الله عز وجل به إلا وفيه خير لنا، وما من نهي ومحرم يحرمه الله عز وجل علينا إلا وفي هذا التحريم خير لنا، في هذا التحريم خير لنا. فهو سبحانه وتعالى القائل: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فهو لطيف بعباده، ما يأمرهم إلا بما يستطيعونه، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وما ينهاهم عن شيء إلا وفيه ضرر عليهم، فيه ضرر عليهم. فلما سبحانه وتعالى شرع لنا هذه الشرائع من أجل مصلحتنا، فمن خالف ذلك فعصاه بترك الواجب وارتكاب المحرم، فإن الله سبحانه وتعالى يغار، لأنه ما شرع هذا الشرع إلا لمصلحتنا. فكيف بعد ذلك يخالفون أمر الله عز وجل؟ وأعظم ما يغار الله سبحانه وتعالى منه إتيان الفواحش، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته». فهذا أعظم ما يغار الله سبحانه وتعالى منه، لأن الزنا فاحشة خسيسة وعظيمة. فلذلك ربنا سبحانه وتعالى يغار من ذلك. وأشد وأعظم من الزنا اللواط، فاللواط أيضاً سماه الله عز وجل فاحشة. قال في الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾، وقال في اللواط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. فعرف الفاحشة لما أطلقها على اللواط، يعني كأن الفاحشة محصورة في اللواط. وأما الزنا فنكر، قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾، فاحشة من الفواحش. ولذلك أجمع الصحابة على أن من أتى وفعل فعل قوم لوط فإنه يقتل مطلقاً، سواء أكان محصناً أو غير محصن، متزوجاً أو غير متزوج. فأجمع الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله. فهذا يدلك على أن جريمة الزنا - جريمة اللواط أعظم وأشد، إذ أن الزنا من كان غير متزوج لا يقتل ولا يرجم، وإنما يجلد فقط. فاستدل العلماء بهذا على أن اللواط أعظم وأشد. فالشاهد من هذا الحديث: لماذا أورده الإمام النووي في باب المراقبة؟ ما وجه الاستدلال بهذا الحديث في باب المراقبة؟ وجه الاستدلال: أن المسلم إذا علم أن الله يغار إذا ارتكب هذا العبد ما حرم الله عليه، فإنه يراقب الله ويخشى من عقاب الله، لأن الله عز وجل يغار إذا فعل هذا الفعل. ألا تخاف من ربك الذي غار عند فعلك لهذا الفعل أن يغضب عليك وأن يسخط عليك؟ فالواجب على المسلم أن يراقب الله سبحانه وتعالى، وأن يحذر من أن يفعل أمراً يكون سبباً في غضب وسخط الله سبحانه وتعالى عليه، في غضب وسخط الله سبحانه وتعالى عليه. فهذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث في هذا الباب. والواجب على أهل الصلاح أن ينكروا مثل هذه الفواحش، وأن يحذروا الناس منها، حتى لا يعم العقاب، حتى لا يعم العقاب. قالت زينب أم المؤمنين بنت جحش رضي الله عنها: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا»، وحلق بين أصبعيه السبابة والتي تليها. فقالت زينب: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث، إذا كثر الخبث وزاد». إنما سبب ذلك سكوت أهل الصلاح. فالواجب إذا انتشرت هذه الفواحش من الزنا أو اللواط، أو كذلك ما يكون السبب في الوقوع فيهما، فالواجب على أهل العلم وأهل الخير والصلاح أن ينكر هذه المنكرات، وأيضاً غيرها من المحرمات كالربا والرشوة والسرقة والغش ونحو ذلك. فكل هذا من محارم الله، فإذا ارتكبها المسلمون غار ربنا سبحانه وتعالى بفعل العبد لهذه المنكرات. فالواجب إنكارها، وكذلك تذكير الناس بعواقب الوقوع فيها. وهذا الحديث كما تقدم في إثبات صفة الغيرة لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله، ليس كغيرة المخلوق، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نحرفها إلى شيء آخر من غير معناها الذي أريد به في اللغة ونحو ذلك. فهذا هو مما عليه أهل الحق، أهل السنة والجماعة. فالله عز وجل أثبت لنفسه صفات تليق بجلاله، تليق بجلاله سبحانه وتعالى، لا تشبه صفات المخلوقين. بهذا نكتفي اليوم لهنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر