الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 34

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 34

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 34، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مشاركة الرسول في بناء الكعبة

تحدث الدرس عن مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم في بناء الكعبة ونقل الحجارة، ووقوع حادثة غشي عليه أثناء العمل. يظهر هذا الجانب من حياة النبي قبل البعثة.

الخلاف حول الحجر الأسود وحل النبي له

تناول المقطع قصة خلاف قبائل قريش حول وضع الحجر الأسود وكيف حكم النبي صلى الله عليه وسلم بينهم بذكاء وعدالة، مما أرضى جميع الأطراف. يبرز هذا حكمة النبي وعدالته قبل البعثة.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

أختتم الدرس بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي وآله وصحبه، مما يعبر عن الاحترام والتواضع لله تعالى. يؤكد على علم الله تعالى المطلع على كل شيء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس إخواني في الله في هذه المئية في بيان حال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام، تطرقنا إلى ما أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى من ذكر بناء بيت الله لدى قريش، كما قال رحمه الله: وبعد خمس وثلاثين حضر بنيان بيت الله لما أندثر. وأشرنا إلى مسائل عدة متعلقة بما كان عليه البنيان لبيت الله الكعبة، وما كان من عزمهم على تجديده، وكيف أنهم اشترطوا حل الأموال بأن تكون الأموال حلالة التي تعمل وتدفع وتنفق على العمل ببيت الله الكعبة. وأشرنا إلى عدة مسائل ليس المقام مقام استذكارها واسترجاعها، لكن مما يستكمل به البحث والمبحث حول بناء الكعبة أيضًا أن نعلم أن قريشًا عندما بدأت في بناء بيت الله أوكلت مهمة البناء إلى أشراف قريش، إلى أشراف القبائل، فوزعت بناء الكعبة كل جدار مثلا إلى قبيلة معينة حتى يعم الشرف لسائر قبائل قريش. فمثلًا ما ذكره المؤرخون في هذا الباب من أنهم جعلوا شق الباب، أي باب الكعبة، كان لبني عدي أو كان لبني عبد مناف وزهرة، وما بين الركن الأسود واليماني لبني مخزوم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم، وكان شق الحجر، أي ناحية الحجر، لدى عبد الدار وبني عدي، وهكذا قسموا المهام. بل حتى قيل إن كل قبيلة جعلت عندها حجارة معينة هذه التي تقوم بوضعه في الكعبة، وهكذا اشترك الأشراف والسادة ومن أهل قريش في حمل الحجارة والمساهمة في بناء بيت الله. حينها تأتي مسألة بعد ذلك حول مشاركة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قلنا: لا شك أن النبي حضر صلوات ربي وسلامه عليه حضر هذه الحادثة، وكان في السن الخامس والثلاثين من عمره عليه الصلاة والسلام. بقي: هل شارك فعلًا في البناء؟ الجواب: نعم، شارك عليه الصلاة والسلام في بناء الكعبة، وخاصة في نقل الحجارة. ومما يؤيد هذا المعنى ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم والعباس لنقل الحجارة. فهذا فيه بيان على أن النبي شارك في بناء الكعبة. قال: لنقل الحجارة، فقال العباس: اجعل إزارك على رقبتك، وهنا مع هذه المسألة وهي مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم لبناء الكعبة وقعت له حادثة. العباس وهو عم الرسول اقترح على نبينا عليه الصلاة والسلام أن يجعل الإزار والذي يتستر به أن يجعله على رقبته لحمل الحجارة. فخر إلى الأرض، أي أن النبي بادر إلى هذا الفعل وأراد أن يحل إزاره لكي يجعله على رقبته، فلما كاد أن يفعل هذا سقط على الأرض مغشيا عليه عليه الصلاة والسلام. قال: فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق، فقال: إزاري إزاري، أي نادى بإزاره. فشد عليه إزاره عليه الصلاة والسلام. وهذا سيأتي معنا حول كيف أن الله جل وعلا صان نبيه صلى الله عليه وسلم قبل المبعث، صانه بالتحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وبشيم الأفعال عليه الصلاة والسلام. ومثل هذه الحادثة جاءت بالسياق أطول من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه. والذي نقل فيه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ممن ينقل الحجارة، وهذا مرادنا من إثباتي أن النبي كان ينقل الحجارة في بناء الكعبة. قال: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم إزاره فتعرى، قال: فغشي عليه. فقيل لأبي طالب -وهو عمه-: أدرك ابنك فقد غشي عليه. فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم من غشيته سأله أبو طالب عن غشيته، فقال: أتاني آت عليه ثياب بيض، فقال لي: استتر. فقال ابن عباس: فكان ذلك أول ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من النبوة. قال: فما رؤيت عورته من يومئذ لم يظهرها على أحد صلواته