الدرس في باب المراقبة من رياض الصالحين 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يروي ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه كلمات جامعة تتضمن حفظ الله والتوكل عليه والإيمان بالقدر. ويبرز المقطع تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في ردف الغلام خلفه وحرصه على تعليم الناشئة.
يشرح المقطع أن عبارة «احفظ الله يحفظك» تعني حفظ شرع الله بالامتثال لأوامره واجتناب نواهيه لا حفظ الله لذاته. ويبين أن جزاء من يحفظ دين الله هو حفظ الله له في دينه وبدنه وماله وأهله.
يبيّن المقطع أن الجزاء من جنس العمل فمن حفظ الله في جميع أحواله حفظه الله بنصر وتأييد وتوفيق. ويشير إلى أن من كان الله حسبه استغنى عن سواه مستدلاً بالآيات والأحاديث الدالة على حفظ الله لمن يراعي حدوده.
يختتم المتحدث الدرس الحالي مشيراً إلى أن الحديث عن فقرات الحديث النبوي سيستكمل في الدرس القادم إن شاء الله. ويكتفي بهذا القدر للجلسة الحالية مختتماً بالبسملة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «رياض الصالحين»، وفي باب المراقبة، الحديث الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. هذا الحديث يخبر فيه ابن عباس أنه كان خلف النبي، وفي لفظ: «كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على أتان»، أي أنثى الحمار، وهذا فيه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم مع جلالة قدره وعظيم منزلته عليه الصلاة والسلام، إلا أنه كان يردف خلفه الصغير والكبير. ثم قال لهذا الغلام ابن عباس، وكان فتى صغيراً لربما لم يتجاوز العاشرة: «يا غلام، إني أعلمك كلمات»، وهذا فيه حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم الفتيان والغلمان. وقوله: «أعلمك كلمات»، هذا من باب تقريب العلم وتسهيله للطالب، إذ يحصر العلم الذي سيلقى عليه بقوله: «كلمات». ثم قال له: «احفظ الله يحفظك»، هذه كلمة جليلة عظيمة على صغر ألفاظها لكنها غزيرة المعاني. فما معنى «احفظ الله»؟ هل الله عز وجل بحاجة إلى أحد حتى يحفظه؟ لا، وإنما المراد بحفظ الله حفظ دينه وشرعه، فهذا الحديث بمعنى قول الله عز وجل: ﴿ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾. فمعنى «احفظ الله يحفظك»: أي احفظ شرعه ودينه بأن تمتثل لأوامره وتجتنب نواهيه، وأن تتعلم من دينه ما يقوم عبادتك ومعاملاتك، وهكذا تدعو بهذا العلم إلى الله عز وجل. هذا هو حفظ الله، وهذا هو نصر الله، أي أن تنصر دين الله بالعمل بهذا الدين في نفسك وفي أهلك وفي مجتمعك. والله سبحانه وتعالى غني عنا كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ﴾، فلا يحتاج سبحانه وتعالى إلى أن يحفظ وهو الغني العظيم سبحانه وتعالى، ولكن المراد أن ننصر دينه وأن نحفظ دينه وشرعه. فإذا عمل الإنسان بدين الله سبحانه وتعالى فالجزاء من جنس العمل: إذا حفظت يا عبد الله دين الله وشرع الله فجزاؤك أن الله عز وجل يحفظك، يحفظك في دينك، وهذا أهم الأشياء، أن يسلمك الله عز وجل من الزيغ ومن الضلال ومن البدع ومن الانحراف ومن الفسق والفجور والخروج عن شريعة الله سبحانه وتعالى. وهكذا يحفظك في بدنك، ويحفظك في مالك، وفي أهلك. فالجزاء من جنس العمل، وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾، وكلما اهتدى الإنسان زاده الله هدى، وكلما ضل والعياذ بالله فإنه يزداد ضلالاً، يزداد ضلالاً كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾. إذن يحفظك الله في دينك، وفي بدنك، في مالك، في أهلك. ثم قال كذلك عليه الصلاة والسلام مبيناً فضل من حفظ الله، فقال: «احفظ الله تجده تجاهك». ما معنى «تجده تجاهك»؟ أي تجده أمامك يدلك على كل خير ويذوذ عنك كل شر. فالله عز وجل معك بنصره، بتأييده، بحفظه، بتوفيقه لك، لا سيما إذا استعنت به، فإن الله سبحانه وتعالى يعينك ويكلؤك. ومن كان الله حسبه فإنه لا يحتاج إلى أحد بعد الله، لا يحتاج إلى أحد بعد الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، أي وحسب من اتبعك من المؤمنين. فهذه عبارات عظيمة يا عباد الله، وهذا هو وجه الشاهد من إيرادي هذا الحديث في باب المراقبة: أي إذا حفظت الله في جميع أحوالك، في سرك وعلانيتك، وفي خلوتك وجلوتك، وفي عسرك ويسرك، وفي منشطك ومكرهك، وفي فرحك وحزنك، وفي جميع أمور حياتك، فإن الله سبحانه وتعالى يحفظك. فهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. ثم ذكر له عبارات أخرى فيها من ترسيخ العقيدة الصافية النقية في قلب هذا الغلام، من توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات والإيمان بالقدر. لعلنا في الدرس القادم إن شاء الله نتحدث على هذه الفقرات من هذا الحديث. نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا.