الدرس في التعليق على كتاب الحج من التمام في أحاديث الأحكام 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبيّن المقطع جواز أكل المحرم مما صاده الحلال بشرط عدم إعانته، ويوضح أحكام قتل الفواسق الخمس والهوام المؤذية في الحرم والحل، كما يفصل في أحكام الحجامة وغسل الرأس للمحرم وفدية الحلق للأذى مستدلاً بقصة كعب بن عجرة.
يستعرض المقطع أحكام لقطة الحرم بأنها لا تُملك بل تُعرف أبداً، ويبين تخيير ولي الدم بين القصاص والديّة، مع تفصيل استثناء الإذخر من تحريم قطع شجر مكة، ثم ينتقل لحرمة المدينة النبوية وحدودها وعقوبة من قطع شجرها.
يسرد المقطع خروج النبي صلى الله عليه وسلم لحج السنة العاشرة وإحرامه من ذي الحليفة وأمره أسماء بالاغتسال للإحرام، ويصف صيغة التلبية وطواف القدوم باستلام الحجر والرمل والاضطباع، ثم يختم باستلام الركن اليماني والدعاء وصلاة ركعتي الطواف خلف المقام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في قصة صيده الحمار الوحشي وهو غير محرم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وكانوا محرمين: «هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟» قالوا: لا. قال: «فكلوا ما بقي من لحمه». متفق عليه. وعن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه، وقال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». متفق عليه. حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في قصة صيده الحمار الوحشي: حين خرج مع الصحابة رضي الله تعالى عنهم فأحرموا إلا أبا قتادة، فرأى حمراً وحشية، فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتاناً، فأكلوا، ثم قالوا: كيف نأكل ونحن حرم؟ فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسألونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل منكم أحد أمره؟» يعني: أمره أن يصيد لهم، أن يصيد لهم، أو أشار إليه بشيء، يقول له: هذه الحمر، أو نحو ذلك. قالوا: لا، يعني: ما أحد أمره، ولا أحد أشار إليه. فقال: «فكلوا ما بقي من لحمه». فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يأكلوا من لحم هذه الحمر، وقد صادها أبو قتادة رضي الله عنه وهو حلال، وهم حرم. فدل هذا على أنه يجوز للمحرم أن يأكل ما صاده الحلال، يعني: يجوز للمحرم أن يأكل من الصيد، من صيد البر، ما صاده الحلال. وهذا إذا لم يعن المحرم هذا الحلال في الصيد، لم يأمره أو يشير إليه أو يعينه، كأن يناوله السلاح أو نحو ذلك. فإن لم يحصل شيء من ذلك، حل له أن يأكل من هذا الصيد. وأما إذا أعانه أو أشار إليه، فإنه لا يجوز له أن يأكل من هذا الصيد. أو إذا صاده الحلال لأجل المحرم، إذا صاده الحلال لأجل المحرم، وعلم بذلك، فإنه لا يحل لهذا المحرم أن يأكل من هذا الصيد. ويدل على ذلك الحديث الذي بعده، حديث الصعب بن جثامة: لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بحمار وحشي، فرده النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى ما في وجهه يعني: من التغير أو الحزن، أن النبي صلى الله عليه وسلم رد هديته، قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». «إنما لم نرده عليك إلا أنا حرم»، والمحرم لا يأكل ما صيد له. وبهذا جمع العلماء بين هذا الحديث وحديث أبي قتادة؛ لأن في حديث الصعب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». في ظاهره أن المحرم لا يأكل من الصيد، ولو كان الذي صاده حلالاً. لكن جمع بين هذا الحديث وحديث أبي قتادة بأن المحرم لا يأكل من الصيد إذا أعان الصائد في صيده، أعانه، أشار إليه، أو إذا صاده له، إذا صاده الحلال لأجل المحرم، فإنه لا يأكل منه شيء. وعلى هذا يحمل رد النبي عليه الصلاة والسلام ما أعطاه الصعب بن جثامة، حمله العلماء على أنه صاده للنبي عليه الصلاة والسلام. وأما إذا لم يصده له، ولم يعنه، ولم يشر إليه بشيء، فإنه يجوز أن يأكل، كما في حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها، وإلا فالأصل أن المحرم لا يجوز له أن يصيد صيد البر، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً، وقال جل وعلا: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾. فالمحرم لا يجوز له أن يصيد صيد البر. لكن إذا صاده الحلال، ولم يصده له، أو يعنه على ذلك، جاز له أن يأكل منه. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور». متفق عليه. في هذا الحديث أجاز النبي صلى الله عليه وسلم قتل هذه الفواسق في الحل وفي الحرم، سواء كانت في الحل أو كانت في الحرم، وكذلك في حال كون الإنسان حلالاً أو حراماً، أي محرماً. فهذه الخمس من الدواب سميت فواسق لأنها خرجت عن غيرها من الحيوانات بما فيها من الأذية، بما فيها من الأذية والشر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقتلن في الحل والحرم». الغراب: الغراب المعروف، فالغراب يجوز قتله ولو كان الإنسان حراماً. وهل يستثنى من الغراب شيء؟ جاء في رواية ذكر الغراب الأبقع، في رواية مسلم: «الغراب الأبقع». والغراب الأبقع الذي فيه بياض في صدره وبياض في أعلاه. بعض العلماء قال: هنا الغراب مطلق، وقيد في الرواية الأخرى بالغراب الأبقع، فيكون الذي يقتل هو الغراب الأبقع، وأما الغراب الذي كله سواد فهذا لا يقتل. والصحيح أنه يقتل الغراب مطلقاً، سواء كان أبقع أو غير أبقع. وذكر الغراب الأبقع هو من ذكر بعض أفراد العام، وذكر بعض أفراد العام لا يفيد الخصوص. هنا أطلق الغراب، وقيد في الرواية الأخرى بالغراب الأبقع. نقول: ذكر الغراب الأبقع لعله لأن أذيته أعظم وشره أكثر، فلذلك خصه النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر، كأنه قال: الغراب، والغراب الأبقع، الغراب والغراب الأبقع. إلا الغراب الذي يأكل الحب والزرع، فهذا استثناه العلماء بأنه لا يجوز قتله. الغراب الذي يأكل الزرع والحب، فهذا استثناه العلماء بأنه لا يجوز قتله. قال: والحدأة، أي طائر الحدأة، هو طائر من الطيور الكبيرة تشبه النسر، وهي أيضاً موذية، ربما تأخذ على الإنسان شيئاً، إذا رأت شيئاً أحمر في الغالب تهجم عليه، ربما تهجم على لحم يكون معك أو شيء من ذلك، فلذلك أمر وأجاز الشرع قتلها. والعقرب: كذلك من الحيوانات والحشرات التي يجوز للمحرم أن يقتلها لأنها موذية، والعقرب إذا رأت الإنسان هجمت عليه وأرادت أن تلدغه، فلذلك تقتل ولو كان في الحرم. والفأرة: كذلك، الفأرة فويسقة موذية، أو حال الإحرام. والكلب العقور: المراد به كل حيوان مفترس، فإنه يجوز قتله، يجوز قتله. يدخل في ذلك الكلب المعتدي، والأسد، والفهد، والنمر، ونحوها من هذه السباع، يجوز قتلها في الحل والحرم. وهل يقتصر الحكم بهذه الحيوانات فقط، أو يلحق بها ما كان مثلها مما فيها أذية؟ جماهير أهل العلم على أنه يلحق بها ما كان مثلها، وهذا الصواب؛ لأن الشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق. فأجاز الشرع قتل هذه الحيوانات، والعلة في ذلك هي الأذية، كونها موذية. فإذا وجدت هذه العلة في غيرها من الحيوانات، وجد الحكم، وهو جواز قتلها. وإذا قتلها، ليس عليه شيء، ليس على المحرم شيء. قالوا: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهذا فيه دليل، هذا الحديث فيه دليل على قاعدة شرعية ذكرها العلماء، وهي قولهم: «ما ترتب على المأذون فغير مضمون، ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون». الشرع الآن أذن بقتل هذه الحيوانات في حال الإحرام أو في حال الحرم. وإذا كان كذلك، فإذا قتلها المحرم، فلا يضمن، فإنه لا يضمنها؛ لأن الشرع أذن له في ذلك، أذن له في ذلك. لكن الصيد لم يأذن له الشرع بقتله، الصيد لم يأذن له الشرع بقتله، بل نهاه عن قتله، فإذا قتله، فإنه يضمنه، يضمنه بضمان المثل، أو بقيمة المثل، طعاماً أو صياماً. قالوا: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم. متفق عليه، واللفظ للبخاري. هذا الحديث فيه جواز أن يحتجم المحرم، جواز أن يحتجم المحرم إذا احتاج إلى ذلك، لا مانع أن يحتجم وهو محرم. فإن احتجم في غير الرأس، في موضع من مواضع البدن، فليس عليه شيء. وأما إذا احتجم في رأسه، وحلق شيئاً من شعره، فإنه يفدي بدل ما حلق من رأسه، وحينئذ تكون الحجامة في حقه مكروهة؛ لأنه سيؤدي ذلك إلى إزالة شيء من شعر الرأس وهو محرم، والأصل أن المحرم لا يجوز له أن يأخذ شيئاً من شعر رأسه حتى يتحلل من إحرامه. لكن إذا احتاج إلى ذلك، فحينئذ يجوز مع الكراهة. وأما إذا كان في غير الرأس، فلا كراهة عليه في الحجامة. قال: وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم، ثم وصف ذلك فقال لإنسان يصب عليه: «أصبب». فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر. متفق عليه. هذا الحديث فيه دلالة على جواز أن يغتسل المحرم، وأن يغسل رأسه وهو محرم، وأنه لا حرج عليه في ذلك، لا حرج عليه في ذلك. وإن خرج شيء أو سقط شيء من شعر الرأس أثناء الاغتسال، فإنه لا يضر، فإنه لا يضر؛ لأنه شيء يسير، وغالباً ما يحصل ذلك من غير قصد ومن غير تعمد، فلا يؤاخذ عليه. نعم، وأجمع العلماء على أن المحرم يجب عليه أن يغتسل الغسل الواجب، مثل غسل الجنابة، إذا أجنب وهو محرم، واجب عليه أن يغتسل، واجب عليه أن يغتسل. واختلفوا في الغسل المستحب أو المباح، الغسل المستحب مثل الغسل قبل دخول مكة، والمباح للتبرد. والصحيح أنه يجوز، ولا دليل على المنع من ذلك. قال: وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، تجد شاة؟» قلت: لا. قال: «فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع». متفق عليه. في هذا الحديث، في هذا الحديث يخبر كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه حمل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والقمل يتناثر على وجهه، يعني: يتساقط من كثرته، يتساقط على وجهه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى». وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كعب بن عجرة يعني: يتأذى من شعر رأسه وما فيه من القمل، فما ظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بلغ إلى هذا الحال، أن القمل يتناثر ويتساقط من كثرته. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفدي، يعني: أن يحلق رأسه، وأن يفدي لأجل حلق رأسه قبل وقت التحلل. قال: «تجد شاة؟» قال: لا. قال: «فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع». فهذا الحديث يوضح ويبين ما أخبر الله عز وجل به وأمر به في كتابه، في قوله عز وجل: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله، فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. هنا ذكر الصيام والطعام مطلقاً، لم يقيد أو يحدد، فبينه النبي عليه الصلاة والسلام أن الصيام ثلاثة أيام، وأن الإطعام إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. وهذه الفدية على التخيير، هذه الفدية على التخيير، فالمفدي مخير: إن شاء أن يذبح شاة ويوزع على فقراء الحرم، وإن شاء صام ثلاثة أيام، وإن شاء أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، فهو على التخيير. وهذه الثلاثة الأيام يجوز له أن يصومها في الحرم وفي خارج الحرم، لأن الشرع لم يأمر بصيامها في الحرم. وكذلك يجوز أن يصومها متفرقة، وأن يصومها متتابعة. وإطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، نصف صاع يعني: من غالب قوت البلد، من الأرز أو البر أو التمر أو نحو ذلك، يخرج لكل مسكين نصف صاع. وإذا قدرنا بالوزن على سبيل الاحتياط، فكيلو ونصف، كيلو ونصف لكل مسكين، تكون هذه فدية لحلق الرأس. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فحمض الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين». قال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا. فقال: «إلا الإذخر». متفق عليه. في هذا الحديث بين النبي عليه الصلاة والسلام حرمة مكة، وأنها محرمة معظمة عند الله سبحانه وتعالى، وقد حبس الله عز وجل عنها الفيل، لما جاء أبرهة بأفياله يريد هدمها كما زعم، حبسه الله جل وعلا ومنعه من ذلك، وأهلكه ومن معه. ومع هذا، أحلها ربنا جل وعلا لنبينا عليه الصلاة والسلام في يوم فتح مكة، وفتحها النبي صلى الله عليه وسلم عنوة، يعني: بالقوة وبالقتال، حتى إنه قتل بعض من تعلق بأستار الكعبة كابن خطل. قالوا: يا رسول الله، ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. قال: «اقتلوه»، قال: «اقتلوه». وأحلها النبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار، وأخبر أنها لن تحل لأحد بعده عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من حرمتها: أنه لا ينفر صيدها، لا ينفر صيدها، إذا رأيت صيد الحرم لا يجوز لك أن تنفره، يعني: تنشطه أو تبعده من مكانه. ومنه الحمام، الحمام الذي في الحرم، هذا من صيد الحرم، ما يجوز تنفيره، ما يجوز تنفيره، تأتي وتنفره وتنشطه من محله. ولا يختلى شوكها، ولا يختلى شوكها، يعني: لا يقطع شجرها، لا يقطع شجرها وزرعها. ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، يعني: ما ضاع في الحرم لا يجوز لأحد من المسلمين أن يأخذه إلا إذا كان سيأخذها وينشدها لصاحبها، يعني: يعرفها طول الدهر. فلقطة الحرم ما تمتلك، لقطة الحرم لا تمتلك؛ لأن الحرم من دخله فهو آمن، آمن على نفسه وآمن على ماله من الضياع. فإذا وجده المسلم، لم يحل له أن يأخذه إلا إذا كان سيعرفه طول الدهر. ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد. بخلاف غير الحرم من اللقطات، فإن الإنسان يعرفها سنة، فإن لم يجد صاحبها، له أن يتصرف فيها. أما لقطة الحرم فإنها لا تمتلك، ولهذا إذا وجدت لقطة، ورد أن تأخذها، خذها، ووضعها في موضع الأمانات في داخل الحرم، فصاحبها إذا بحث عنها ولم يجدها، سيأتي إلى موضع الأمانات ويسأل عنها، هذا أفضل. قال: «ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين». هنا لم يذكر بقية الحديث، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إما أن يقتل، وإما الدية»، يعني: إما القصاص، فيطالب بقتل القاتل، وإما أن يأخذ الدية بدلاً من القصاص، فولي الدم مخير بين القصاص، فيطالب بقتل القاتل، وإما أن يأخذ الدية بدلاً من القصاص. قال العباس: «إلا الإذخر»، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حرمة شجر مكة، قال العباس: «إلا الإذخر يا رسول الله، فإننا نجعله في قبورنا وبيوتنا»، يعني: نستعمله وننتفع به في قبورنا، كأنهم يسدون به القبر، وهكذا في البيوت، في سقوف البيت نحو ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر»، يعني: أجاز لهم أن يقطعوا شجر الإذخر، وأما غيره فلا، لا يجوز. وقوله: «إلا الإذخر يا رسول الله»، بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يختلى شوكها»، استدل به العلماء على أن الاستثناء، الاستثناء إذا كان منقطعاً، أو حصل هناك فاصل بين المستثنى والمستثنى منه، لكن الكلام هذا الفاصل يتعلق بنفس الموضوع، بنفس موضوع الاستثناء، فإن الاستثناء يصح، فإن الاستثناء يصح. يعني: مثلاً لو قال إنسان: «أنا سأعتق عبيدي»، أو «عبيدي كلهم أحرار»، إذا كان عنده عبيد أرقاء، قال: «عبيدي كلهم أحرار»، فقال له أحد الجالسين: «يا فلان، فلان هذا يعني سيء الخلق، أو عاصي، أو كذا، ما رأيك لو أخرت عتقه حتى يحسن حاله؟» فيقول: «إلا فلان، إلا فلان». هذا الاستثناء يصح، هذا الاستثناء يصح، ويسميه العلماء: هذا الاستثناء في حكم المتصل، في حكم المتصل؛ لأن الكلام هذا الذي حصل هو يتعلق بنفس الموضوع، في نفس الموضوع الذي يراد به الاستثناء، في مثل هذا يصح. ودليله هذا الحديث: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا يختلى شوكها»، وفي رواية: «ولا يختلى خلاها»، وذكر بعد ذلك: «لا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل»، فقال