باب المراقبة من رياض الصالحين 4

باب المراقبة من رياض الصالحين 4

الدرس في باب المراقبة من رياض الصالحين 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

وصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ومعنى التقوى الشامل

يستهل الدرس بحديث وصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل بتقوى الله في كل مكان وحال، مبيناً أن التقوى تعني اجتناب المحارم وأداء الواجبات بإخلاص. ويؤكد أن هذه التقوى يجب أن تلازم العبد في جميع أحواله من سر وعلانية، وفرح وحزن، وعسر ويسر.

مراقبة الله في الخلوات واتباع السيئة بالحسنة

يوضح المقطع أن تقوى الله في الخلوات هي دليل الإخلاص، فمن يتقي الله في العلن ولا يتقيه في السر فقد عمل للخلق لا لله. كما يبين مشروعية اتباع السيئة بالحسنة لمحوها، مستدلاً بالآية الكريمة وقصة الرجل الذي قبل امرأة فأمره النبي ﷺ بالصلاة تكفيراً لسيئته.

أثر الحسنات وحسن الخلق في تكفير السيئات ونيل المحبة

يؤكد المقطع أن الإكثار من الحسنات كالتوبة والصلوات والعمرة والاستغفار يكفر السيئات، مبيناً أن الخصلة الثالثة "خالق الناس بخلق حسن" تعني أداء الحقوق بأخلاق محمودة. ويخلص إلى أن حسن الخلق سبب لمحبة الله والناس، مستشهداً بقول ابن القيم: "الدين كله خلق".

