الدرس في شرح كتاب الطهارة من عمدة الأحكام 43، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
استعرض الدرس أحكام التيمم مستندًا إلى حديث عمار بن ياسر موضحًا صفة الضربة الواحدة ومسح الوجه والكفين، وبيّن مبطلات التيمم كوجود الماء والقدرة عليه، ثم شرع في ذكر حديث جابر بن عبد الله عن الخمس التي خُص بها النبي صلى الله عليه وسلم.
فصل المقطع في شرح حديث جابر بن عبد الله مبينًا خصائص النبي صلى الله عليه وسلم من النصر بالرعب مسيرة شهر، وجعل الأرض مسجدًا وطهورًا، وفضل هذه الأمة بأنها ثلثا أهل الجنة، مع التنبيه على أن الخصائص أكثر من الخمس المذكورة.
ناقش المقطع خلاف العلماء في جواز التيمم بغير التراب من الصعيد مرجحًا الاحتياط، ثم أتم ذكر خصائص النبي صلى الله عليه وسلم من أحل الغنائم والشفاعة العظمى وبعثته للناس كافة ونصره بالرعب، واختتم بسؤال تطبيقي عن التيمم في البرد.
بين المقطع أنه إذا كان الشخص قادرًا على تسخين الماء للاغتسال فلا يصح له التيمم، بل يجب عليه تسخين الماء والاغتسال ثم الصلاة، لأن القدرة على التسخين تجعله في حكم المستطيع للماء فتبطل رخصة التيمم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي ضمن أحاديث التيمم الكلام حول حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما، وحديث عمار بن ياسر فيه بيان كيفية التيمم من الجنابة. ومر معنا مجموعة من المسائل المتعلقة بحديث عمار بن ياسر، من أهمها: أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن التيمم عبارة عن ضربة واحدة؛ أي للأرض، فبذه الضربة الواحدة يمسح بها وجهه وكفيه. وهذا القول نقله الخطابي رحمه الله تعالى عن عامة أهل العلم، عن عامة أهل العلم من الصحابة، وهكذا التابعين ومن بعدهم. ومر معنا من مسائل هذا الحديث: أن اليدين تمسحان إلى الكفين، يعني إلى الرسغين، وما ذهب إليه بعض العلماء أنهما تمسحان إلى المرفقين أو إلى الآباط فهذا غير صحيح، والصحيح الذي دل عليه ظاهر القرآن وأحاديث السنة الصحيحة أن الكفين هما تمسحان. وبأيهما يبدأ؟ هل يبدأ بالوجه أم يبدأ باليدين؟ الوجه، نعم، وهذا ظاهر القرآن: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، وهكذا أكثر الأحاديث فيها أن البدء بالوجه هو الصحيح، وهو الصحيح، وهو الموافق لترتيب الوضوء، فربنا عز وجل قدم غسل الوجه على غسل اليدين إلى المرفقين. وذهب بعض العلماء إلى أن اليدين هما تقدمان، وبعضهم جوز الأمرين معًا، قال: يجوز تقديم الوجه ويجوز تقديم اليدين. وتقديم اليدين يا إخوان، كما سبق، هو الأولى. ومما ختمنا به مسائل هذا الحديث: مبطلات التيمم. فما هي الأمور التي تبطل التيمم؟ ما هي الأشياء يا أبا الفاروق التي تبطل التيمم؟ أحسنت. ما يبطل وينقض الوضوء فهو كذلك أيضًا يعتبر ناقضًا للتيمم. نعم، من يزيد؟ نعم، أحسنت. إذا وجد الماء، بطل التيمم؛ وجود الماء، لأن الله تعالى أباح لنا التيمم عند عدم وجود الماء: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فإذا وجد الماء قالوا: ولو كان يصلي بالتيمم وسمع الثقة، أو سمع شخصًا يخبر بأن الماء قد حضر ووجد، يخرج من الصلاة ويتوضأ إن كان عنده حدث أصغر، أو يغتسل إن كان عليه حدث أكبر. أيضًا: نعم، إذا تيمم قبل دخول وقت الصلاة، قبل الأذان، أيوة، يبطل. أحسنت. مر معنا أن من أهل العلم من يشترط في التيمم دخول وقت الصلاة، فيجعله شرطًا، وقلنا الصحيح هو ماذا؟ أنه لا يشترط. فلو توضأ قبل الظهر، أو ماذا؟ لو تيمم قبل الظهر ثم بعد ساعة ساعتين أذن لصلاة الظهر وهو على طهارته لم يحدث، فقالوا: يجوز أن يصلي بهذا التيمم ولا يلزمه أن يعيد التيمم مرة أخرى. لكن ذكرنا أمرًا آخر وهو: أحسنت، يعني القدرة على استعمال الماء. فالمريض قد لا يستطيع أن يستخدم الماء، فإذا استطاع استعمال الماء فعندها يلزمه أن يتوضأ أو يغتسل على حسب الحدث الذي عنده. وهكذا مع شدة البرد، شدة البرد عند صلاة الفجر، أجنب وليس هناك ما يسخن به الماء، وخاف على نفسه الضرر أو الهلاك، جاز له أن يتيمم، لكن متى ما استطاع أن يستخدم الماء فعندها يجب عليه أن يستخدم الماء. قال رحمه الله تعالى: قال عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي»، ثم ذكر هذه الخمس: «نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر، وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحِلَّت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعْطِيتُ الشفاعة، وكان النبي -أي قبله- عليه الصلاة والسلام يبعث إلى قومه خاصة، وبُعِثْتُ إلى الناس عامة». هذا الحديث ختم به رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين، ختم به أحاديث باب التيمم. وهذا اللفظ الذي أورده هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله تعالى. وأما لفظ الإمام مسلم رحمه الله فقال فيه: «نُصِرْتُ» أو قال فيه: أي في آخره قال: «وبُعِثْتُ إلى كل أحمر وأسود». لفظ الإمام مسلم يقول عليه الصلاة والسلام: «وبُعِثْتُ إلى كل أحمر وأسود»، أي من الناس، أي من الناس. قال بعض العلماء: ولعل المصنف، أي المقدسي صاحب العمدة رحمه الله تعالى، اغتفر ذلك ظنا منه مرادفتهما، أي مرادفة لفظ مسلم للفظ البخاري السابق. قال: وقد يفرق بينهما بما تعطيه الصيغة من كل واحد منهما. قال: ورواية مسلم أقوى لأنه رواها من طريق يحيى بن يحيى عن هشيم، والبخاري روى لفظه وحديثه من طريق محمد بن سنان عن هشيم، ويحيى بن يحيى أجل وأحفظ وأوثق من محمد بن سنان، لهذا... آه، ماذا قالوا؟ قد تُقَدَّم رواية مسلم على رواية البخاري، والمعنى متقارب. والمقصود من ذلك هو أن النبي صلى الله عليه وسلم تميز عمن كان قبله من الأنبياء والرسل بماذا؟ بماذا تميز عن من سبقه من الأنبياء والرسل؟ من لفظ البخاري ومسلم: «وبُعِثْتُ إلى الناس عامة»، و«بُعِثْتُ إلى كل أحمر وأسود»، أن دعوته عامة. وما أدري، ما أدري إيش الباقي؟ نعم، أحسنتم. أن دعوته عامة، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، إلا رحمة للعالمين، والعالمين المقصود بهم من سوى الله عز وجل، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأنه بعث إلى العرب والعجم، بل إلى الإنس والجن، إلى الإنس والجن. وهذا الحديث كما يظهر يتحدث حول بيان مجموعة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا أيضًا خصائص لأمته. قال العلامة البسام رحمه الله تعالى: قال: هذا حديث عظيم، وفيه فوائد جمة. قال: هذا حديث عظيم، وفيه فوائد جمة. ثم ذكر مجموعة من أبرز الفوائد المستفادة من هذا الحديث. وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث جابر بن عبد الله، وهو سبق معنا الكلام حول جوانب من ترجمته رضي الله عنه، وأنه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، أبو عبد الله، أحد المكثرين في رواية الحديث، وأحد علماء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت له حلقة في المسجد. أي مسجد كانت له حلقة عظيمة في المسجد يدرس الناس ويجتمع حوله الناس؟ أي مسجد؟ نعم، من المتكلم هنا؟ يوسف، عندك أي مسجد؟ النبوي. أحسنت، المسجد النبوي. كانت له حلقة عظيمة يدرس الناس. قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي». وهذا يا إخوان فيه فائدة، ألا وهي تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، على سائر الأنبياء. وهكذا تفضيل أمته على... على من يا أبا نصر؟ تفضيل أمته على... أحسنت، الأمم السابقة، على سائر الأمم. كان بنو إسرائيل قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فضلهم ربنا عز وجل على العالمين، لكن هذه الأمة بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم هي الأفضل، وهي الأعظم، وهم الآخرون السابقون يوم القيامة، وهم أكثر أهل الجنة. وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة على مئة وعشرين صفًا، كم من هذه الأمة؟ نعم، كم؟ أحسنت، ثمانون من هذه الأمة. إذن هذه الأمة تشكل ثلثي أهل الجنة، والثلث الأخير والمتبقي من غيرها من الأمم. إذن هذه الأمة فضلها ربنا عز وجل على سائر الأمم، على سائر الأمم. وذكر في هذا الحديث خمسًا من هذه الخصال، وجاء في بعض الروايات: «أعطيت ستًا»، جاء بلفظ ست. وآه، ماذا ذكر بعض أهل العلم؟ أن خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك، أكثر من ذلك. فتتبعها بعضهم فجعلها على سبعة عشر خصلة تميزت بها هذه الأمة عن غيرها من الأمم. والعلامة الصنعاني رحمه الله تعالى أوصلها إلى إحدى وعشرين خصلة. بل ذكر بعضهم كالعلامة البسام وغيره أن من تتبع الجامعين، الكبير والصغير، أي للعلامة السيوطي رحمه الله تعالى، وجد زيادة على هذا العدد. إذن ذكر الخمس ليس على سبيل... ليس على سبيل ماذا؟ الحصر، وإنما على سبيل الذكر والتمثيل ببعض هذه الخصال العظيمة. قال عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر». هذه الأولى يا إخوان. قال: «نُصِرْتُ بالرعب»، ما هو الرعب يا حبيب؟ شدة الخوف. رعب وقذف في قلوبهم، الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. قال: «نُصِرْتُ بالرعب»، أي نصره الله عز وجل بأن قذف في قلوب أعدائه الرعب على مسيرة شهر، على مسيرة شهر. ذكر العلامة الصنعاني اليماني رحمه الله تعالى أنه إنما خص مسافة الشهر، مسافة الشهر، دون مسافة أبعد منه، أبعد منه. قال: لأنه لم يكن بينه وبين من أظهر العداوة له أكثر من ذلك. من ألد أعداء المسلمين: الفرس بالعراق وخراسان، بينهم وبين المدينة مسافة شهر. الروم بالشام وما بعدها، بينهم وبين المسلمين مسيرة شهر. وإلا فلو كان العدو أبعد من شهر لقذف الله في قلبه الرعب. وزد على ذلك أن هذا ليس خاصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما نص العلماء على أنه كذلك أيضًا لمن اتبعه عليه الصلاة والسلام من أمته، فيقذف الله الرعب في قلوب الأعداء على مسيرة شهر، بل أكثر من شهر، بل أكثر من شهر. أهم شيء أن يكون المسلم صادقًا في توحيده واتباعه، لأن نبي صلى الله عليه وسلم... توحيده لله عز وجل واتباعه لأن نبي صلى الله عليه وسلم قال: «نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر»، مسيرة شهر. قال: «وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». مسجدًا، أي موضعًا للصلاة، بينما كان من قبلنا يجب