العباس: «إلا الإذخر»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر». حصل: أتى بالاستثناء بعد حصول كلام بين المستثنى والمستثنى منه، فيصح حينئذ الاستثناء. أما إذا كان الكلام الفاصل لا يتعلق بموضوع الاستثناء، فهنا لا يصح الاستثناء، هنا لا يصح الاستثناء. يعني: لو قال قائل: «عبيدي كلهم أحرار»، ثم جالس يتكلم مع شخص بموضوع آخر، ما يتعلق بالعتق ولا بشيء من ذلك، ثم قال بعد ذلك: «إلا زيداً»، هنا ما يصح، هنا ما يصح الاستثناء؛ لأنه فصل بين المستثنى والمستثنى منه بفاصل يعني طويل، وبكلام لا يتعلق بنفس الموضوع. الشاهد في هذا الحديث: بيان حرمة مكة، وأنها محرمة، لا يقطع شجرها، ولا يصاد صيدها، بل لا ينفر صيدها، ولا كذلك تمتلك لقطتها. قال: وعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن إبراهيم حرم مكة، ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة». متفق عليه. في هذا الحديث بيان النبي عليه الصلاة والسلام أن إبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء، حرم مكة، ودعا لأهلها، يعني: بالبركة، دعا لأهلها بالبركة في طعامهم وفي صاعهم. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه حرم المدينة، أنه حرم المدينة كما حرم مكة، فكما أن مكة محرمة، فكذلك أيضاً المدينة محرمة، يعني: لا يقطع شجرها، ولا يصاد صيدها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد. قال: «ودعوت في صاعها ومدها»، أي: صاع المدينة ومد المدينة، دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة لأهل المدينة في صاعهم ومدهم. قال: وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور». متفق عليه. هذا الحديث يبين حدود المدينة، النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بأن المدينة حرم، وما بين عير إلى ثور، وهما جبلان في المدينة، هذه حدود المدينة من جهة الجنوب والشمال، من جهة الجنوب والشمال، ومن جهة المشرق والمغرب: الحرتان، وهي الأرض ذات الحجار السوداء، تحيط بالمدينة من جهة المشرق والمغرب. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حرم ما بين عير إلى ثور»، بعض الحفاظ كما أشار الإمام النووي رحمه الله قال: الصحيح في هذا الحديث: «ما بين عير إلى أحد»، «ما بين عير إلى أحد»؛ قالوا: لأن ثور جبل في مكة، ثور جبل في مكة، وليس في المدينة. إلا قالوا: إذا كان جبل أحد من أسمائه ثور، من أسمائه ثور، فنعم يكون ذكره صواباً. وعلى كل، فالمراد بيان حدود المدينة من جهة الشمال والجنوب، فهذه حدود المدينة. قالوا: عن عامر بن سعد أن سعداً ركب إلى قصره، أي: سعد بن أبي وقاص، ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه، فسلبه، سلبه، يعني: أخذ ما معه من متاع. فلما رجع سعد، جاءه أهل العبد، فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: «معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وأبى أن يرد عليهم. رواه مسلم. وروى أبو داود حديث سعد، وزاد: «ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه». هذا الحديث فيه بيان أن حرمة المدينة، أن المدينة محرمة كمكة، ويزاد على ذلك أن من قطع شجرها، من قطع شجر المدينة أو خبطه، جاز سلبه. ومعنى سلبه: أن يأخذ ما معه من متاع، أن يأخذ ما معه من متاع، من ثياب، من مال، من سلاح، يجرد من كل ما معه. فسعد رضي الله عنه لما رأى هذا العبد يفعل ذلك، سلبه، أخذ ما معه، وذهب إلى قصره. لما جاء أهل العبد يطالبون بما أخذ سعد، قال: «كيف أعطيكم شيئاً نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» أي: أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لي أن أخذه. وسعد ما أخذه من حاجة، سعد يعني: الأمير، يعني: انظروا، كان ذهب إلى قصره بالعقيق ليس عن حاجة، وإنما أراد أن يفعل ويطبق شيئاً سمعه من الرسول عليه الصلاة والسلام، لحرص الصحابة رضي الله عنهم على العمل بسنته، والعمل