شرح كتاب التوحيد 10

شرح كتاب التوحيد 10

الدرس في شرح كتاب التوحيد 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل التوحيد وتفسير آية الأمن

يتناول شرح حديث نبوي وتفسير آية قرآنية، موضحًا معنى التوحيد وفضله، ومبينًا أن الظلم المذكور في الآية يعني الشرك. يستند إلى تفسير النبي عليه الصلاة والسلام للآية ويبرز أهمية تفسير القرآن بالقرآن.

أثر التوحيد على الأمن في الدنيا والآخرة

يشرح فضل التوحيد على أهله، حيث يجعل لهم الأمن والأمان في الدنيا والآخرة، مستدلاً بآيات القرآن الكريم. كما يبين الفرق بين الموحدين وغيرهم في مواجهة المصائب والنكبات.

دور التوحيد في تحقيق الأمن المجتمعي

يشرح كيف أن التوحيد يلعب دورًا هامًا في تحقيق الأمن في المجتمع، مشيرًا إلى أن بلاد التوحيد تتمتع بأمن أكبر مقارنة ببلاد الكفار. كما يشير إلى أن قوة التوحيد والطاعة تؤثران إيجابًا على استتباب الأمن والأمان.

ختام الخطبة والدعاء للهداية

يتضمن ختام الخطبة بذكر آية قرآنية تتحدث عن الأمن والهداية لمن آمن ولم يخلط إيمانه بشرك، يليها دعاء بأن ينفع الله المستمعين ويجعلهم من أهل الهداية. يُختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مر معنا في درس أمس ما جاء في تبويب المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. وأشرنا إلى ما يتعلق بهذه الكلمات من مسائل ومعان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي من أوائل استدلاله بهذا التبويب في بياني فضل التوحيد. وأنا من فضل التوحيد على أهله أنه سبب من أعظم الأسباب في جلب الأمن والأمان والاهتداء. فقال سبحانه: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾، فأثبت الله جل وعلا لهم الأمان، وأثبت لهم الهداية. إلا أن هذا الوصف وهذا الفضل مقيد بهذا القيد: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا﴾، واللبس هنا بمعنى الخلط، أي لم يخلطوا إيمانهم بماذا؟ بظلم. والظلم هنا بمعنى الشرك، فتأويل الآية: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بشرك أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. قد يقول قائل: وكيف علمت بأن الظلم هنا بمعنى الشرك؟ نقول: بما ثبت في الصحيحين، بما جاء في البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿الذين آمنوا الآية﴾، قلنا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ ظن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن المقصود بالظلم هنا هو عموم الظلم، فيدخل في ذلك فعل المعاصي، فشق ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ليس بذاكم، ألم تسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، فبين لهم نبينا عليه الصلاة والسلام أن المراد بالظلم هنا هو الشرك، واستدل بهذه الآية في سورة لقمان: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾. وهذه الآية مع هذا التفسير النبوي تفيدنا إخواني في الله عدة فوائد، منها ما أشار إليه نبينا عليه الصلاة والسلام في مسألة تفسير القرآن، وأن من أراد أن يفسر القرآن فليبدأ بتفسير القرآن بالقرآن. فإذا جاءت آية مجملة وجاءت مبينة ومفصلة في موضع آخر من كتاب الله فهو الأولى بالأخذ والفهم، لا تنتقل إلى غيره، لا تنتقل إلى أقوال مفسرين أو اجتهاد بعض المجتهدين. وهذا كثير في القرآن، بل وجد من المفسرين من فسر القرآن بالقرآن، إذ أن القرآن يفسر بعضه بعضًا. فهذه الآية مثلًا: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، كلمة ظلم عامة، بماذا فسرها نبينا؟ فسرها بموضع آخر: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، ففسر الظلم هنا بما جاء في الآية الأخرى. وعلى هذا إخواني في الله يفهم هذا المقام، وهذا كثير مثل ما يتعلق بمسألة الأولياء. أولياء الله من هم؟ ألئِن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾، فالولي كل مؤمن تقي، هذا الثابت من أين علمنا هذا؟ بتفسير القرآن بالقرآن. كذلك مما يستفاد من هذه الآية أن هذا هو الفهم الصحيح للآية: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بشرك﴾، هكذا تفهم. وهذا التفسير قد جاء عن جمع من الصحابة، بل قال بعض العلماء: ولم يعلم مخالف بينهم، لا يعلم مخالف بين الصحابة خالف في تفسير الظلم أنه هنا بمعنى الشرك. لكن عندما جاءت الخلوف وأتى من أتى من أهل البدع، غير الموضوع، مثاله الزمخشري، الزمخشري نعم يعتبر من الأئمة ومن من تكلم وكتب في التفاسير، وله كتاب الكشاف، وهو إمام في البلاغة والفصاحة، إلا أن فيه لوثة بدعية، فهو معتزلي قح. وكم استطاع من خلال بلاغته وتفسيره للقرآن أن يدس بعض البدع. فمما دسه في تفسيره هذا الموطن، فعندما جاء عند تفسير الله: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، قال: أي لم يلبسوا إيمانهم بظلم أنفسهم بفسقهم ومعصيتهم. كيف هذا؟ يزمخشري يناقض النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، فسر الظلم بالشرك، وأنت الآن تفسر الظلم بالمعصية. طبعًا هو أراد هوى، أراد نصر لبدعته. الحاصل إخواني في الله أن المؤلف رحمه الله تعالى استدل لنا بهذه الآية على أن من فضل التوحيد على أهله أن الله يجعل لنا الأمن والأمان: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن﴾. والأمن إخواني في الله يكون في حق الموحد في الحياة الدنيا وفي الآخرة. في الآخرة لك الأمن يا عبد الله كما قال ربنا جل وعلا في حق الموحدين: ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، إذا قامت القيامة بأهوالها وشدائدها وكروباتها، من النفخ في الصور ومن الصراط ومن الميزان ومن تطاير الصحف، في مثل هذه المواطن العظام، فالله جل وعلا يلقي على أهل التوحيد بالأمن والأمان: ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، على قدر توحيدك، على قدر توحيدك. فالأمن لك يا عبد الله في الدار الآخرة، وأيضًا في الدار الدنيا، الموحد إخواني في الله يمتعه ربنا جل وعلا بنعمة الأمن والأمان، سواء كان فردًا أو مجتمعًا. فالفرد ينعم بالأمن، تجد يا عبد الله في حق الموحد من كمل توحيده يجد من الأمن الذي يلقى على قلبه وفي صدره ما لا يجده غيره. تأتي عليه المصائب والنكبات والنوازل العظيمة الشداد، وهو مع ذلك رابط الجأش، ما يتزلزل، لا ربما يكفيه أن يقول: الحمد لله، أو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، أو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويمشي أموره وتمشي. لكن هذه النازلة بعينها من خسارة في الأموال أو قبض أرواح الأحباب، لو أنه ابتلي بها كافر من الكفار، حين يا عبد الله ستجد ما الذي سيفعل هذا الكافر أمام هذه الأزمة؟ ما هناك إلا حبل المشنقة، أو يأتي بمسدس ويجعله تحت ذقنه ثم يضع رصاصة حتى تريحه من هذه الأزمة، هكذا الكافر، ما عنده أمن، عنده قلق دائم، يخاف الفزع والهلع. أتدري إخواني في الله أن أعظم الأدوية انتشارًا في بلاد الغرب والشرق، بين قوسين في بلاد الكفار، هي حبوب وعقاقير الحالات النفسية؟ بل يكاد الكافر - نصراني أو يهودي أو ملحد - ما ينام إلا وأقراص المنومة أو المهدئة تحت جنبه، ما ينام إلا بقرص أو قرصين حتى ينام، وإلا ما ينعم، ما يصطع ينعم بالنوم لشدة الأرق والقلق الذي يزاحمه ويزاوره. وسأل يا عبد الله عن مسألة الانتحار، حتى أن من الطرائف أن بلاد السويد، والتي تعتبر من أغنى بلاد العالم - أي من حيث متوسط دخل الفرد - أنها سجلت من أكثر حالات الانتحار، تناقضات، تناقضات. ليس العبرة يا عبد الله بجمع المال، العبرة يا عبد الله بتوحيد الله. من كمل توحيده يجد الأمن والأمان في