التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 95

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 95، ألقاها

تفاصيل يوم القيامة والعرض والحساب

يوم القيامة يوم عظيم يُعرض فيه الناس على الله تعالى ويُحاسبون، ويختلف العلماء في تفسير العرض والحساب. يُوضح المقطع معنى الحديث النبوي حول صعق الناس وأول من يفيق.

الإيمان بالصراط والميزان يوم القيامة

المسلمون يؤمنون بوجود صراط وميزان يوم القيامة، حيث يمر الناس على الصراط حسب إيمانهم وأعمالهم، وتوزن أعمالهم في الميزان. يكون الميزان ثقيلا لمن كانت حسناته أكثر.

وجود الجنة والنار وخلقهما

أهل السنة يعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان حاليا، مستدلين بآيات القرآن وأحاديث النبي. بينما أنكر المعتزلة والقدرية وجودهما حاليا، معتبرين أنهما ينشآن يوم القيامة.

الرد على شبهة عدم وجود الجنة والنار حاليا وتوضيح خلقهما

الجنة والنار مخلوقتان حاليا ولكن لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيهما. الله يحدث فيهما أمورا جديدة عند دخول المؤمنين الجنة، مستندا إلى تفسير الآية الكريمة ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وقوله: «والعرض والحساب وقراءة الكتاب والتواب والعقاب». قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ إلى آخر السورة. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيُنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾. وقال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. وقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. وقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ إلى آخر السورة. وقال: ﴿رَفِيعُ الدِّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وروى البخاري رحمه الله في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك». فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيُنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب». يعني أنه لو ناقش في حسابه لعباده لعذبهم، وهو غير ظالم لهم، ولكنه تعالى يعفو ويصفح. وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: «والعرض والحساب». وقوله: «والعرض» يحتمل أنه أراد بالعرض هو أن يعرض الناس على الله رب العالمين، وذلك يوم القيامة في أرض المحشر بعد البعث. كما دلت على هذه الأدلة الكثيرة، منها قول الله جل وعلا: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ونظائرها. ويحتمل معنى آخر، وهو أنه أراد بالعرض والحساب أن العرض هو ما يكون من حساب أهل الإيمان، والحساب ما يكون من محاسبة من حاسبه الله جل وعلا. ومن حاسبه الله جل وعلا هلك، لما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك». فالحساب إن حاسب الله جل وعلا العبد، ومعنى المحاسبة أنه يحاسبه على الصغير والكبير. وكما جاء في الحديث: «من نوقش الحساب عذب». بخلاف المؤمن، إنما يعرض عليه الكتاب عرضا، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ وهو العرض. إذن قوله رحمه الله تعالى: «وقوله العرض والحساب» يحتمل هذا ويحتمل هذا، وإن كان الاحتمال الأول فيه أظهر. والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله: وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور». وهذا صعق في موقف القيامة إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذ يصعق الخلائق كلهم. فإن قيل: كيف تصنعون بقوله في الحديث: «إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض»؟ فأجد موسى باطشا بقائمة العرش؟ قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال. ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث، فركب بين اللفظين، فجاء هذان الحديثان هكذا. أحدهما: «أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق» كما تقدم. والثاني: «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة». ودخل على الراوي هذا الحديث بالآخر. وممن نبه على هذا أبو الحجاج المزي، وبعده الشيخ شمس الدين بن القيم، وشيخنا الشيخ عماد الدين بن كثير رحمهم الله. وهم من تلاميذ المزي رحمه الله تعالى. فإذا أول من نبه عليه الإمام الحافظ المزي رحمه الله تعالى على أن هذا مما دخل فيه على الراوي. قال رحمه الله: وكذلك اشتبه على بعض الرواة فقال: «فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله عز وجل». والمحفوظ الذي تواطأت عليه الروايات الصحيحة هو الأول، وعليه المعنى الصحيح. فإن الصعق يوم القيامة لتجلي الله لعباده إذا جاء لفصل القضاء، فموسى عليه السلام إن كان لم يصعق معهم، فيكون قد جزي بصعقة يوم تجلي ربه للجبل فجعله دكاء. فتأمل هذا المعنى العظيم ولا تهمله. وروى الإمام أحمد والترمذي وأبو بكر ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: سمعت أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فعرضتان جدال ومعاذير، وعرضة تطاير السحب، فمن أوتي كتابه بيمينه وحوسب حسابا يسيرا دخل الجنة، ومن أوتي كتابه بشماله دخل النار». هذا الحديث رواه أحمد بن ماجة وغيرهم، وإسناده رجاله ثقات إلا أنه منقطع لأن الحسن لم يسمع من أبي موسى. وروى الترمذي من طريق الحسن عن أبي هريرة، وله علة ثالثة وهي الإضطراب. فبعضهم يرويها عن علي بن علي الرفاعي عن الحسن عن أبي موسى، ومنهم من جعله عن الحسن عن أبي هريرة. وقد أشار إلى هذا الترمذي حيث قال: «والحسن لم يسمع من أبي هريرة». وروى البيهقي في البعث كما في النهاية، والحافظ كذلك في الفتح، حسنه. وهو عند الطبراني مسندا صحيحا إلى قتادة. لكن الصواب كما سمعتم أن الحديث فيه انقطاع. ثم اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في النفخات كم عددها؟ فبعض أهل العلم ذهب إلى أنها نفختان فقط. وممن ذهب إلى هذا واختاره القرطبي، وكذا الحافظ ابن حجر في الفتح. وذهب الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أنها ثلاث نفخات. وأما ابن حزم رحمه الله تعالى فذهب إلى أنها أربع نفخات. وهذه الأقوال القوة فيها على حسب الترتيب المذكور. فالقول الأول الظاهر أنه أقواها، ثم يليه الذي يليه. ثم قول ابن حزم قد رد على قوله. وقد تكلمنا عليها بوضوح وبسط أدلة في «فتح رب العباد». فليرجع إليه من أراد الاستزادة. قال رحمه الله: وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك أنه أنشد في ذلك الشعراء: «وتطايرت الصحف في الأيدي منتشرة * فيها السرائر والأخبار تطلع * فكيف سلوك والأنباء واقعة * أفي الجنان وفوز الانقطاع له * أم الجحيم فلا تبقي ولا تدع * تهوي بساكنيها طورا وترفعهم * إذا رجعوا مخرجا إذا رجعوا مخرجا من غمها * قمع طال البكاء فلم يرحم تضرعهم * فيها ولا رقة تغني ولا جزع * لينفع العلم قبل الموت عالمه * قد سأل قوم بها الرجع فما رجعوا». قال رحمه الله: وقوله: «هو الصراط». أي ونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط. كما قالت عائشة رضي الله عنها: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: في الظلمة دون الجسر». وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم. وروى البيهقي بسنده عن مسروق عن عبد الله قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة...» إلى أن قال: «فيعطون نورهم على قدر أعمالهم...» إلى أن قال: «فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ما يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة وينطفئ مرة، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا أطفئ قام». قال: «فيمرون على الصراط، والصراط كحد السيف، دحض مزلة، فيقال لهم: انظروا على قدر نوركم، فمنهم من يمرون كالبرق، ومنهم من يمرون كالريح، ومنهم من يمرون كالطرف، ومنهم من يمرون كشد الرحل، يرملون رملا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون». فإذا خلصوا قالوا: «الحمد لله الذي نجانا منك، الحمد لله الذي نجانا منك، بعد أن أراناك». لقد أعطانا الله ما لم يعط أحدا. هذا حديث حسن، رواه مسلم. قال رحمه الله: واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط. قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. وبالصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لا يرجو النار أحد بايع تحت الشجرة». قالت حفصة: «فقلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟» فقال: «ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾؟». أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها. وأن النجاة من الشر لا يستلزم حصوله، بل يستلزم وجود سببه. فمن طلبه عدوه ليهلكوه، ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا﴾. وقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾. وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا﴾. ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم. ولولا خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك. وكذلك حال الورود في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيا. فقد بين صلى الله عليه وسلم في حديث جابر المذكور أن الورود هو الورود على الصراط. قال رحمه الله: وقوله: «والميزان». أي ونؤمن بالميزان. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. قال القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، لأن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها. يعني تقرير الأعمال بعد أن يقر كل إنسان بذنبه، بعد ذلك تحصل موازنة تلك الأعمال. ثم بعد الوزن تحصل أو يحصل تطاير الصحف، آخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله. قال رحمه الله: والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان. وروى الإمام أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، فيقول: ألك عذر أم حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء». وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه وابن أبي الدنيا من حديث الليل. زاد الترمذي: «ولا يثقل مع اسم الله شيء». وفي سياق آخر: «توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة». الحديث. وفي هذا السياق: «فائدة جليلة، وهي أن العامل يوزن مع عمله». كما روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنه ليأتي الرمل العظيم يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة». وقال: «اقرأوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾». وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود أنه كان يجني سواكا من الأراك. وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، تضحك القوم منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مما تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه؟ فقال: والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد». والحديث حسن، رواه أحمد وغيره بإسناد حسن. قال رحمه الله: فقد وردت الأحاديث أيضا بوزن الأعمال أنفسها. كما في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان». وفي الصحيح: وهو خاتمة كتاب البخاري: «كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». قال رحمه الله: وروى الحافظ أبو نصر الوائلي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بابن آدم يوم القيامة، فيوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك، وينظر ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعيد فلان، سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وينخف ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان، شقاوة لا يسعد بعدها أبدا». قال الألباني في التحقيق: «موضوع، تفرد به داود بن المحبر، وهو متروك». قال رحمه الله: فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام. فإن الله يقلب الأعراض أجساما كما تقدم. وهذا من شبه المنكرين لوزن الأعمال، من المنكرين للبعث. يقولون: كيف هذه أعمال، أعمال معنوية، ثواب الأعمال هل هو شيء حسي أو معنوي؟ معنوي. قالوا: فكيف يوزن؟ فرد على شبهة هؤلاء بأن الله جل وعلا يقلبها أعيانا وأجساما. والله على كل شيء قدير. كما أن الله جل وعلا قلب الموت، وهو معنوي، جسما، فجعله كبشا أملحا. كما سيأتي في الحديث الذي يليه. فتأمل هذا المعنى. قال رحمه الله: وكما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بالموت كبشا أغبر، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، ويقال: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، ويرون أن قد جاء الفرج، فيذبح، ويقال: خلود لا موت». وروى البخاري بمعنى: «يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، يا أهل النار خلود فلا موت». قال رحمه الله: ورواه البخاري بمعنى، فذبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال. وأن الميزان له كفتان. والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدا، ولا تبيدان». فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلا. فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه. وكل يعمل لما قد خلق له، وصائر إلى ما خلق له. والخير والشر مقدران على العباد. قال الشارح رحمه الله تعالى: أما قوله: «إن الجنة والنار مخلوقتان». فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان الآن. ولم يزل أهل السنة على ذلك، حتى نبغت نابقة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك. وقالت: بل ينشئهم الله يوم القيامة. وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله. وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا. وقاسوه على خلقه في أفعالهم. فهم مشبهة في الأفعال. ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة. وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث، لأنها تصير معطلة مدة متطاولة. فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى. وحرفوا النصوص عن مواضعها. وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم. قال رحمه الله: فمن نصوص الكتاب قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. وعن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. وقال: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. يعني عندها جنة المأوى، هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حينما عرج به صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى. كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء. وفي آخره: «ثم انطلق بي جبريل حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنات اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك». وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة». وتقدم حديث البراء بن عازب وفيه: «ينادي منادي من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها». وتقدم حديث أنس بمعنى حديث البراء. وهذه أدلة واضحة صريحة في أن الجنة والنار موجودتان. قال رحمه الله: وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت الحديث، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به، حتى لقد رأيتني آخذ خطفا من الجنة حين رأيتموني تقدمت، ولقد رأيت النار يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخرت». وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس قال: «انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وفيه فقالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: إني رأيت الجنة، وتناولت عنقودا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظرا كاليوم قط أفضع، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بما يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت خيرا قط». وفي صحيح مسلم من حديث أنس: «ويم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار». وفي الموطأ والسنن من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة». وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة. وفي صحيح مسلم والسنن والمسند من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعدد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضا، ثم رجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: ارجع فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها». ونظائر ذلك في السنة كثيرة. والحديث صحيح، رواه أحمد وغيره. قال رحمه الله: وأما على قول من قال: إن الجنة الموعود بها هي الجنة التي كان فيها آدم، ثم أخرج منها. فالقول بوجودها الآن ظاهر، والخلاف في ذلك معروف. قال رحمه الله: وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجبت طروا أن تفنى يوم القيامة. وأن يهلك كل من فيها ويموت، لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. وقد روى الترمذي في جامعه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرأ أمتي مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». قال: هذا حديث حسن غريب. قال رحمه الله: وفيه أيضا من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال: سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنة». قال: هذا حديث حسن صحيح. قال رحمه الله: قالوا: فلو كانت مخلوقة، مفروغا منها، لم تكن قيعانا، ولم يكن لهذا الغراس معنى. قالوا: وكذا قوله تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾. فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم: أنها الآن معدومة بمنزلة النقرة في الصور، وقيام الناس من القبور. فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة. وأمثالها مما لم يذكر. وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها. وأنها لا يزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء. وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أمورا أخرى. فهذا حق، لا يمكن رده. قال رحمه الله: وأما احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية. واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن، نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما. فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية. قال رحمه الله: وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام. فمن كلامهم: أن المراد: كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك. والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء. وكذلك العرش، فإنه سقف الجنة. وقيل: المراد إلا ملكه. وقيل: إن الله تعالى أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾. فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء. فأخبر تعالى عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون. فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. لأنه حي لا يموت. فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت. قال رحمه الله: وقد ذكر العلماء ثمانية أشياء مما لا يناله الفناء والهلاك. منها: الروح، والكرسي، والعرش، والقلم، والجنة، والنار، وعجب الذنب. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على