بما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، فعل هذا، سلب هذا الغلام، وأخذ ما معه، عملاً بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. فدل هذا الحديث على أنه يجوز سلب من قطع شجر المدينة، وهذا الحكم خاص بأهل المدينة دون أهل مكة. باب صفة الحج ودخول مكة. قال: وعن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج، مكث تسع سنين لم يحج، أي: منذ أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، ما حج النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن مكة فتحت في السنة الثامنة، فتحت في السنة الثامنة، وفي السنة التاسعة بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، ثم أتبعه بعده علي رضي الله عنه أن يحجوا في الناس، وأمره أن ينادي في الناس أنه لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم تطهير الحرم والبيت الحرام من مظاهر الشرك ومظاهر الوثنية. هذا أمر، والأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة شغل بالوفود الذين كانوا يفدون إليه من قبائل العرب، ويدخلون في الإسلام، شغل عنهم بأداء فريضة الحج، حتى كانت السنة العاشرة. قال: ثم أذن في الناس في العاشرة، يعني: في السنة العاشرة من الهجرة، قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج». فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمسون أن يأتموا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعملوا مثل عمله، يعني: أجل أن يقتدوا بالنبي عليه الصلاة والسلام. وكان الذين حضروا مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، ومن حضر معه في مكة، نحو مئة ألف، نحو مئة ألف مسلم. قال: فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة، فولدت أسماء بنت عميس، فقال: «اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي». أسماء ولدت، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل، وأن تستثفر، يعني: تتحفظ بثوب، ويغني عنه اليوم ما تستعمله النساء من حفاظات، وأحرمي، أمرها أن تحرم. هذا في أن المرأة إذا نفست، أو إذا حاضت عند الإحرام، فإنها تحرم، لا يمنع هذا من الإحرام، تغتسل وتتحفظ وتحرم بالنسك الذي تريد أن تفعله. قال: وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، يعني: في مسجد الحليفة، وهذا الميقات الوحيد الذي تستحب فيه صلاة ركعتين، إذا أراد المسلم أن يحرم، يستحب له أن يصلي في ذي الحليفة ركعتين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاني آت من ربي، فأمرني، فقال: إن هذا الوادي وادي مبارك، فصل فيه». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وأما غيرهم من المواقيت، فليس للإحرام في الميقات سنة، يعني: صلاة مستحبة، إلا أن يصلي الإنسان فريضة إذا صادف الوقت وقت فريضة، أو صلى ركعتين سنة الوضوء، أما كسنة تستحب في الميقات، هذا لا يكون إلا في ذي الحليفة فقط. قال: ثم ركب القصوى، أي: ناقته عليه الصلاة والسلام، حتى إذا استوت به على البيداء، والبيداء: المكان الواسع، قال: أهل بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». فسمى جابر رضي الله عنه هذه التلبية بالتوحيد، لأن فيها توحيد الله سبحانه وتعالى، وإفراد الله عز وجل بالألوهية. «لبيك اللهم لبيك»، لبيك: بمعنى استجابة لك بعد استجابة، استجابة لك بعد استجابة. «لبيك اللهم»، اللهم: أصلها «يا الله»، أصلها «يا الله»، حذفت يا النداء، وعوض عنها بميم الجمع، فأصبحت «اللهم». «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك»، لا شريك لك في ربوبيتك، فأنت المتفرد بالخلق والملك والتدبير، لا شريك لك في ألوهيتك، فأنت المتفرد بالألوهية والمستحق للعبادة وحدك دون من سواك، وأنت كذلك لا شريك لك في أسمائك وصفاتك. وكان المشركون عندما يلبون يقولون: «لبيك لبيك، اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً لك