الدرس في باب المراقبة من رياض الصالحين 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس بشرح حديث جبريل عليه السلام الذي حدد مراتب الدين الثلاث، مع التركيز على مرتبة الإحسان وتعريفها بإتقان العمل، مبيناً أنها تنقسم إلى مرتبة عليا هي عبادة الله كأنك تراه بقلبك، ومرتبة تالية هي مراقبة الله والعلم باطلاعه.
يفصل الشيخ في مرتبة الإحسان الأولى وهي مقام المشاهدة القلبية حيث يستحضر العبد الجنة والنار فيصير من الخالصين، ثم يبين المرتبة الثانية وهي المراقبة بأن يعلم العبد أن الله يراه فيحسن العمل امتثالاً للأوامر واجتناباً للنواهي.
يبرز أهمية استشعار مراقبة الله في جميع الأعمال ولا سيما الصلاة، حيث تمنع الالتفات لغير الله وتحقق الخشوع وإتقان الأركان، مؤكداً أن المراقبة هي جوهر الإحسان الذي هو أعلى مراتب الدين، ولذلك قدمها الإمام النووي في باب المراقبة.
يختتم المجلس بالدعاء لله سبحانه وتعالى أن ينفع الحاضرين بما علمهم، وأن يعلمهم ما ينفعهم، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، وفي باب المراقبة، فقد ذكر حديث عمر عندما أتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن أركان الدين ومراتب الدين: الإسلام والإيمان والإحسان. ووجه الشاهد من هذا الحديث أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «تدري ما الإحسان؟» قال: «قلت: الله ورسوله أعلم». قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ففي هذا الحديث أخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم -ورسوله أعلم- عن هذا الركن العظيم من أركان الدين وهو الإحسان. فالإحسان هو إتقان الإيمان والإسلام، والإحسان هو ضد الإساءة، والمراد بالإحسان هنا إحسان العمل، إحسان العمل. فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإحسان على مرتبتين، أعلاها عبادة الله كأنك تراه، ولذلك قدمها في هذا الحديث: «أن تعبد الله كأنك تراه». وهذا يسميه أهل العلم مقام المشاهدة، يسميه أهل العلم مقام المشاهدة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله عز وجل بقلبه، وليس المراد المشاهدة ببصره، لأن الله عز وجل لا يراه أحد في الدنيا ببصره، كما قال الله عز وجل لنبيه موسى لما طلب من ربه رؤيته، فقال له الله عز وجل: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا إلى آخر الآية. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا، حتى تموتوا». فهذا الحديث فيه إشارة إلى أن الناس لا يرون الله بأبصارهم في الدنيا، وإنما المراد بالمشاهدة في هذا الحديث أن تعبد الله كأنك تراه، أي بقلبك، وهو أن ينور أو أن يتنور القلب بالإيمان، وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان. وهذا هو حقيقة مقام الإحسان، أن العبد يعبد الله وكأنه يرى وعد الله، يرى ما أخبر الله عز وجل به، يرى الجنة ونعيمها، ويرى النار وعذابها. فإذا عبد الله عز وجل بهذا المقام، لا شك ولا ريب أنه سيحسن العمل، أنه سيحسن العمل حين يعبد الله كأنه يرى الله سبحانه وتعالى، أي بقلبه وبصيرته، بقلبه وبصيرته، وما وقر في قلبه من الإيمان، وما وقر في قلبه من الإيمان. فهذا لا شك يستدعي من العبد أن يحسن العمل، وأن يتقن العمل، وأن يستحي من الله سبحانه وتعالى إذ وعد بما وعد به، وهذا العبد يستهين بوعد الله. وهذا المقام لا يصل إليه إلا الخلص من عباد الله، من ذا الذي يعبد الله كأنه يراه؟ الخلص من عباد الله سبحانه وتعالى، من يصلون إلى هذه المرتبة وإلى هذا المقام. وأما المقام الثاني الذي ذكر في هذا الحديث فهو مقام المراقبة، وهو وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث في باب المراقبة. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، أي تراقب الله سبحانه وتعالى أن يراك، فلا يراك إلا على طاعة، ولا يراك إلا بعيدا عن المعصية. فإذا استشعر الإنسان واستحضر هذا المقام، فلا شك أنه سيحسن في العبادة، سيحسن في العبادة امتثالا للأمر وابتعادا عن النهي. إذا استشعر الإنسان اطلاع الله عز وجل عليه وقربه منه، فهذا لا شك يخلص في عمله ويحسن في عمله. فإن هذه المراقبة تمنعه من الالتفات إلى غير الله سبحانه وتعالى، أو إرادة العمل لغير الله عز وجل. فهذا المقام مقام عظيم، ينبغي للإنسان في جميع أعماله أن يراقب الله سبحانه وتعالى، فيستشعر هذا المقام العظيم. ولذلك فإن العبد إذا دخل في صلاته وهو يستشعر أن الله عز وجل ينظر إليه، وأن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه، فلا يلتفت هذا العبد لغير الله، ولا يتعلق قلبه بغير الله. فأنت لما تدخل إلى الصلاة تبتدئ هذه الصلاة بقولك: الله أكبر، فالله أكبر من كل ما يشغلك عنه، نعم، سواء كان من مال أو من ولد أو من زوجة. فكل هؤلاء إذا دخل العبد المراقب لربه إلى الصلاة، فكان الواجب عليه أن لا يستشعر إلا نظر الله عز وجل إليه، وإلا مراقبة الله سبحانه وتعالى له. فإذا بلغ إلى هذه المرتبة وإلى هذا المقام، لا شك أنه سيحسن هذه الصلاة، وسيؤديها بخشوعها، وسيؤديها بأركانها وواجباتها. وهكذا في غيرها من الأعمال، في خلواته، فإنه يستشعر أن الله عز وجل معه، وأن الله مطلع عليه. فهذا الاستحضار يمنعه من الوقوع في المحرمات، والوقوع في كذلك الحرمات. فهذا المقام مقام عظيم، ولذلك عده أهل العلم من أعظم مراتب الدين، من أعظم مراتب الدين الثلاثة: الإحسان، لأنه هو إتقان الإيمان. والإحسان إتقان الإيمان، لأن الإيمان هو الأعمال الباطنة التي تكون في القلب، والإسلام هو الأعمال الظاهرة التي تكون بالجوارح، والإحسان هو إتقان ما في القلب وإتقان ما تقوم به الجوارح من الأعمال. فهو كما ذكر: إتقان وإحسان الإيمان والإسلام، فهو أعظم هذه الأركان الثلاثة. فمن أجل ذلك أورده الإمام النووي في أول حديث في هذا الباب، باب المراقبة. نكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.