عليهم أن يصلوا في كنائسهم وبيعهم. لكن انظروا التخفيف الذي جعله الله لهذه الأمة: أنت أدركتك الصلاة وأنت في صحراء، صلي. وأنت في البحر، صلي. وأنت في مكان ناءٍ بعيد، فتصلي. أنت على سفر، جنب السيارة توضع، إن كان هناك ماء وإلا فتيمم وصلي. قال: «وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا»، أي موضعًا للصلاة، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. قال: «وطهورًا»، أي عند عدم وجود الماء، فالتراب يعتبر طهورًا. وهذا من الأدلة التي استدل بها من استدل على أن التيمم رافع للحدث، وليس مجرد مبيح للصلاة. رافع، لكنه رافع ماذا يا أبا عبد الرحمن؟ رافع دائم، وإنما... أحسنت، مؤقت. إلى متى؟ إلى أن يجد الماء. إلى متى؟ إلى أن يستطيع أن يستعمل الماء. ولهذا عبر بأنه طهور. قال: «وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ»، أي أنه عنده مسجده وطهوره، مسجده وطهوره. وبهذا نعلم يا إخوان الخطأ الفادح الذي يقع فيه بعض الناس، ولا سيما المرضى. كم من المرضى يا إخوان من إذا لم يستطع أن يستعمل الماء ترك الصلاة، ترك الصلاة. أو كان عنده بول يخرج عبر ذلكم الأنبوب وتلك القربة، فتجده يستعظم أن يصلي على تلك الحالة فيترك الصلاة. وللأسف يا إخوان، كم من الناس من يموت على هذه الحالة، والسبب في ذلك هو الجهل وعدم السؤال عما يتعلق بأمر الدين والصلاة والطهارة. قال: «فليصلِّ». وهنا مسألة يا إخوان فيما يتعلق بالتيمم: هل يشترط في التيمم أن يكون بالتراب، أم يجوز أن يتيمم بما كان صعيدًا على ظهر هذه الأرض كالتراب والأحجار وغيرها من الأشياء الأخرى؟ هذه المسألة يا إخوان اختلف فيها أهل العلم. فذهب الإمام مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وغيرهم من أهل العلم إلى أنه يجوز أن يتيمم بكل ما على الأرض من الصعيد، سواء كان تراب طين، تراب، أو كان ماذا؟ أحجارًا، أو كان رملًا، أو غير ذلك. ودليلهم على هذا ظاهر الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، قالوا: فكل ما كان من أجزاء الأرض جاز التيمم به. واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وهكذا تلميذه ابن القيم، وغيرهم من أهل العلم، وغيرهم من أهل العلم. وخالف في هذا الإمام الشافعي وأحمد، واختاره أيضًا داود الظاهري، وهكذا أيضًا ابن المنذر. بل نَصَبَ إلى أكثر الفقهاء ماذا؟ قالوا: التيمم إنما يكون بالتراب فقط. حصى لا، لا يتيمم به. رمل إلى غير ذلك، قالوا: لا يحصل التيمم به، إنما يكون التيمم بالتراب. وأدخل بعضهم الرمال ضمن ماذا؟ ضمن الطين. فتراب، ويدخل فيه رمل. لماذا يدخل فيه الرمل؟ لأن التيمم في الغالب يكون خارج البلدان في الصحاري، والصحاري مليئة بالرمال، فيجوز أن يتيمم بالتراب ولو كان رملًا، ولو كان رملًا. وقلنا هذا القول عزي إلى أكثر الفقهاء، واستدلوا بحديث حذيفة بن اليمان في صحيح مسلم، وفيه قال عليه الصلاة والسلام: «وتُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، وَتُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ». فالذي يظهر يا إخوان أن الأحوط هو أن الإنسان يتيمم بالتراب، فإن تعسر وجود التراب جاز له أن يتيمم بغيره من الأشياء التي على سطح هذه الأرض، على سطح هذه الأرض، ولا سيما إذا كان فيها شيء من الغبار، شيء من الغبار. قال: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ»، والمغانم أي الغنائم، والغنائم هي ما يتحصل عليه المسلمون من أموال الكفار عند القتال، عند القتال. قال: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي». من كان قبلنا يا إخوان إذا غنموا غنائم ماذا يفعلون؟ نعم، ها، تحرق. نعم، تجمع فتنزل نار من السماء فتحرقها وتأكلها. لكن يا إخوان، ربنا عز وجل علم ضعفنا وعجزنا فأعطانا هذه الخصائص وهذه الفضائل العظيمة. قال: «وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ». والمقصود بالشفاعة هاهنا الشفاعة الخاصة به عليه الصلاة والسلام، وهي على ثلاثة أنواع: واحد... نعم، وهي الشفاعة العظمى، شفاعته في أهل الموقف حين أن تدنو الشمس من رؤوس العباد، فلا يكون بينها وبينهم إلا قدر ميل واحد. وهذا المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل إياه، يتراجع الأنبياء ويتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، تسمى بالشفاعة العظمى في أهل الموقف، خاصة به عليه الصلاة والسلام. نوع آخر من أنواع الشفاعة الخاصة: نعم، يا بي، يا حياء، شفاعته في عمه أبي طالب. ما هذه الشفاعة؟ أحسنت، ليس بأن يخرج من النار، وإنما أن يخفف عنه من عذاب النار. فأبو طالب أخف أهل النار عذابًا يوم القيامة، أخف أهل النار عذابًا. ولهذا لما جاء العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، عمك أبو طالب كان يحوطك ويغضب لك، ما أغنيت عنه؟ قال: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ». نوع آخر من أنواع الشفاعة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، يا صالح، للمؤمنين بماذا؟ بدخول أو خروج أو قيام أو جلوس؟ دخول أين؟ الجنة. الشفاعة للمؤمنين أن يدخلوا الجنة، كما في حديث أنس عند مسلم: «فَآدَمُ فَمَنْ دُونُهُ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا بَعْدَ شَفَاعَتِهِ» عليه الصلاة والسلام، يستأذن فيقول الملك: مَنْ؟ فيقول: مُحَمَّد، فيقول: «أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ»، فيدخل عليه الصلاة والسلام ثم يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا إلى الجنة، أن يدخلوا إلى الجنة. قال: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً». وهذه كما سبق، وهذا يعطي المؤمن ثباتًا وقوة وشجاعة، أن الرعب يعتبر جندًا من جنود الله عز وجل ينصر به من يشاء. وفي حربنا مع اليهود، الله عز وجل قد هزم اليهود قديمًا بالرعب، وهو قادر على أن يهزمهم به في وقتنا الحاضر. وهكذا أيضًا في الملاحم التي تكون قبيل الساعة وعند قيام الساعة، كما في حديث أبي هريرة قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ»، قال: «فَيَخْتَبِئُ الْيَهُودِيُّ خَلْفَ الشَّجَرِ وَالْحَجَرِ، فَيَقُولُ الشَّجَرُ وَالْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، تَعَالَ فَاقْتُلْهُ، تَعَالَ فَاقْتُلْهُ». وبهذا نكون قد أكملنا ما يتعلق بباب التيمم، ويأتي معنا في الدرس القادم الكلام حول آخر أبواب كتاب الطهارة، ألا وهو باب الحيض. فالحمد لله أولًا وآخرًا، الذي بنعمته تتم الصالحات. هنا يقول: في وقت شدة البرد تيمم ودخل للصلاة، ثم وهو في الصلاة جاء الكهرباء، هل يخرج من الصلاة ويسخن الماء ثم يغتسل، أو ماذا عليه؟ نعم، هذا الذي يظهر أنه إذا كان يستطيع أن يسخن الماء فهو يعتبر في حكم المستطيع، لهذا يبطل التيمم ويلزمه أن يسخن الماء ويغتسل، ثم بعد ذلك يصلي، والله تعالى أعلم.