تملكه وما ملك»، «إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك»، وهذا من الشرك، يعني: يثبتون لله شريكاً معه سبحانه وتعالى. قال: «إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». «إن الحمد»: أي كل المحامد لك، أنت المستحق لها، أنت المستحق للحمد، لكمالك ولعظيم فضلك وإنعامك. وكذلك النعمة: أي جميع النعم، «إن الحمد والنعمة لك»، الحمد لك، والنعمة كذلك لك، أنت المنعم بها، وأنت المستحق للشكر عليها، فجميع النعم منك جل وعلا، والملك كذلك لك، فالله عز وجل مالك السماوات والأرض سبحانه وتعالى، لا شريك لك، أي: في ذلك كله. حتى إذا أتينا البيت، استلم الركن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً. حتى إذا أتينا البيت، يعني: البيت الحرام، استلم الركن، أي: الحجر الأسود. فالمحرم إذا أقبل، سواء كان معتمراً أو حاجاً، هو أول ما سيفعل، سيتجه إلى البيت الحرام، إلى الكعبة، فيطوف، يطوف طواف القدوم، فيستلم الركن، أي: الحجر الأسود. وقبل ذلك، في طواف القدوم، سيطبع، والاضطباع: يعني يكشف الكتف الأيمن، ويضع الرداء وسطه تحت الإبط الأيمن، وطرفه فوق الكتف الأيسر، فيكون الكتف الأيسر مستوراً، والكتف الأيمن مكشوفاً، هذا يستحب في طواف القدوم. قال: حتى إذا أتى البيت، استلم الركن، استلمه، يعني: استلم الحجر الأسود. فالمحرم إذا استطاع أن يستلم الحجر الأسود ويقبله، فعل، وإذا لم يستطع، استلمه بيده وقبل يده، أو استلمه بعصا أو شيء في يده، ويقبل هذا الشيء، إن لم يستطع، يشير بيده فقط إشارة، ويقول: «بسم الله والله أكبر»، ثم يبدأ الطواف، يجعل الكعبة عن يساره. قال: فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً. رمل ثلاثاً: يعني ثلاثة أشواط، ومشى أربعة. وهذا أيضاً مما يستحب في طواف القدوم مع الاضطباع. الرمل: الرمل، وهي سرعة الخطى والمشي، فيستحب الرمل في الأشواط الثلاثة، ويمشي الأشواط الأربعة. لكن إذا كان معه رفقة من نساء أو كبار سن، فالأفضل أن يترك الرمل، حتى لا يشق عليهم، حتى لا يشق عليهم. أو كان هناك زحام، أحياناً يكون الصحن مزدحماً بالناس، فلا ترمل، فلا ترمل، يعني: تؤذي الناس، لا تمشي، أترك الرمل، الرمل مستحب إذا أمكن، وإذا لم يمكن، فلا ترمل، أتركه، وليس عليك شيء. قال: ومشا أربعاً، والطواف والذكر فيه، الطواف ليس له ذكر خاص، الطواف حول البيت ليس له ذكر معين، فإنك تذكر الله بما شئت، تذكر الله بما شئت من قراءة قرآن، من تسبيح، من تكبير، من تهليل، إلى آخره. إلا إذا وصلت إلى الركن اليماني، الذي قبل الحجر الأسود، فإنك تستلمه إن استطعت، فإن لم تستطع، فلا تشير، فلا تشير، ولا شيء، فتقول عند وصولك إلى الركن اليماني: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». هذا يستحب بين الركن اليماني والحجر الأسود. وفي بقية الطواف، تذكر الله بما شئت. قال: ثم أتى مقام إبراهيم، أي: بعد انتهائه من الشوط السابع، أنت تطوف، تبدأ من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود شوط، وكلما وصلت إلى الحجر الأسود، أشرت إلى الحجر، إذا أصبحت في محاذاة الحجر، عندك ميل أخضر يدلك على محاذاة الحجر الأسود، إذا وصلت عنده، أشرت إلى الحجر، وتقول: «الله أكبر»، في كل طواف، حتى تكمل سبعة أشواط. فإذا انتهيت من الشوط السابع، توجهت إلى مقام إبراهيم. قال: ثم أتى مقام إبراهيم، فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾، فصلى، وقرأ في الركعتين: «قل يا أيها الكافرون»، و«قل هو الله أحد». تصلي ركعتين، تسمى: ركعتا الطواف، تصلي هذه الركعتين، تجعل المقام بينك وبين الكعبة، مقام إبراهيم بينك وبين الكعبة. طيب، هذا إذا استطعت، إذا لم تستطع بسبب الزحام، تبتعد ما استطعت، صليت في أي موضع من الحرم، صليت في أي موضع من الحرم، ويجزئ كذلك. تقرأ في هاتين الركعتين، في الأولى: «قل يا أيها الكافرون»، وفي الثانية: «قل هو الله أحد». قال: ثم رجع إلى الركن، فاستلمه.