الدرس في شرح كتاب التوحيد 183، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بالتأكيد على أهمية التوكل على الله وحده، مستدلاً بالآيات القرآنية التي تبين وجوب التوكل على الله باعتباره من صفات المؤمنين. يُبين أن التوكل على الله هو أمر إلهي وضرورة للإيمان.
يشرح هذا الجزء العلاقة الوطيدة بين الإيمان والتوكل، حيث يُعد التوكل علامة على قوة الإيمان. كما يُبين أهمية التوكل في طلب النصر على الأعداء، مستشهداً بالآيات التي تؤكد على ضرورة التوكل عند مواجهة العدو.
يتناول هذا الفصل أسباب النصر على الأعداء، مشيراً إلى ضرورة الأخذ بالأسباب الشرعية والكونية مع التوكل على الله. يُبرز أهمية الإعداد العسكري والتدريب للمسلمين مع التأكيد على تحقيق التوحيد والاعتماد على الله.
يختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال والأعمال. يُختم الدرس بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع التأكيد على أهمية تطبيق ما تعلموه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية في معرض كلامه عن مقام التوكل، إذ أنه من المقامات الواجبة التي ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم ومسلمة. وإن توحيد العباد لن يتم ولن يكمل إلا بهذا المقام، أن نكون من المتوكلين. ومما أورده لنا المؤلف رحمه الله تعالى من الأدلة الدالة على عظيم هذا المقام: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وهذه الآية اختوت على عدة مسائل من أهمها ما نحن بصدده، والتي لأجلها أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، ألا وهو وجوب التوكل. هذه الآية من أصرح الآيات الدالة على وجوب التوكل، أننا نتوكل على الله جل وعلا. وجوب التوكل هاهنا في هذه الآية جاء من عدة جهات: الجهة الأولى ما جاء من الأمر به، فتوكلوا يأمر ربنا عز وجل بالتخلق بهذا الخلق، معه توكلوا، فلست أنت فيه بالخيار، ولست أنت فيه يا عبد الله على محض الإرادة، وإنما ينبغي بل ويجب أن تتوكل على الله. والوجه الثاني ما جاء أن الله علق الإيمان بهذا الخلق بخلق التوكل، ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، فمن كان مؤمنًا فعليه أن يتوكل، فمن صفات أهل الإيمان أنهم من المتوكلين على الله، فينبغي عليك يا أيها المؤمن أن تتوكل على ربك. والجهة الثالثة ما ذكره أهل البلاغة من تقديم ما حقه التأخير، يفيد الحصر لهذه الآية، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ هي تقدير الآية توكلوا على الله، توكلوا على الله، لكن جاء السياق ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، فتقديم المعمول على العامل ماذا يفيد؟ عند البلاغيين يفيد الحصر والقصر والاختصاص، بمعنى أنه لا توكل إلا على الله، لا توكل إلا على الله. إذن هذه الآية من عدة جهات دلت على وجوب التوكل أولًا، الله أمر به، ثانيًا جعله من صفات أهل الإيمان، ثالثًا أن قدم ما حقه التأخير إفادة للحصر، إفادة للحصر. فهذه الفائدة العظيمة نستفيدها جميعًا من إيراد المؤلف رحمه الله تعالى لهذه الآية. وكذلك مما يستفاد من هذه الآية بيان أن التوكل لا يكون إلا على الله وحده، فلا تتوكل على من سواه، ولا تتوكل على من عداه جل في علاه. وقد مر معنا في درس أمس ما عليه الكثير من الناس ممن قدحوا في مقام توحيدهم، إذ أنهم توكلوا على غير الله، كالذي يتوكل على الأموات، والذي يتوكل على الجمادات، والذي يتوكل على المخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله. والمسلم ينبغي أن يجعل قلبه إن تعلق لا يتعلق إلا بربه، فلا تتعلق بالطلاسم، ولا تتعلق بالحروز، ولا تتعلق بالمشعوذين، ولا بالكهانين، ولا تتعلق يا عبد الله بالأموات كما يفعل أصحاب الأضرحة والزيارات. كل ما سوى الله باطل، فأنت تعتمد في أمور دينك ودنياك وأخراك على الله جل وعلا. وسيأتي معنا في قول الله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، فهو حسيبه سبحانه وتعالى. وهذه الآية تدل على ذلك، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، فإن كان من توكل لا يكون إلا على الله جل وعلا. وفي هذه الآية كذلك من