الدرس في شرح كتاب الطهارة من عمدة الأحكام 45، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الشيخ ببيان الفرق الجوهري بين دم الحيض والاستحاضة من حيث الوصف الشرعي والصفات الحسية، مؤكداً أن الاستحاضة عرق وليست حيضاً فلا تمنع الصلاة والصيام. ويسرد نماذج من المستحاضات في عهد النبي ﷺ كحمنة بنت جحش وسودة بنت زمعة رضي الله عنهما.
يوضح المقطع حديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها تفصيلاً، مبيناً الفرق بين دم الحيض المانع للعبادات ودم الاستحاضة الذي لا يمنع منها. ويفصل أحكام المستحاضة المبتدئة والمعتادة وكيفية التمييز العملي بين الدمين.
يبين حكم المرأة التي لا تحيض فتعامل معاملة الطاهرات، ثم يفصل في المعتادة التي أصابتها استحاضة: إن لم تتميز الدماء تعمل بالعادة، وإن تميزت يقدم التمييز على العادة. ويذكر صفات دم الحيض من سواد وغلظة ورائحة كريهة وعدم تجلط مقابل دم الاستحاضة، ويختم بعلامات الطهر: الجفاف والقصة البيضاء.
يختتم الشيخ المجلس بالدعاء للحضور بالتوفيق والصلاة على النبي محمد ﷺ، ويحمد الله على تمام المجلس. ثم يوجه دعوة للمشاهدين للاشتراك في القناة والاستفادة من المحتوى العلمي المقدم.
طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد: فقد تكلمنا في الدرس الماضي حول مقدمة عن باب الحيض، وتكلمنا حول معنى الحيض لغة وشرعًا، وهكذا ما ذكره العرب للحيض من أسماء متعددة. وهكذا أيضًا ذكرنا فائدة تتعلق بدم الحيض، وأنه يعتبر غذاء للجنين. وهكذا أيضًا ذكرنا أنواع الدماء التي تخرج من فرج المرأة، وهي ثلاثة. نعم، ما هي؟ الحيض، والنفاس، والاستحاضة. أحسنت. أيضًا تكلمنا حول الفروق بين دم الحيض والنفاس، وبين دم الاستحاضة، وذكرنا أربعة فوارق: فارق من حيث اللون، وهكذا من حيث الرائحة، وهكذا من حيث الغلظ والرقة، وهكذا أيضًا من حيث التجمد والتجلط. كذلكم أيضًا تكلمنا حول أن الحيض يعتبر أمرًا كتبه الله عز وجل على بنات آدم، فليس مرضًا وليس عيبًا، وإنما هو صحة، ويعتبر كمالًا في المرأة. فالمرأة التي لا تحيض، بعض النساء لا يأتيها الحيض، هذه ماذا تكون؟ معيبة؛ لأنه إذا لم تحض فإنها في الغالب لا تلد، في الغالب لا تلد. قال رحمه الله تعالى: قال عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: «إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟» قال: «لا». قال: «لا»، أي: لا تدعي الصلاة. قال: «لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي». وفي رواية: «وليست بالحيضة»، أي: هذا الدم الذي ترينه ليس حيضًا. «وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فيها، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي». «فاغسلي عنك الدم»، أي: أزيليه بغسله بالماء، وصلي. وهذا الحديث حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وتذكر فيه قصة أحد النساء التي أصابها الاستحاضة. وذكر العلماء أن من النساء اللاتي استحضن على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خمسًا، إحدى هن فاطمة بنت أبي حبيش. وفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله تعالى عنها هي إحدى المهاجرات، وهي قرشية أسدية، وكانت متزوجة بعبد الله بن جحش، فولدت له محمدًا، وهو صحابي. وهكذا أيضًا ذكروا من النساء اللاتي استحضن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: حمنة بنت جحش، وهي أم حبيبة التي سيأتي ذكر قصتها في الحديث الذي بعد هذا، وهي زوج طلحة بن عبيد الله، وأخت أم المؤمنين زينب بنت جحش. واستحيضت رضي الله تعالى عنها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ونعم، هذه حمنة بنت جحش ليست أم حبيبة، وإنما أم حبيبة هي أختها، يقال لها: أم حبيبة، ويقال لها: أم حبيب، وهي زوج عبد الرحمن بن عوف، كما سيأتي ماذا قصتها في الحديث الذي بعد هذا. وليست أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم التي اسمها رملة بنت أبي سفيان، فأم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لم تستحض. وهكذا ممن ذكر عنهن الاستحاضة: سودة بنت زمعة أم المؤمنين رضي الله عنها، كما في البخاري. وهكذا أيضًا من النساء اللاتي عرفن بالاستحاضة: سهلة بنت سهيل، وقيل: بنت سهل العامرية. وزاد بعضهم أربع نساء أخريات، وهن: أسماء بنت عميس، وزينب بنت أبي سلمة، وأسماء بنت مرفد الحارثية، والرابعة ذكرها الحافظ في الفتح نقلًا عن الإمام ابن منده رحمه الله، ألا وهي: بادية بنت عقلا. وذكر ذلك وأشار إلى ذلك الحافظ ابن الملق رحمه الله تعالى كما في كتابه «الإعلام». وهذا الحديث الذي بين أيدينا موضوعه: بيان ما تصنع المستحاضة، ماذا تصنع المستحاضة؟ وفيه تقول عائشة رضي الله عنها: إن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: «إني أستحاض فلا أطهر». ومر معنا أن الاستحاض هو دم يخرج من أدنى الرحم، وليس من قعر الرحم، فالذي يخرج من قعر الرحم هو دم الحيض. فهذا الدم يخرج بسبب نزيف يصيب المرأة، وعرق ينفجر وينقطع فيها. يقال لهذا العرق: ماذا؟ ماذا يقال لهذا العرق؟ ما اسمه؟ أحسنت: العاذل. العاذل، هذا اسم العرق الذي ينفجر في الرحم ويسبب نزيفًا لدى المرأة، يقال له: استحاضة. قالت: «إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟» أي: أترك الصلاة إذا رأيت هذا الدم الذي لا أنقى منه. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا»، أي: لا تدعي الصلاة. وقوله: «لا»، قالوا: هذا حرف جواب لنفي المسؤول عنه، حرف جواب لنفي المسؤول عنه، والمعنى: أي لا تدعي الصلاة. قال: «قال: لا، إن ذلك...»، وقال: «ذلك» لأن المخاطبة أنثى. قال: «إن ذلك عرق»، أي: انفجر، كما في بعض الروايات. «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي». ثم: «اغتسلي وصلي». قال: «وفي رواية: وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة»، قال: «فاتركي الصلاة فيها»، أي: في أيام الحيض. قال: «فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي». «فاغسلي عنك الدم وصلي». وهذا الحديث فيه جواز سؤال النساء للمفتي والعالم بلا حرج، بلا حرج، وإن كان المسؤول عنه مما يختص بالنساء، كالسؤال عن الحيض والنفاس وغير ذلك. أيضًا في هذا الحديث التفريق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، وأن دم الحيض يمنع من الصلاة، ويمنع من الصيام، ويمنع من الجماع، وهكذا غيرها من الأحكام التي سيأتي الإشارة إلى بعضها. بخلاف دم الاستحاضة، فإن المرأة إذا كانت مستحاضة فإنها تصلي، وتصوم، ويأتيها زوجها، تطوف حول الكعبة، وتمس المصحف، وتدخل إلى المسجد، إلى غيرها من الأحكام، إلى غيرها من الأحكام. وهكذا أيضًا في هذا الحديث إشارة إلى مسألة مهمة جدًا، إشارة إلى مسألة مهمة جدًا، ألا وهي: كيف تصنع؟ طيب، إشارة إلى مسألة مهمة جدًا، ألا وهي: كيف تصنع المرأة المستحاضة؟ كيف تصنع المرأة المستحاضة؟ ذكر شيخنا عبد الرحمن العدني حفظه الله تعالى في شرحه لـ «إتحاف الدراري» ذكر أن للمرأة المستحاضة أنها على قسمين، أنها على قسمين: القسم الأول: أن تكون مبتدئة، يعني: أول مرة ترى الدم، ولم تحض قبل ذلك، ولم تحض قبل ذلك. والقسم الثاني: أن تكون معتادة، يعني: كانت تحيض، وحيضتها مستقرة ومعروفة، ثم بعد ذلك أصيبت بالاستحاضة. أما بالنسبة للقسم الأول وهي المبتدئة، قلنا: هي التي لم ترى الدم قبل ذلك، فهذه على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون لها تمييز، أن يكون لها تمييز، يعني: تعرف إقبال الحيضة وإدبارها بتغير الدم، بتغير الدم. فهنا تعمل بالتمييز، عندها دم نزيف، متى ما تغير الدم الأحمر إلى الأسود، معنى ذلك أنه بدأ معها الحيض، فهنا تعامل نفسها معاملة الحائض: لا تصلي، لا تصوم، لا تجامع، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. والحالة الثانية: إذا كانت ليس لها تمييز، الدم نوع واحد، ما تدري، ما تدري: أهو دم حيض أو استحاضة؟ لأن لونه لا يتغير، أحمر، لونه أحمر. ففي هذه الحالة لا تترك الصلاة، ولا تترك الصيام، وغيرها من الأحكام الأخرى، فتعامل نفسها معاملة الطاهرات، معاملة الطاهرات، حتى ترى الدم يتغير إلى لون دم الحيض. وهذا القول يعتبر وجهًا للشافعية، وهو قول الإمام ابن حزم والشوكاني، وهكذا أيضًا قريب منه قول الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى. ولما يا إخوان؟ لأن الدم الذي صفته صفة دم الحيض، هذا الذي يمنعها من الصلاة، وهكذا من الصيام وغير ذلك. وكم من النساء يا إخوان لا تحيض، كم من النساء لا تحيض، فهذه تعامل نفسها معاملة الطاهرات على الصحيح من أقوال أهل العلم. القسم الثاني: المعتادة، يعني: كانت تأتيها دورة شهرية وفي أيام معروفة، ثم بعد ذلك أتاها الاستحاضة، أتاها الاستحاضة. فهذه كذلكم أيضًا على حالين: الحال الأولى: ألا يكون لها تمييز، يعني: الدم لونًا واحدًا، لا تستطيع أن تميز الاستحاضة من الحيض. فهنا الراجح أنها تعمل بالعادة، إذا كان الدم لا يتميز فهنا تعمل بعادتها. كيف عادتها؟ أي: ما كانت عليه قبل الاستحاضة، كانت مثلًا تحيض من أول الشهر سبعة أيام، إذن تمسك سبع أيام عن الصلاة، فإذا انقضت هذه السبع الأيام تغتسل وتصلي، تغتسل وتصلي. وهذا هو قول الجمهور من أهل العلم، واستدل بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، حيث قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها»، ثم أي: بعد هذه الأيام: «اغتسلي وصلي»، اغتسلي وصلي. والحال الثاني: أن يكون لها تمييز، يعني: تمييز الأيام التي فيها الدم يكون دم حيض، والأيام الأخرى التي يكون الدم ليس صفته صفة دم الحيض. فهنا أيهما تقدم؟ هل تقدم عادتها المعروفة، أو تقدم التمييز؟ الصحيح يا إخوان: أنها تقدم التمييز، أنها تقدم التمييز. ومعنى التمييز: أي أنها تنظر إلى الدم، فإذا كان صفته صفة دم الحيض، فعندها تعامل نفسها معاملة الحائض. ما هي صفات دم الحيض؟ من يأتي بها سريعًا؟ واحد: أسود، يعرف. طيب، أسود. ثاني: فخين، نعم، أي: غليظ، جامد. كيف جامد؟ لا يسيل، لا يسيل، يعني ممكن نعبر بأنه غليظ. له رائحة، تعرف: رائحة كريهة. الرابع: أنه لا يتجمد، لا يتجلط. نعم، أحسنت. بخلاف دم الاستحاضة، فإنه على خلاف ذلك. فهنا قلنا: تقدم التمييز، أي أنه إذا تغير الدم من دم الاستحاضة إلى دم الحيض، فعندها تمسك عن الصلاة والصيام وغير ذلك. وإذا زال وصف الدم إلى ماذا؟ إلى دم الاستحاضة، فعندها تغتسل وتصلي، فعندها تغتسل وتصلي. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم في ذلك. وبعض العلماء يقول: تقدم عادتها السابقة التي كانت عليها، عادتها السابقة التي كانت عليها. وهنا فائدة يا إخوان تستفيدها، ويحتاج إليها كثيرًا، تتعلق بعلامات الطهر: متى تعرف المرأة أنها طهرت من الحيض؟ ذكر العلماء أن للطهر علامتين، ما هما؟ للطهر علامتان، ما هما؟ ما هما؟ نعم: انقطاع الدم، يسمى الجفاف، انقطاع الدم، وهذا يسمى الجفاف. والعلامة الثانية وهي الأبرز؟ نعم، قل ما شئت، أنا سأخبرهم، وإن شئت أمسكت. حديث أم عطية: «كنا لا نعد الكدرة أو الصفرة بعد الطهر شيئًا». بعد الطهر، أول شيء لا بد أن تعرف المرأة أنها قد طهرت: الأولى الجفاف، والثانية خروج... نعم، أحسنت: القصة البيضاء. خروج القصة البيضاء. والقصة البيضاء هذه عبارة عن سائل أبيض، ماذا يدفعه الرحم عقب الحيض؟ وهو حاصل عند كثير من النساء. ولهذا عائشة رضي الله عنها كانت تأمر النساء بقولها: «لا تعجلن» أي: بياض الطهر، «حتى ترين القصة البيضاء». بعض النساء لا يأتيها، ولا يخرج منها هذا السائل الأبيض، فعندها تعمل بالجفاف، فعندها تعمل بالجفاف. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما تبقى إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. والله تعالى... اشتركوا في القناة.