باب المراقبة من رياض الصالحين 6

باب المراقبة من رياض الصالحين 6

الدرس في باب المراقبة من رياض الصالحين 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أهمية سؤال الله وحده والاستغناء عن المخلوقين

يشرح المقطع حديث «احفظ الله يحفظك» مركزاً على وصية النبي لابن عباس بسؤال الله وحده والاستعانة به. ويبين أن سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك أكبر، بينما الاستغناء عن الناس والأخذ بالأسباب أفضل وأكمل.

الاستغناء عن الخلق وسؤال الله مع الإيمان بالقضاء والقدر

يروي المقطع موقف ابن عباس رضي الله عنهما حين رفض سؤال الأمير لحاجة دنيوية وهو في الحرم، محتجاً بأنه لا يسأل مخلوقاً والله يملك كل شيء. ويذكر حديث النبي لابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك»، لترسيخ توحيد الألوهية والإيمان بالقضاء والقدر.

العقيدة في القضاء والقدر وواجب تعليمها للأبناء

يؤكد المقطع أن النفع والضر لا يصلا إلى العبد إلا بما قدره الله، مستدلاً بحديث «رفعت الأقلام وجفت الصحف». ويشدّد على وجوب تربية الأبناء على العقيدة الصحيحة: توحيد العبادة، التوكل على الله، والإيمان بالقضاء والقدر، محذراً من تخويفهم بغير الله.

