الدرس في شرح كتاب التوحيد 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المؤلف يبين أهمية تقسيم الكتب إلى أبواب لتسهيل القراءة والفهم، وتنشيط القارئ، وتنظيم المعلومات.
يناقش المؤلف معنى فضل التوحيد وتفسيره، ويتناول الخلاف حول نطاقه، مشيراً إلى أنه العطاء الزائد لمن أتم التوحيد.
المؤلف يشرح فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، ويوضح أن ذكر الفضائل لا يعني الاستحباب بل يدل على فضل العمل.
المقطع الأخير يمثل خاتمة تمهيدية لباب التوحيد، حيث يشير إلى أهمية التوحيد ويطلب من الله النفع بما قاله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروسٍ خلت، إخواني في الله، كان الانتهاء من الباب الأول من كتاب التوحيد، وها نحن الآن في الباب الثاني، والذي قال فيه المؤلف رحمه الله: باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. وقبل الشروع في ذكر الأدلة التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا التبويب، نبقى قليلًا بذكر ما يستفاد من هذا الباب، فأحيانًا يكون التبويب يحتوي على مسائل، بل وعلى علوم، كما قيل في صنع الإمام البخاري رحمه الله تعالى: عندما كان يبوِّب على صحيحه، كان العلماء والشراح يقولون: إن فقه البخاري في تبويبه. فالتبويب، وهو الأبواب التي تسطر بها المسائل، تحتوي على علوم شتى، ولهذا نبقى قليلًا، إخواني في الله، في هذا الباب الذي عنون له المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. قول رحمه الله تعالى: باب، هو خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: هذا باب فضل التوحيد. والباب لغةً هو المدخل إلى الشيء، هذا معنى الباب في لغة الناس، هو المدخل إلى الشيء. لو قلت لك: هذا باب المسجد، أي المدخل إلى المسجد، هذا باب الغرفة، المدخل إلى الغرفة، هذا باب القاعة، أي المدخل إلى القاعة. فالمدخل إلى الشيء يقال عنه باب، لكن في اصطلاح العلماء، عندما يفعلون هذا في كتب العلم، يقولون: باب كذا، وباب كذا، فما المراد بالباب هنا؟ قال العلماء: الباب هنا بمعنى اسمٌ لجملة من العلم، تحته أصولٌ ومسائل. فإذا سمعت أو قرأت كتابًا يقول: باب كذا، وباب كذا، اعلم أن الباب هو عبارة عن عنوان لمسائل وأصول ستأتي تحته. هذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب فضل التوحيد، أي سيأتي لنا بالأصول والمسائل المتعلقة بهذا العنوان. وإن العلماء، إخواني في الله، درجوا في مصنفاتهم وكتبهم، وخاصة المطولة، إلى تقسيمها إلى أبواب، وهذا مما درج عليه العلماء من المصنفين والمؤلفين. وما الفائدة من ذلك؟ الفائدة تعود إلى عدة أمور، منها: أن في ذلك تنشيط للقارئ، تنشيط للقارئ أنه ينتهي من باب، ثم يمر على الباب الذي بعده، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده، هذا فيه همة وإعادة نشاط للقارئ. قالوا: حاله كحال المسافر الذي يسافر المسافات الطويلة، لا يقطعها لأول وهلة، وإنما يستريح بين الفينة والأخرى، يستريح بين الفينة والأخرى، هنا راحة، ثم راحة، ثم راحة، حتى يصل إلى المرام. وهكذا القارئ الكتاب يستريح في هذا الباب، ثم الباب، حتى يأتي إلى الختام. هذه الفائدة الأولى. الثانية: أن في التبويبات حسن الترتيب، بإمكان المؤلف، سواء في علوم العقيدة والتوحيد، أو في علوم الفقه، أن يجمع لك الأحاديث كلها ويحشدها لك حشدًا، لكن القارئ والناظر في الأحاديث سيتعِب في تصنيفها وفي تقسيمها. لكن يأتي المؤلف ويرتب ويهذب هذا الكتاب بأن يجعل كل مسألة تحت باب، فمثلًا في كتب الفقه: كتاب باب الطهارة، باب الصلاة، باب الزكاة، باب الحج، وهكذا في هذه التبويبات يكون حسن الترتيب، حسن التهذيب لإلقاء المعلومات. ثالثًا: من فوائد التبويبات، يا عبد الله، ما يكون من يسر وسهولة الحفظ، هذا مما يتسنى لطالب العلم أن يحفظ هذا الكتاب أو ذاك المصنف، إذ أنه يجعل له برنامجًا خاصًا يحفظ الباب الأول، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده، بخلاف لو أن الكتاب