نفسه وفي قلبه وفي صدره. وهكذا قل الأمن والأمان حتى على مستوى المجتمعات، على مستوى المجتمعات، تجد أن المجتمع الإسلامي الموحد عنده من الأمن والأمان ما ليس عند غيره. ما يذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عندما تحدث عن السحر وعن أثر السحر على الناس، ذكر أن السحر في بلاد الإسلام يضعف أثره، بخلاف السحر في بلاد الكفار يقوى. صحيح السحر في بلاد الكفار شيء مدهش، عندما تذهب إلى بلاد الصين أو إلى بلاد الهند تجد السحر أمامك كالمهرجان، كالسرك الذي ينام على المسامير من حديد، أو الذي يأكل الأفاعي، أو الذي يدخل السيوف ويخرج من شق آخر، السحر منتشر. لكن إذا فعل السحر في بلاد التوحيد يضعف أثره، لماذا؟ قوة التوحيد بين أهله يؤثر على المجتمع بأسره. ولهذا إخواني في الله في مسألة الأمن والأمان، إن قارنت بلاد المسلمين ببلاد الكفار لا مقارنة. الواحد منهم لربما في دكانه إذا أذن المؤذن حسبه أن يأتي بهذا الشرشف فيغطي الدكان ويصلي ويرجعه على ما هو عليه، ولله الحمد. لو ربما عنده شاحنة ممتلئة بالبضائع، لو ربما ينام يذهب ويتركه على ما هي عليه ويرجعه اليوم الثاني وهي على ما هي عليه، ما حركه ولا تحرك ساكنًا منها، لقوة الأمن الذي وجد في بلاد المسلمين. نعم يضعف أحيانًا، لكن قارن هذا ببلاد الكفار لا مقارنة. مر معي قبل فترة حول التقارير الذي ينزلها بلاد الغرب في دول أوروبا وفي أمريكا، أن سرقة كانت تسجل بعد أو كل خمس دقائق في تلكم البلاد، وذات مرة بريطانية منها خلال خمس دقائق تسجل حالة قتل أو سرقة أو اعتداء، كل خمس دقائق، يعني إذا جمعت السجلات التي في مراكز الشرطة ما تمر خمس دقائق إلا واتصال سرقة أو اتصال قتل أو اتصال اعتداء، هكذا يعيش بلاد الكفر، ما هناك أمن ولا أمان. الخوف يضطر الواحد أن يأخذ بمسدسه ليلًا نهارًا حتى يمشي، أو يغلق محله، أو أو أو إلى آخر ذلك. فلما نقارن بين بلاد التوحيد يعلم أنه في عافية. ولهذا يقول العلماء كما أشار إلى ذلك الإمام السعدي رحمه الله: أن من كمل توحيده - بمعنى أتى بأصل التوحيد وأتى بالطاعة - فإن أمنه وأمانه يكمل. ومن أتى بأصل التوحيد وأتى بقصر في باب الطاعة، فإن الله يعطيه أمن على قدر توحيده، ويعطيه من الخوف على قدر معصيته. ولهذا يا عبد الله احرص إن أردت الهداية التامة والأمن الكامل في الدنيا والآخرة، احرص يا عبد الله على التوحيد وعلى الطاعة. وفي ذلك إشارة وأختم به المقام على أن من أعظم وسائل الأمن والأمان الطرق الشرعية. صحيح نحن في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد العربية الإسلامية تبحث عن الأمن والأمان وذلك بوضع المراكز والشرطة المشددة، ووضع النوبات الحراسة، ووضع الكاميرات المراقبة، هذا من الأسباب. لكن الذي يحز في النفس أن نجد أن أهل الإسلام ما تفطن إلى الأسباب الشرعية الذي أوجدها الله في كتابه وذكرها نبينا في السنة، وهي مقام طويل ليس هذا مقامه، أن هناك من الأسباب والعوامل متى ما أداها الفرد والمجتمع فالله يجلب له الأمن والأمان، كالتوحيد وفعل الطاعة والعبادة، هذا سبب من أعظم أسباب استجلاب الأمن والأمان على البلدان والأوطان، إلا أن أكثر الناس لا يعلمون. ولهذا إخواني أنظر لحال سلفنا الصالح، ما كانوا يعرفون الشيء اسمه شرط أو مراقبة، بل عندهم الضمير الحي بما كان من العقيدة والتوحيد والعمل الصالح، كان هذا رادع عن أي مظلمة يقع بينهم وبين أنفسهم أو تقع بينهم وبين إخوانهم. فالشاهد إخواني في الله أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد بهذه الآية أن يذكر لنا فضلًا من فضائل التوحيد، ألا وهو أنه سبب من أسباب الأمن والأمان والاهتداء. قال ربنا: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أي بشرك أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.