خاتمة: التمسك بالوصايا الثلاث وسؤال التوفيق

يختم المتحدث بالتأكيد على حفظ الوصايا الثلاث الواردة في الحديث، مشيراً إلى عظمة وصية "اتق الله حيثما كنت" لهذه الأمة. ويسأل الله تعالى التوفيق للعمل بالكتاب والسنة والثبات على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب المراقبة، الحديث الثاني: قال رحمه الله تعالى: عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وحسنه العلامة الألباني كما في "صحيح الجامع". ففي هذا الحديث ثلاث وصايا لهذا الصحابي معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. الوصية الأولى: اتق الله حيثما كنت. وتقوى الله سبحانه وتعالى هي اجتناب المحارم وفعل الأوامر، هذه هي التقوى باختصار. فإذا أمرك الله بأمر فمن تقوى أن تبادر للامتثال لهذا الأمر، وأيضاً إذا نهاك عن شيء فمن تقوى الله أن تبادر إلى ترك هذا النهي، وأن يكون فعلك لله مخلصاً فيه لله عز وجل، وتركك أيضاً لله. ولذلك جاء عن طلق بن حبيب رحمه الله تعالى أنه قال في التقوى: «أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله». ففيه المتابعة، وفيه الإخلاص. وقوله: «حيثما كنت»، حيث هذه من ظروف المكان، بمعنى: اتق الله في أي مكان وعلى أي حال. اتق الله في سرك وعلانيتك، اتق الله في خلوتك وجلوتك، اتق الله في حال النور وفي حال الظلمة، اتق الله في العسر واليسر، اتق الله في الفرح والحزن، اتق الله في المنشط والمكره، اتق الله في الرضا والغضب. فتقوى الله عز وجل ينبغي أن تلازم العبد، وهذا هو وجه الشاهد من إيراد هذا الحديث في باب المراقبة. وهي وصية عظيمة من النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الصحابي. أما من يتقي الله إذا كان في العلن ثم لا يتقي الله إذا كان في السر، فهذا عنده خلل في مراقبته لربه سبحانه وتعالى، فهو في الحقيقة لا يعمل لله وإنما يعمل للخلق، بدليل أنه إذا رأى الخلق كان من أتق الناس، وإذا غاب عنه الخلق كان من أفجر الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإذن هذه وصية عظيمة: أن المؤمن يتقي الله سبحانه وتعالى في كل أحواله، في كل أحواله. نعم، والمحك الحقيقي أن يتقي الله العبد في خلواته وفي سره، لأن هذا أدعى إلى الإخلاص، هذا أدعى إلى الإخلاص، حين يخاف الله العبد ويترك ما يغضب الله حينما لا يراه إلا الله سبحانه وتعالى وحده. هذه الوصية الأولى وهي وجه الشاهد من هذا الحديث. ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». الإنسان عرضة للوقوع في شيء من الزلل والخطأ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: قال الله سبحانه وتعالى: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم». فالإنسان عرضة لأن يقع في شيء من الخطأ والزلل، لكن ينبغي عليه أن يجتهد في محو هذه السيئة التي ارتكبها. ومن أعظم أسباب محو السيئات أن تتبع السيئة بالحسنة، أن تتبع السيئة بالحسنة. إذا عملت سيئة فبادر إلى عمل الحسنة، فإن الحسنات يذهبن السيئات، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. إن الحسنات يذهبن السيئات. وهذه الآية لها سبب نزول، وهو أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «احترقت». قال: «وماذاك؟» قال: «قبلت امرأة لا تحل لي». قبل امرأة غرته نفسه وسولت له نفسه أن يفعل هذا، نعم، قبل امرأة لا تحل له، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. فقال صلى الله عليه وسلم: «صليت معنا؟» قال: «نعم». فبشره بهذه الآية، بشره بهذه الآية. فيكثر العبد من فعل الحسنات، فإنها من أعظم أسباب محو السيئات. ومن الحسنات التوبة، فإن التوبة من أفضل الحسنات، لأن الله يحب التوابين، وما يحبه الله فهو أجر وفضل وإحسان ونحو ذلك. والله عز وجل حث على التوبة فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. نعم، وهكذا الصلوات الخمس سبب لغفران الذنوب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». العمرة كذلك، العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما. الاستغفار، فيكثر العبد من الأعمال الصالحة، فإن شاء الله ما يعني يصبح أو يمسي إلا وقد كفرت سيئاته بهذه الحسنات. وقوله في الخصلة الثالثة: «وخالق الناس بخلق حسن». هذا الحديث أورده الإمام النووي أيضاً في "الأربعين النووية"، فهو من الأحاديث الجامعة. لأن هذا الحديث فيه في الوصية الأولى والثانية معاملة الخالق: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة»، هذا معاملة مع الخالق. والخصلة الثالثة وهي: «خالق الناس بخلق حسن»، هذه معاملة الخلق، معاملة الخلق. وما معنى «خالق الناس بخلق حسن»؟ يعني أن تعاملهم بخلق حسن تحمد عليه، تحمد عليه ولا تذن فيه. فالناس يثنون عليك خيراً بطلاقة وجهك، بصدق حديثك، بحسن مخاطبتك، وكذلك وفائك بالعهد، بصدقك في بيعك وشرائك، في كذلك القيام بما أوجب الله عليك تجاه الوالدين، تجاه الأرحام، تجاه الجيران، تجاه الزوجة، تجاه الأولاد. فإذا تخلقت بالأخلاق الحسنة فقد أديت هذه الحقوق، فأحبك الله وأحبك الخلق، فإن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، ومن كذلك تخلق معها بالأخلاق الحسنة. وتعلمون النصوص الكثيرة في فضل الخلق الحسن، حتى قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «الدين كله خلق، الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الدين، فقد زاد عليك في الدين». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً». وقال عليه الصلاة والسلام: «أقربهم مني منزلة يوم القيامة أحسنهم أخلاقاً». والأحاديث في هذه كثيرة جداً. فالأخلاق الحسنة لها فضل عظيم، وصاحبها يكون محبوباً إلى الناس، محبوباً إلى الناس. فاحفظ هذه الوصايا الثلاث، ووجه الشاهد منها كما تقدم: «اتق الله حيثما كنت»، وصية عظيمة نقلها لنا هذا الصحابي الجليل، وهي وصية للأمة جميعاً. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعمل بدينه وبسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. إلى هنا والله تعالى أعلم.