الفوائد بيان على مدى الربط بين مقام التوكل وبين مقام الإيمان، إذ بينهما تلازم، لن فكاك عنهما، بل هما ملتصقان، بينهما تلازم، فعلى قدر إيمان العبد يكون توكله، على قدر إيمان العبد يكون توكله. يقول إمام بن القيم رحمه الله تعالى تعليقا على هذه الآية: "وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل". هذا برهان، مع أن الإيمان إخواني في الله هو أمر باطني، الإيمان أمر قلبي، بخلاف الإسلام أمر ظاهري، الإسلام للظاهر والإيمان للباطن. ومع ذلك فالله جل وعلا جعل لهذا الإيمان الذي في بواطننا في قلوبنا له سمة، له علامة يظهر للعيان، يظهر لك مثاله، قال عليه الصلاة والسلام: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا». فجعل عليه الصلاة والسلام الإيمان الذي يقر في قلوبنا جعل له أمارة بها نتعرف على إيمان أنفسنا، ونتعرف أيضًا على إيمان غيرنا، بماذا؟ بالأخلاق. فمن كثرت أخلاقه دل ذلك على قوة إيمانه، وهكذا قل في باب التوكل، فمن يرى من نفسه أو يرى من غيره ما يكون من صدق اعتماده وتوكله على ربه، فليعلم أنه قد بلغ في الإيمان مبلغًا عظيمًا. والعكس بالعكس، من رأى منه أنه يتعلق بالأسباب، يتعلق بالذوات، لربما يركن في حياته على عقله، على حذلقته، يركن إلى ماله، يركن إلى منصبه، يركن إلى عشيرته، يعتمد على قبيلته في قضاء أموره، اعلم أن هذا ضعف إيمانه. على قدري توكلك يا عبد الله، وهذا مما يظهر للناس يكون معيار لإيمانك. فأنت لربما تنظر إلى شخص ما على أنه مسكين بائس، كحال مثلا من ينظر إلى بعض من يمتهن بعض الأعمال والحرف التي فيها حمولة، التي فيها نقل، التي فيها تكعيف كما يسمى. فتجد أن هذا يصبح الصباح ثم إلى أين يا عبد الله؟ قال: على الله، على الله، أسعى في أرض الله، يذهب هنا عند هذا السوق، عند سوق الخضراء، عند سوق الصيد، يمسك هذا ويعطي هذا، ويدفع هذا، ويوصل هذا، ويطلب رزق الله. لربما تعطى له أموال مقابل فعل الحرام، ينقل شيء مما حرم الله. أقول: لا، لا، اعفني يا عبد الله، نسأل الله يغنيني بحلالي عن حرام، ابعدني من هذا. معك نقل تريد بقل جرجير، أجره من هنا إلى طرف السوق، أبشر. أما هذه لا أبعده. فهذا المسكين البائس من صباح الله، كما يقال من صباح الله، وهو على الله، على باب الله. هذا عنده صدق الاعتماد على الله، هذا الذي عند كثير من الناس الذي لربما هو محل انحطاط أنظارهم، هو عند الله من أشد الناس إيمانًا بالله، بماذا ظهر؟ بتوكله، ما اعتمد على عشيرة، ولا على قبيلته، ولا على اعتماد على سبب من الأسباب، وإنما اعتمد على الله جل وعلا. فعلى قدري ما يكون من اعتماد العبد بقلبه على ربه يظهر ذلك مدى إيمانه سبحانه وتعالى. فيا عبد الله، يا أيها المؤمن، أظهر إيمانك بما يكون من صدق اعتمادك على الله، اعتمد عليه في كل أمورك وأحوالك. هذه الآية كذلك مما يستفاد منها أن من أعظم المواضع التي يحتاج الإنسان فيها، وكل المواضع يحتاج الناس فيها إلى أن يتوكلوا على الله، لكن أخص الأماكن عند طلب النصرة على الأعداء، كما قال المفسرون، خصوصًا في هذا الموضع. ومن أين استفدنا هذه الفائدة من هذه الآية؟ الفائدة موجودة في سياق الآية، هذه الآية ذكرت في أي مقام؟ هذه الآية قال الله جل وعلا فيها: ﴿وَقَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. هذا سياق الآية، قصة الآية، يخبر فيها ربنا جل وعلا عن بعض قوم موسى، عن رجلين من أتقيائهم، وقال رجلان يخافون، أي يخافون الله، فهذه صفة على أنهم من عباد الله، لأنه لا يخاف الله إلا العبد المتقي. كان هؤلاء الرجال، وهم عبارة عن رجلين من أتقى الناس في بني إسرائيل، في قوم موسى، كانوا في معركة ضد الكفار من أعداء الدين. إن بروا هؤلاء الرجال إلى دعوة قومهم إلى الغلبة والظفر والجهاد ضد الكفار. فقال ربنا عنهم: «وقال رجلان من الذين يخافون»، أي يخافون الله، أنعم الله عليهما بماذا؟ أنعم الله عليهما بالطاعة، أنعم الله عليهما بالهداية، أنعم الله عليهما في هذا الموقف أن انتدبهم أن يكونوا وجهاء، وجهاء في ماذا؟ في باب الدين، جعلهم زعماء، جعلهم رؤساء، لا بل جعلهم الله وجهاء في باب الدين، يعلمون أقوامهم، يعظونهم بما فيه حظهم في دينهم وأخراهم. فأنعم يا عبد الله بهذه الوجاهة، فمن رأى من نفسه أن الله جل وعلا جعل له السيادة والقيادة لا في الدنيا، لكن في أبواب الدين، اعلم أن الله أنعم عليه. ومن يزع عن باقي خلقه، فهذه نعمة ما بعدها نعمة. كما في هذه الآية وصف الله هذين الرجلين بهذه الصفة، أنهما ممن أنعم الله عليهما، نعمة الله عليهما أن انتدبهما بالقيام بالتحريض والحث والترغيب لأقوامهم للقتال ضد أعداء الدين. قال سبحانه وتعالى: ﴿يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾، ما بينكم وبين الكفار سوى أن تقحموا هذا الباب، اقحموه، ادخلوه. قال: ادخلوا عليهم الباب، فإن دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا. وفي هذا إشارة عظيمة إخواني في الله أن نعلم أن النصر الذي يجعله الله لعباده يكمن في أمرين اثنين، قل في سببين اثنين، وهو أن الإنسان يأخذ بالأسباب الشرعية الدينية، ويأخذ كذلك بالأسباب الكونية الدنيوية، هنا يأتي النصر، يأتي النصر. من أراد الظفر فعليه أن يأخذ بالسبب الشرعي، وهو التوكل على الله، ولهذا كان التوكل على الله من أعظم عوامل النصر، مصداقًا لقوله عز وجل: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾، فمن نصر دين الله ينصره الله. وأعظم نصر لدين الله أن تحقق التوحيد بعظيم التعلق بربك جل وعلا. ولا يأتي النصر مع إضافة الشرط الثاني، أن تتخذ الأسباب الكونية المادية الدنيوية، كما قال عليه الصلاة والسلام، وكما قال ربنا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، أعد، أعد. وهذه الآية فيها هذه الإشارة، فهؤلاء الرجال أمر قومهم: إن أردتم الغلبة، أدخلوا، أدخلوا، خذوا سببًا، افعلوا شيء، لا تظنن أن النصر يأتي هكذا من طباق من ذهب، مع أن الله جل وعلا لو أراد، لو أراد أن يبيد الكفار عن بكرة أبيهم لفعل، جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾، كما قال المفسرون: لو أراد الله أن يستأصل الكفار، فلا يجعل لهم راية، ولا يحقق لهم غاية، لكان لأبادهم الله عن وجه الأرض، وما ذلك على الله بعزيز. لكن لماذا فعلت هذا يا رب؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾، ابتلاء يبتلي الله المسلم بالكافر، ويبتلي الكافر بالمسلم. وهنا يا عبد الله خذ بالسبب. فهؤلاء الرجال قالوا: ادخلوا، ادخلوا، خذوا بالسبب، اعملوا شيء، افتحوا الباب، اقحموا الباب، اكسروا الباب، اعملوا شيء. أما أنك تجلس فتقول: يا الله، أين النصر؟ أين الظفر؟ خذ بالسبب الديني، وكذلك السبب الشرعي، وعلى الله فتوكلوا. وعلى الله فتوكلوا، وهذا أهم العوامل أنك تعتمد على الله جل وعلا في نصرتك وغلبتك على من عاداك، وعلى من عادى دينك من أعداء الدين. وإلا والله لو أن أهل الإسلام أخذوا بكل عدة، أخذوا بكل عدة من سلاح فتاك، ومن عدد من أعداد الغفيرة والجيوش الكثيرة، لكنهم مع الله ما صفوا حساباتهم، ما صححوا عقائدهم، ما أخلصوا عباداتهم. فوالله لا يزال الفشل معهم. ولهذا جاء حديث ثوبان، قال عليه الصلاة والسلام: «تتكالب عليكم الأمم كما تتكالب الأكلة على قصعتها». قالوا: يا رسول الله، أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: «لا، أنتم كثير، كثير، وتأمل هذا الواقع الأليم، ستشعر بدليل من دلائل نبوة عليه الصلاة والسلام، فالأمم كثيرة، والأعداء قلة». قالوا: «كغثاء السيل، ولينزعن الله من عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن». قال: «وما الوهن يا رسول الله؟» قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». لماذا نكره الموت؟ كحال كثير من أمتنا، لقلة أعمالنا، ما عندنا شيء، بماذا نقابل ربنا؟ فلما كنا على هذا الضعف في ديننا أضعف الله دنيانا، الجزاء من جنس العمل. ولهذا ينبغي على الأمة الإسلامية أن إذا أرادت الغلبة على أعداء الدين عليها بأمرين اثنين: الإعداد بما يستطيعون من العدة الدنيوية، من الأسلحة، وإعداد الجيوش، والتدريب. وزد على ذلك، وهذا الأعظم، وهو العامل الديني، وهو الاعتماد على الله. وقد جمع الله هذا في هذه الآية التي أشار إليها المؤلف: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.