شرح القصيدة الهائية 2

الدرس في شرح القصيدة الهائية 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حقيقة الدنيا كدار ابتلاء وامتحان

الدنيا دار ابتلاء وامتحان للعباد كما ورد في القرآن الكريم، وهي فانية وزائلة ولا ينبغي الركون إليها. العبد يتقلب في أحوال الدنيا المتغيرة بسبب فنائها وزوالها.

خطورة التعلق بالدنيا وآثاره

التعلق بالدنيا يؤدي إلى الأحزان والمتاعب، بينما الراحة والسعادة تأتيان من معرفة حقيقتها والتوجه إلى الآخرة. الدنيا طبعت على الكدر والآلام.

التوجيه إلى الآخرة والدعاء

يطلب من الله أن يجعل الدنيا دار ممر لا دار مقر، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. الدعاء يعبر عن الرغبة في التمسك بالآخرة والابتعاد عن الانغماس في الدنيا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال الناظم الشيخ العلامة العلم حافظ ابن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى: هي الدار دار الهم والغم والعنى، سريع تقبضها قريب زوالها، مياسيرها عسر وحزن سرورها، وأرباحها خسر ونقص كمالها، إذا أضحكت أبكت، وإن رام وصلها غبي، فيا سرع انقطاع وصالها. قال الشارح زيد المدخل حفظه الله تعالى: قالوا في هذه الأبيات الثلاثة تتضح لنا حقيقة هذه الحياة الدنيوية المنغصة، وأن العبد معرب فيها لإصابة الهموم والغموم والعناء والنصب والانتحان. كما قال تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾، وقال تعالى: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور﴾، وقال تعالى: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾. فهذه الآيات وما في معناها تدل بصراحة ووضوح أن هذه الدار هي دار الامتحان والابتلاء، وعما قريب ستفنى وتزول. وما دام الأمر هكذا، فلا يجز الركون إليها لامتناع الخلود فيها، فهي جديرة بقوله رحمه الله: «مياسيرها عسر وحزن سرورها، وأرباحها خسر ونقص كمالها، إذا أضحكت أبكت، وإن رام وصلها غبي، فيا سرع انقطاع وصالها». أي أن هذه الدار هي دار الأحزان والخسران، ودار الانقطاع والنقصان. إذا ضحك الإنسان فيها وقتا قصيرا، بكى فيها دهرا طويلا. وإذا ضفر فيها بربح صفقة دنيوية، خسر فيها أرباحا أخروية. وإن شمر عن ساعد الجد ليجمع حطامها، وضحى بحياته الطيبة لينال كمالها، فإنه سينقل منها في ساعات قريبة، وعلى غرة وغفلة عجيبة، فينقطع الوصال بين العاشق ومعشوقته، وتنفصم العلائق بين الخاطب ومخطوبته، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ذكر النظم رحمه الله تعالى هذه الأبيات التي فيها بيان حقيقة هذه الدار - دار الدنيا - وأنها دار الهم، ودار الغم، ودار العناء، ودار النصب والتعب، والابتلاء والامتحان والاختبار. وبين رحمه الله أن هذه الدار سريعة انقضاؤها وفناؤها وزوالها، فلا تدوم على حال، وتبقى على حال، بل هي دائمة التغير في أحوالها، لا تبقى على حال، وذلك لأنها ليست بباقية، وليست بدائمة، وإنما هي فانية زائلة. ولذلك العبد في هذه الدنيا يتقلب في هذه الأحوال لأنها تتغير عليه، فهو يتغير مع تغيراتها. ذكر الشارح رحمه الله تعالى أن هذه الدنيا دار الابتلاء والاختبار، فالله جل وعلا في آيات كثيرة في كتابه العزيز يبين لنا أن هذه الدنيا هي دار الابتلاء والاختبار. ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾، قال سبحانه: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عمل وهو العزيز الغفور﴾. فالله جل وعلا خلق الموت وخلق الحياة ليبتلي عباده سبحانه وتعالى أيهم أحسن عمل. وهو جل وعلا الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عمل. وهكذا قال جل وعلا: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا﴾. فالإنسان في هذه الدنيا مبتلا في سائر أحواله، مبتلا في حال جوعه، وفي حال شبعه، ومبتلا في حال مرضه، وفي حال صحته، وفي حال شبابه، وفي حال هرمه، وفي حال غناه، وفي حال فقره، وفي حال ضرائه، وفي حال سرائه، وفي حال نصبه، وفي حال قوته، فهو مبتلا في جميع أحواله في هذه الحياة الدنيا. إن الدنيا هي دار الابتلاء، إن كنت غنيا فأنت مبتلا، وإن كنت فقيرا فأنت مبتلا، كنت صحيحا فأنت مبتلا، وإن كنت مريضا فأنت مبتلا، وإن كنت طويلا وإن كنت قصيرا، وإن كنت على أي حال فأنت مبتلا على أي حال تكون عليه في هذه الحياة الدنيا. ودار الدنيا دار الهم والغم والعناء والتعب والنصب، منذ أن يخلق الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وهو يمر بمراحل التعب والألم والنصب. منذ أن يخرج من بطن أمه وهو يصيح يتألم حين يخرج إلى هذه الدنيا، يصيح يتألم لفراقه لذلك السر الذي كان يتغذى به، فإذا انقطع صار يصيح. وهكذا يخرج في هذه الحياة الدنيا يتألم، تمر به مراحل، تمر به مراحل الرضاع، فإذا أراد فطامه صار يصيح وصار يتألم. تمر عليه الأيام وهو على آلام وعلى حزن لفراق ذلك الذي كان يرتضع منه. وهكذا بعد ذلك آلام الأسنان، وقبل ذلك آلام الختان، وهكذا من ألم إلى ألم، ومن عناء إلى عناء. وهكذا شب، جاءته الهموم يفكر في مستقبله، يفكر في كذا وكذا، فإذا هو دائم الهم، ودائم الغم، لأن الدنيا هذه حالها. «ولدتك أمك يبكى آدم باكيا والناس من حولك يضحكون سرورا، فاعمل ليوم يبكون فيه أن تخرج منها ضاحكا مسرورا». أنت إذا خرجت من بطن أمك تصرخ وتصيح، وأهلك على سرور وفرح، أنت تبكي وأهلك يضحكون وهم على فرح، فاجعل خروجك من هذه الدنيا عكس هذا الحال، اليوم الذي هم يبكون فيه لفراقك، أن تخرج من هذه الدنيا على ضحك وعلى سرور. وهذا لا يكون إلا بالاستقامة على دين الله جل وعلا. فإذا كانت الدنيا دار الهم، ودار الغم، ودار المصائب والابتلاءات والمحن، إلا من عرف حقيقة هذه الدنيا، فعلم أنها على هذه الأحوال، فجعل هذه الدنيا دارا للآخرة، فإنه يكون على سعادة، وتمر به هذه الآلام وهو يحتسب، وتمر به هذه المصائب وهو يحتسب، وتمر به المتاعب والأحزان وهو يحتسب، فكل ذلك يكون له أجرا ودخرا في ذلك اليوم العظيم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. فالدنيا غرارة، والدنيا غدارة لمن عشقها وتعشقها، فلا يرجى الشفاء منها لصبها، كما يقول المقيم رحمه الله تعالى في نونيته: «لا يرتجى الشفاء منها لصبها أين الشفاء من غادر خوان». الدنيا غرارة وغدارة بمن عشقها، فمن عشقها فلا ينال منها إلا التعب، ولا ينال منها إلا النصب. فإذا أراد الإنسان بعشقها الراحة والسعادة، فقد أخطأ في الطريق، فالراحة والسعادة لا تتأتى بعشق الدنيا، لا، وإنما بمعرفة حقيقتها. أما من عشق الدنيا، فإن الأيام ستمر عليه طويلة، وتتابع عليه الأحزان والآلام، لماذا؟ لأن الدنيا طبعت على كدر، الدنيا هذه طبعت على كدر، كما قال ابن قيم رحمه الله تعالى: «طبعت على كدر فكيف ينالها الصف أهذا قطف الإمكان». فالدنيا طبعت على كدر، فكيف ينالها الصف؟ وهي طبعت على كدر، طبعت على هذه الحال من الآلام والمتاعب والمصائب والأحزان، فلذلك لا تقتر يا عبد الله بهذه الدنيا، ولا تعشق هذه الدنيا، اعشق الآخرة، عليك أن تعشق الآخرة، أما الدنيا فلا تعشقها. فالدنيا غدارة، تتزين لخطابها، تتزين لخطابها، تلبث أجود الملابس، وتتحلى بأحلى الحلل، وتتزين أعظم التزين لأصحابها ولعشاقها، حتى إذا ظن عشاقها أن الوصال قد حان، بلغياها تنكرت لهم. فهي تتبسم لهم لتلتهمهم، وهي تقبل لهم لتدبر عنهم، وهكذا فهي مكارة، وهي غدارة بمن عشقها وتعلق بها، والعياذ بالله. فلذلك على العبد أن يعرف هذه الحقيقة، فلا يتعلق بهذه الحياة الدنيا، ولا يعشق هذه الحياة الدنيا، الأحوال لا تدوم في هذه الدنيا، الدنيا لا تغتر بها، إذا أضحكتك يوما أبكتك أياما، وإذا سررت بها يوما حزنت أياما، ومن سره فيها زمن سأته أزمان، إذا سرك زمن في هذه الدنيا سأتك أزمان، وإذا ضحكت يوما بكيت أياما. وهذا إذا حصل لك الوصال شيئا من الوصال حصل لك، فما أسرع انقطاع ذلك الوصال. وهكذا هي أحوال هذه الدنيا لا تبقى على حال أبدا، لا تبقى على حال، وهذه الدنيا قريب زوالها، وسريعة تقضيها، فلذلك اجعلها دار ممر، لا تجعلها دار مقر، فهي زائلة، وهي فانية. فالمؤلف رحمه الله تعالى يبين لنا رحمه الله حقيقة هذه الدنيا، وأنها على هذه الأحوال، وأنها دار الهم والمصائب والعناء والتعب، وأنها سريعة الزوال، وأنها غير باقية على حال، فلابد أن تعرف هذه الحقيقة. هذه ثلاثة أمور تتعلق بهذه الدنيا، عليك يا عبد الله أن تعرفها: أن هذه الدار دار ابتلاء واختبار، دار هم ومصائب وابتلاءات وغم، وهكذا أنها لا تبقى على حال، فلا تقتر بأيام سرورها فيها بأن هذا السرور سيدوم لك، بل سرور الدنيا حزن، وربح الدنيا خسارة، فربحها خسار، وهكذا سرورها أحزان، والضحك فيها بكاء، وهكذا، وذلك لأنه في غير موضعه، فالضحك لأجل الدنيا حقيقته بكاء، والسرور لأجل الدنيا حقيقته حزن، وهكذا الفرح بالدنيا حقيقته حزن، وهكذا الربح لأجل الدنيا فحقيقته خسارة. فما ينفع إلا ما كان في مرضاة الله جل وعلا، وفي طاعة الله. فإذا علمت هذه الحقيقة يا عبد الله، كنت من الناجين من هذه الدنيا الغرارة المكارة الغدارة، وإلا إذا لم تعقل حقيقة هذه الدنيا، فلا شك ستكون من المفترسين الذين افترستهم هذه الدنيا بمخالبها، وجعلتهم صرعى في عشقها وحبها. وما لك أن تنجو منها إلا بتوفيق من الله جل وعلا، وبتوبة ورجوع إليه سبحانه وتعالى. نسأل الله جل وعلا أن يعرفنا بحقيقتها، وأن يسلمنا من مكرها وغدرها وغرارتها، ونجعلنا ممن جعلها دارا للآخرة، ودار ممر لا دار مقر، إنه على ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.