كله عبارة عن متصل بأوله وآخره من غير تقاسيم، لربما كلّ القارئ، بل تعب الحافظ. لكن لما يرتب على التبويبات معينة، فهذا مما يعين على حفظه. ولهذا، إخواني في الله، قال العلماء: كان القرآن مقسما على سور، ليس عبارة عن آية تقرأ من أولها إلى آخرها، بل قسم إلى سور، لما في ذلك من بعض هذه الحكم التي ذكرت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب، علمنا ما يتعلق بهذه الكلمة من مسائل. باب فضل التوحيد، الفضل كما جاء في لغة العرب، وفي كتب القواميس والمعاجم: الفضل هو كل عطية لا تلزم من يعطي، أي أن المعطي لعطاء ما، هذا العطاء لا يلزمه، بل هو في الحقيقة قدر زائد. فالفضل هو عطاء بقدر زائد، قدر زائد، هذا هو الفضل في لغة العرب، وهو كذلك في القرآن، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿واسألوا الله من فضله﴾ أي من خيره، فاسألوا الله من فضله، أي من عطائه. وكما قال ربنا: ﴿ذلك فضل الله﴾ أي عطاؤه الذي يعطيه لخلقه بغير قدر ولا حساب، هذا فضله، كما جاء في الحديث: ﴿ذلك فضلي أوتيه من أشاء﴾ فالفضل هو العطاء الزائد، العطاء الزائد. فقال مؤلفنا رحمه الله تعالى: باب فضل التوحيد، أي العطاء الجزيل الذي جعله الله جل وعلا في التوحيد. وهنا كلمة: باب فضل التوحيد، فضل هنا نكرة، نكرة إلا أنها أضيفت إلى معرفة، والقاعدة عند أهل البلاغة: أن النكرة المفرد إذا أضيف فإنه يفيد العموم. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل التوحيد، أي باب فضائل التوحيد، فلا تظن أن المؤلف رحمه الله تعالى سيقتصر معنا على ذكر فضيلة واحدة، بل هنا أراد العموم، فسيذكر لنا الفضائل الكثيرة التي جعلها الله جل وعلا لمن أتم التوحيد. باب فضل التوحيد، التوحيد قد مر معنا في أوائل الرسالة ما يتعلق بمعناه لغة وشرعًا، لكن هنا مسألة: باب فضل التوحيد، أل هنا تفيد ماذا؟ أل التوحيد هل تفيد العموم؟ لأن أل تأتي بمعنى العموم، تأتي بمعنى كل، بحيث أنك لو حذفت أل وطرحت بدلًا عنها كل واستقام المعنى، إذن هنا أل تفيد العموم. كقوله تعالى: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾ بمعنى إن كل إنسان لفي خسر، هنا إفادة العموم، لأن بإمكانك أن تحذف أل وتجعل بدلًا منها كل واستقام المعنى. فهل هنا أل في التوحيد تفيد العموم؟ أم أل هنا متعلقة بأل الذكر والذهن على قولين اثنين؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى أن باب فضل التوحيد، أن أل التوحيد أي كل التوحيد، بمعنى أن المؤلف رحمه الله تعالى على هذا القول: أن فضل التوحيد يعم جميع أنواعه، فتوحيد الألوهية له فضل، وتوحيد الأسماء والصفات له فضل، والربوبية له فضل، وأن المؤلف رحمه الله تعالى سيشير إلى فضائل أنواع التوحيد، هذا القول الأول. وإذا قلنا أن أل هنا أراد بها المؤلف العموم، والقول الثاني: قول من يقول: لا، أن المؤلف ما أراد العموم هنا، وإنما أراد بقوله: باب فضل التوحيد، أي باب فضل التوحيد المذكور، وما هو المذكور؟ وما هو المذكور من أنواع التوحيد؟ توحيد الألوهية. فوعظ العلماء يرى أن المؤلف رحمه الله تعالى إنما أراد أن يذكر هنا فقط فضائل توحيد الألوهية، وهذا الذي رجحه الجماعة من الشراح، كما فعل ذلك صاحب قرة عيون الموحدين، وأشار إلى أمرين اثنين، وإلى سببين اثنين حمل هذا العنوان بخصوص توحيد الألوهية، لا يعم جميع أنواع التوحيد. والأمر الأول: أرجعه أولًا إلى ما ذكره المؤلف من الأدلة تحت هذا الباب، فكل الأدلة تدل على توحيد الألوهية، فقول المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل التوحيد، أي باب فضل توحيد الألوهية فقط، بدليل ما سيذكره من الأدلة، هذا الأمر الأول. والأمر الثاني: ما ذكره رحمه الله تعالى في كتاب قرة عيون الموحدين، على أن هذا الباب الثاني هو تبع للباب الأول، هو تبع للباب الأول، والباب الأول كله يتعلق بتوحيد الألوهية، ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن اعبدوا الله وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه، وهو إفراد الله بالعبادة، وهو توحيد الألوهية، هذا كله في الباب الأول، ثم تبع بالباب الثاني، فدل على أن الباب الثاني إنما جئ به شرحًا للباب الأول وتبعًا له. فهنا أراد باب فضل التوحيد، أي باب فضل توحيد الألوهية، فالأل هنا أل للذهني، أل للعهد الذهني، أل هنا للتوحيد المذكور، وقد ذكر سابقًا توحيد الألوهية، ولعل هذا القول هو الصواب. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل التوحيد، أي باب فضل توحيد الألوهية، هذا الذي أشار إليه جماعة من العلماء. قال: باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، أي أن من فضائل التوحيد، من فضائله، ما جاء من تكفيره للذنوب والسيئات. وقوله رحمه الله تعالى: وما يكفر من الذنوب، ما إما أن تحمل على أنها ما الموصولة بمعنى الذي، تحمل ما هنا على أنها موصولة بمعنى الذي، فيكون التقدير: باب فضل التوحيد، والذي يكفر من الذنوب، باب فضل التوحيد، والذي يكفر من الذنوب. وهذا القول هو الذي قال به شيخ العثيمين رحمه الله تعالى في شرح لكتاب التوحيد، وما ذكر إلا هذا القول، أن ما هنا موصولة بمعنى الذي، باب فضل التوحيد، والذي يكفره من الذنوب، والعائد يكون محذوفًا. والقول الثاني، والذي يقول به جماعة من أهل العلم، وله وجه من الصواب: أن ما هنا مصدرية، وما المصدرية بمعنى أن ما تنسبك بالفعل الذي بعدها على تأويل مصدر. فقول مؤلفنا رحمه الله: باب التوحيد وما يكفر، يكون باب فضل التوحيد وتكفيره من الذنوب، ما وما تدخل عليه من الفعل المضارع في تأويل مصدر، هذا يقال عنها ما المصدرية، تحول الفعل إلى مصدر، فيكون باب فضل التوحيد وتكفيره من الذنوب. فهذا يحتمل، وذاك يحتمل، فالشاهد إخواني في الله: أن المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، في هذا الباب سيذكر لنا من فضائل التوحيد، ومن عظيم أثره على أصحابه، أنه يكفر عنهم من ذنوبهم، ويستر عليهم من عيوبهم. فقال: باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. وهنا فائدة، إخواني في الله: المؤلف رحمه الله تعالى سيذكر لنا الفضائل، وهذا فيه إشارة إلى مسألة مهمة تنفعنا في أبواب أخرى من أبواب الدين، ألا وهي: ليس من اللازم إذا ذكر لعمل صالح فضلًا وأجرًا أن يكون من عداد المستحبات. انتبه لهذا، ليس من اللازم إذا ذكر لعمل صالح أجرًا وجزاءً وفضلًا، ذكر في حق هذا العمل الصالح، لا يدل على أن هذا العمل الصالح مستحب. مثل هذا الباب، المؤلف أن سيذكر لنا فضائل التوحيد، وأن التوحيد فيه كذا، وفيه كذا من الأجور ومن الثواب، هل هذا يدل على أن التوحيد مستحب؟ لا، قد مر معنا في الباب الأول وجوب التوحيد، فالتوحيد واجب من أوجب الواجبات، ومع ذلك جعل الله له فضائل. هذا ماذا يفيدنا؟ يفيدنا ما ذهب إليه جماعة من الفقهاء في حكمهم على صلاة الجماعة، إذ أن من الفقهاء من يرى أن صلاة الجماعة مستحبة وليست واجبة، وإن طُلبوا بالأدلة الدالة على استحباب صلاة الجماعة، لربما ذكر لك هذه المسألة. قالوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لصلاة الجماعة فضائل، حين قال: بأن صلاة الجماعة تفضل على صلاة المرء في نفسه وفي داره بخمس وعشرين درجة، وفي رواية بسبع وعشرين درجة. قالوا: فلما ذكر الشرع لصلاة الجماعة أجرًا وفضلًا دل على استحبابه، هل هذه القاعدة صحيحة؟ الجواب: لا، ليست بصحيحة، فلا تظن أن كل عمل صالح جاء في حقه فضائل وأجور، أن هذا العمل صالح مستحب. كما فهم في صلاة الجماعة، بدليل هذا الباب، فالمؤلف رحمه الله تعالى سيذكر لنا فضائل للتوحيد، فهل يقال بأن التوحيد مستحب وليس بواجب؟ لا يقول بهذا عاقل، ولا مسلم. بل إنما من أمر إلا وله فضائل، وإنما أمر الوجوب يتعلق ماذا؟ بأحاديث وأوامر أخرى. فالحاصل إخواني في الله: هذا ما نذكره في هذا المقام، وهو التمهيد لما سيأتي معنا فيه تحت هذا الباب من ذكر فضائل التوحيد، وأن من فضائله أن الله جل وعلا يكفر به من ذنوب العباد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.