أهمية تعليم العقيدة الصحيحة للأولاد واهتمام المسلم بها

يشير المقطع إلى أن تعليم الأولاد العقيدة الصحيحة واهتمام المسلم بها أساس لقبول الأعمال، لأن العقيدة كالوضوء للصلاة؛ فإذا صحت صحت الأعمال وإذا فسدت فسدت. لذا ينبغي للمسلم العناية بالعقيدة كما عني بها النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: وقفنا في كتاب رياض الصالحين في باب المراقبة، وفي ذكر المؤلف لحديث ابن عباس: «احفظ الله يحفظك». وأخذنا وجه الشاهد منه، وهو قوله: «احفظ الله يحفظك»، أي أينما كنت وحيثما كنت. ولي في هذا الحديث من عبارات يحتاجها المسلم في عقيدته وفي حياته، وأحببنا أن نذكر فوائد هذه العبارات التي وردت في هذا الحديث. قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». أي: لا تعتمد على مخلوق، لا تعتمد على أحد من المخلوقين، وإنما اعتمد على الله عز وجل. وسؤال المخلوقين ينقسم إلى قسمين: سؤال محرم، وذلك فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن تسأل مخلوقا رزقا أو ولدا أو شفاء، أو كذلك مالا أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز، بل هو من الشرك الأكبر. نعم، وهناك سؤال جائز فيما يقدر عليه المخلوق، ولكن الأفضل والأكمل أن تستغني عن الناس، وأن لا تسأل الناس شيئا، وأن لا تسأل الناس شيئا. نعم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب ثم يبيعه، لكان خيرا له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». إذا كنت مقتدرا على التكسب وعلى الأخذ بالأسباب، فلا تسأل الناس ما لهم أو حاجة تريدها منهم، فاستغن عن الناس. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني من فضلك عمن سواك». ادعُ الله عز وجل، واسأل الله، اسأل الله من فضله. يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن أميرا من الأمراء لقيه في الحرم، فقال له هذا الأمير: «اسأل يا ابن عباس». فقال ابن عباس لهذا الأمير: «أسأل من أمر الدين أم الدنيا؟» قال: «فيما نقدر عليه». قال: «إن كان من أمر الدين فأنا في بيت الله الحرام، فسأسأل الله سبحانه وتعالى. وأما إن كان من أمر الدنيا فأنا في بيت الله الحرام، فإذا خرجنا من المسجد ائتني وانظر ما أطلب منك». فلما لقي الأمير ابن عباس خارج الحرم، قال: «وعدتني أن تسألني شيئا من أمور الدنيا». فقال ابن عباس لهذا الأمير: «لقد كنت في حرم الله، وما سألت الله شيئا من أمور الدنيا وهي بيديه سبحانه وتعالى، فكيف أسأل مخلوقا ولا يملك من أمر الدنيا شيئا؟» فانظر إلى فقهه، وانظر إلى استغنائه عما في أيدي غيره. فهكذا ينبغي أن يكون الإنسان، وقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على ذلك. نعم، رباهم أن لا يسألوا الناس شيئا، حتى قال أحد الصحابة: «فإذا سقط سوط أحدنا من على دابته، نزل من على الدابة وأخذ هذا السوط، ولم يسأل أحدا أن يعطيه هذا السوط». فأنت اسأل الله عز وجل من فضله، ولا تسأل الخلق مهما احتجت إليهم، فعل قلبك بالله سبحانه وتعالى. مع الجواز، لكن هذا هو الأفضل والأكمل، هذا هو الأفضل والأكمل. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك». ففي العبارات الأولى المتقدمة فيها ترسيخ مبدأ الإيمان بألوهية الله عز وجل، أنك لا تسأل إلا الله سبحانه وتعالى. وفي هذا فيه ترسيخ عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر. فقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «واعلم أن الأمة»، المراد بالأمة هنا أمة الدعوة والإجابة، كل الناس، كل الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، على أن ينفعوك بشيء. ومعنى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن الناس لو وقع منهم نفع، فإنما ذلك بما شاءه الله وبما قدره الله وكتبه الله سبحانه وتعالى. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: «لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك»، لا، الناس قد ينفعوك، لكن لو نفعوك لكان هذا النفع بما قدره الله وبما كتبه الله وشاءه سبحانه وتعالى. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك». فشيء ما كتبه الله لك لم يصلك، لم يصلك، ولو اجتمع كل من بأقطار الأرض على أن يصل إليك هذا الشيء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، إن لم يشأ الله عز وجل ذلك. فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك». «ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء» أيضا فيه إثبات الضرر من قبل الناس، قد يضروك، لكن هذا الضرر منهم لا يصل إليك إلا بما كتب الله، قدره وشاءه سبحانه وتعالى. وإذا لم يشأ الله عز وجل ذلك، فلو اجتمع كل من بأقطار الأرض على أن يصلوا إليك هذا الضرر، لما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ثم قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رفعت الأقلام وجفت الصحف». يعني أن ما كتبه الله قد انتهى، ما كتبه الله قد انتهى، ورفعت الأقلام، وجفت الصحف من المداد، ولم يبق مراجعة. فالشر الذي كتب لك سيصلك، والذي لم يكتب لك ما سيصل، ولو اجتمع من بأقطار الأرض. عقيدة راسخة، يعني يعلم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس هذه العقيدة الراسخة وهو غلام صغير. وفي هذا الحديث ينبغي للمسلم أن يعلم أولاده مثل هذه الأحاديث، مثل هذه العقيدة الصحيحة، وأن يعلقهم بالله سبحانه وتعالى. بعض الناس ربما يخوف أولاده، يقول: «سيأتيك الجن، أو سيأتيك كذا وكذا»، من باب التخويف، فيتربى الطفل على هذه العقيدة الفاسدة، الخوف من غير الله سبحانه وتعالى. فالواجب على المسلم أن يربي أبناءه على العقيدة الصحيحة، في عقيدة التوحيد في العبادة، وأن لا يستغيث الولد ولا يدعو ولا يسأل إلا الله سبحانه وتعالى. وهكذا يرسخ في قلبه عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. فهذه الأمور مما ينبغي أن يعتني بها المسلم في تعليم أولاده. فمما يستفاد من هذا الحديث: تعليم الأولاد هذه العقيدة الصحيحة، وكذلك الاهتمام بأمر العقيدة قبل كل شيء، لأن العقيدة إذا صحت صحت بقية الأعمال، وإذا فسدت فسدت بقية الأعمال، فهي بمثابة الوضوء بالنسبة للصلاة، فلا صلاة لمن لا وضوء له، ولا عمل لمن لا عقيدة صحيحة له. فإذا ينبغي للمسلم أن يعتني بهذا الأمر، كما اعتنى به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.