التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 63

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 63، ألقاها

مقدمة في تعريف الشفاعة وأنواعها

يتناول تعريف الشفاعة لغة وشرعا، ويشرح أنواعها وشروط قبولها. يبين أن الشفاعة العظمى ثابتة بنصوص الأحاديث الصحيحة.

تفاصيل الشفاعة العظمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم

يشرح تفاصيل الشفاعة العظمى الخاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويبين أنها تشمل شفاعات خاصة به دون غيره من الأنبياء. يُذكر أن له مقام محمود يوم القيامة.

أنواع شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وتفاصيلها

يتناول تفصيلا لأنواع شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ويذكر ثمانية أنواع منها مستشهدا بالأحاديث النبوية. يبين مواقف مختلف الفرق الإسلامية من هذه الأنواع.

تتمة الكلام عن شفاعة النبي لأهل الكبائر ومشاركة الآخرين فيها

يشرح شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، ويذكر مشاركة الملائكة والنبيين والمؤمنين في هذه الشفاعة، ويستشهد ببعض الأحاديث النبوية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار. قال الشارح رحمه الله تعالى: الشفاعة أنواع، منها ما هو متفق عليه بين الأمة، ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار. ولو أنه قال: كما ورد في الأخبار لكان أولى وأحسن؛ لأن رواية صيغة مشعرة بأن الثبوت فيها شيء، فلو أنه عبر بقوله: كما ورد لكان أحسن. هذا أمر، وقول الشارح رحمه الله تعالى: الشفاعة أنواع، هذا شروع منه رحمه الله تعالى في الكلام على أنواع الشفاعة قبل أن يعرف معنى الشفاعة. والشفاعة ومعنى الشفاعة لغة من الشافع، وهو الزوج ضد الوتر، وسمي الشافع شافعا؛ لأنه ينضم إلى الآخر في طلب حصول مقصوده. وذكر الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى أن الشفاعة هي: السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم. بينهم يقال: شفع يشفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمشفع الذي يقبل الشفاعة، والمشفع الذي تقبل شفاعته. والشفاعة شرعا عرفها بعض أهل العلم فقال: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، وهي على قسمين: شفاعة مثبتة، وهي شفاعة عن إذن الله رب العالمين لمن وحده، وشفاعة منفية، وهي الشفاعة الشركية التي في قلوب المشركين المتخذين من دون الله شفعاء. فالشفاعة الشرعية هي ما اجتمع فيها شروط ثلاثة: الأول رضى الله عن الشافع، الثاني رضى الله عن المشفوع له، الثالث إذن الله بالشفاعة. قال الله جل وعلا: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾. فهذه مقدمة بين يدي مسألة الشفاعة. وقال الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى: الشفاعة أنواع، منها ما هو متفق عليه بين الأمة، أي يدخل فيهم كل الأمة مبتدعها أو قول سنيها ومبتدعها، فالكل متفقون عليها كالشفاعة العظمى لأهل الذنوب أو لأهل الموقف. فإنها متفق عليها بين سائر الأمة، وأن نبي صلى الله عليه وسلم يقدم فيها وتكون له المنزلة العليا عند ربه جل وعلا. قوله رحمه الله تعالى: ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم، المعتزلة ونحوهم منها ما خالف فيها المعتزلة وقبلهم الخوارج، الوعيدية فهم الذين خالفوا في أنواع من الشفاعات كالشفاعة لأهل الكبائر في خروجهم من النار. النوع الأول: الشفاعة الأولى وهي العظمى الخاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. ففي الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أحاديث الشفاعة. قوله رحمه الله تعالى: النوع الأول الشفاعة الأولى وهي العظمى، ومعنى الشفاعة الأولى أي التي تكون يوم القيامة، وإلا فإن ثم شفاعات للنبي صلى الله عليه وسلم كانت قبل يوم القيامة. وقوله رحمه الله تعالى: وهي العظمى الخاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم من بين سائر إخوانه من الأنبياء إلى آخر كلامه، فيه إشارة إلى أن الشفاعات منها ما هي خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يشترك معه فيها أحد، ومنها ما هي مشتركة بينه وبين غيره صلى الله عليه وسلم. إلا أن مال الرسول صلى الله عليه وسلم من الشفاعة أعظم وأجل، لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فله صلى الله عليه وسلم شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين. قال: لكن ما له فيها أفضل مما لغيره؛ فإنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق، فأفضل الخلق وأكرمهم على ربه عز وجل. ومن ذلك المقام المحمود، أي من الشفاعات التي اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الرسل عليه الصلاة والسلام. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتي رسول الله ﷺ بلحم، فدفع إليه منها الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لما ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم». فذكر الحديث، وفيه: أن الناس يلهمون الشفاعة، فيأتون آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدا صلى الله عليه وسلم. وفيه: إظهار شرف الرسول صلى الله عليه وسلم ومكانته العليا، وفيه إثبات صفة الغضب لله جل وعلا. قال رحمه الله: والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه لا يذكرون أمر الشفاعة الأولى في أن يأتي الرب سبحانه لفصل القضاء. ومقتضى سياق أول الحديث: أن الناس إنما يستشفعون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ويستريحوا في مقامهم. فإذا وصلوا إلى الجزاء إنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار. وكان مقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها. قال رحمه الله: وقد جاء التصريح بذلك في حديث الصور، ولولا خوف الإطالة لسقطه بطوله. قال: ففيه أنهم يأتون آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدا صلى الله عليه وسلم، فيذهب فيسجد تحت العرش، فيقول الله: ما شأنك؟ فيقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فاشفعني في خلقك، فأقضي بينهم. فيقول سبحانه وتعالى: شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينهم. قال: ثم يجيء الرب سبحانه وتعالى لفصل القضاء، والكرام الكاتبين والملائكة المقربون يسبحون بأنواع التسبيح. قال: فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثم يقول: إني أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع أقوالكم وأرى أعمالكم، فأنصتوا إلي؛ فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم. فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. إلى أن قال: فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا؟ فندخل الجنة. فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم؟ فيأتون آدم، فيطلبون ذلك إليه، وذكر نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدا صلى الله عليه وسلم. إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فآتي الجنة فأخذوا بحلقة الباب، ثم استفتح، فيفتح لي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي عز وجل خررت له ساجدا، فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه». ثم يقول الله لي: ارفع يا محمد، واشفع، تشفع، وسل تعطى. فإذا رفعت رأسي قال الله: وهو أعلم ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فاشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة. فيقول الله عز وجل: قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة. قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الحاشية: هذا الحديث ضعيف. النوع الثاني والثالث من الشفاعة: شفاعة صلى الله عليه وسلم في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار لا يدخلونها. استدلى الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى للنوع الثاني بقوله صلى الله عليه وسلم: «يدخل الجنة بغير حساب السابق والمقتصد والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم». لكن هذا الأثر موضوع. وكذلك الشفاعة الثالثة استدل لها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله صلى الله عليه وسلم: «نبيكم قائم على الصراط يقول: ربي سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد». النوع الرابع: شفاعة صلى الله عليه وسلم في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم. وقد وافقت المعتزلة على هذه الشفاعة خاصة، وخالفوا فيما عداها من المقامات مع تواتر الأحاديث فيها. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع بعض الدرجات. ودليل هذه الشفاعة ما رواه مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سلمة: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه». النوع الخامس: الشفاعة في أقوام أن يدخل الجنة بغير حساب. ويحسن أن يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن حين دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب. والحديث مخرج في الصحيحين. النوع السادس: الشفاعة في تخصيف العذاب عن من يستحقه، كشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه. ثم قال القرطبي في التذكرة بعد ذكر هذا النوع: فين قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، قيل له: لا تنفع في الخروج من النار كما تنفع عصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة. فهذه الشفاعة من الشفاعة الخاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم. النوع السابع: شفاعة أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة كما تقدم. وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أول شفيع في الجنة». وأيضا جاء في صحيح مسلم من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك». النوع الثامن: شفاعة في أقوام من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يدخلون النار فيخرجون منها. وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث، وقد خفي علم ذلك على الخوارج والمعتزلة فخالفوا في ذلك جهلا منهم بصحة الأحاديث. وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضا، وهذه الشفاعة تتكرر منه صلى الله عليه وسلم أربع مرات. ومن أحاديث هذا النوع حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». رواه الإمام أحمد، والحديث صحيح. ورواه البخاري رحمه الله في كتاب التوحيد، ورواه مسلم. وفي الصحيح من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا قال: «فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط».

شاركنا على