ربي وسلامه عليه. وهذا الحديث حسنه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وهكذا حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى كما في الصحيحة. إلا أن الذهب أعل هذا الحديث، وكما قلنا يغني عن ذلك ما مر معنا في الصحيحين من أن النبي نقل الحجارة مع عمه، وكيف أنه غشي عليه عندما بادر إلى فكي وحل إزاره فتظهر عورته. فكذلك مما يذكره المؤلف أو الناظم رحمه الله تعالى بعد هذا البيت قال رحمه الله: وحكموه ورضوا بما حكم في وضع ذلك الحجر في وضع ذاك الحجر الأسود. ثم إذا بعد ذلك من بيت الذي بين فيه المؤلف رحمه الله تعالى مشاركة النبي في بناء الكعبة. قال: وبعد خمس وثلاثين حضر بنيان بيت الله لما أندثر، وحكموه ورضوا بما حكم في وضع ذاك الحجر الأسود. ثم هذا البيت مما له تتمة بمسألة بناء الكعبة، وهذه مسألة تعود إلى خلاف تم بين قبائل العرب من أهل قريش، إذ أنهم لما قسمت عليهم المهام في بناء الكعبة كل بجداره كل بقسمته كل بنصيبه وقع الخلاف الأشد في الحجر الأسود. من هذا الذي سيتشرف بأخذه ووضعه في مكانه هنا وقع الخصام، إذ أن الكل إن برا لهذه المهمة، إذ أن الشرف فيه بناء الكعبة شرف لا شك، لكن وضع الحجر الأسود هو الأعلى شرفًا أعلى كعبًا، ولهذا تخاصم ونقل المؤرخون أن الخصام وصل إلى عدة أيام إلى أربعة أيام إلى خمسة أيام. ولم تقتصر الخصومة على الشجار وعلى العراك القولي لا، بل وصل الأمر إلى درجة الاقتتال، حتى قيل إن بني عدي مع جماعة من بني عبد الدار أنهم تعاهدوا على الموت تعاهدوا على الموت في سبيل أن يضعوا الحجر الأسود بأنفسهم. وأنهم جاءوا كذلك بجفنة جفنة فيها دم فوضعوا أيديهم في هذا الدم وسميت هذه المعاهدة بلعقة الدم، معروفة في الكتب السير. كان هذا سببها أن بني عبد الدار وبني عدي تعاهدوا على الموت في سبيل وضع الحجر بأنفسهم ولن يتركوا المجال لأحد. فهذا الشجار قد وقع وحصل واحتدم بين أشراف قريش حتى جاء من جاء ممن يصلح بينهم بأن نجتمع نجتمع في بيت الله الحرام وننظر ما هو الأصلح. فلما اجتمعوا كان من رأيهم ومن أقوال أعلمهم وأفقههم ومن كان له المنصب والسؤد حينها أن نحكم غيرنا في هذا الموضوع. ننتهي نختار حكمًا نحكمه في قضيتنا، فالذي يحكم به الحكم رضينا بحكمه وانتهى الأمر تسلمون بهذا. قالوا: سلمنا، وكان من وصفهم للحكم أن أول من يدخل علينا راضينا بحكمه. فمن يشير عليه؟ قلنا: قبول بملخص العبارة أننا نقبل بحكمه وبقوله من يشير علينا بمشهورته. فكان من لطف تدبير الله جل وعلا أن دخل عليهم نبينا عليه الصلاة والسلام فكان هو الحكم في هذه القضية الفيصل التي بها حقنا ربنا جل وعلا دماء أهل قريش. وهذا قد جاءت به السنة، فمن ذلك ما جاء عند الطيالسي بإسناد صحيح من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. قال: لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش، فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه، فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل عليهم من هذا الباب. قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة. فدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة. قال: فأمر -أي بعدما حكموه- قال: فأمر بثوب فوضع -أي وضع الثوب وفرش- فأخذ الحجر فوضعه في وسطه في وسط الثوب، وأمر كل فخذ -أي من أفخاذ العرب- أن يأخذ بطائفة من الثوب فرفعوه، وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه. فانظر لهذه الطريقة الذكية ويدلك على وفير عقل نبينا بوافير عقل نبينا عليه الصلاة والسلام استطاع بهذه الحركة أن يجبر الخواطر وأن يجمع الشامل وأن يتشرف هو صلوات ربي وسلامه عليه بوضع الحجر الأسود بنفسه. فأجأى هذا بالثوب يوضع في الوسط والكل تعالوا كل يأخذ، خذوا الحجر الكل يتشرف، ما أحد بعد ذلك سيخرج يقول: أنا وضعت أو أنا أخذ. الكل قد أخذ فأخذوا الجميع الحجر حتى دنوه إلى محله، قام نبينا ووضع الحجر لأنه الحكم أخذه ووضعه في محله عليه الصلاة والسلام. وهذا الأثر وهذا حديث علي أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه، وهكذا وافقه الإمام الذهبي، وقال العلامة الألباني: إسناده حسن. وأيضًا هذه قصة التي وقعت كان العرب مع عدم علمهم بمن يدخل عليهم، لأنهم قرضوا كنهاية مطاف لنزع فتيل الفتنة. لكنهم لما علموا بدخوله عليه الصلاة والسلام فرحوا به عليه الصلاة والسلام، مع أن هذا نحكيه قبل بعثته وقبل نبوته، لكن لما علموه منه عليه الصلاة والسلام من عدالته وصدقه وأمانته فرحوا بحكمه. ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد من حديث السائب ابن عبد الله. لما تحدث عما وقع من شجار العرب في وضع الحجر الأسود قال: فقال بطن من قريش: نحن نضعه، وقال آخرون: نحن نضعه، فقالوا: اجعلوا بينكم حكمًا. فقالوا: أول رجل يطلع من الفج أول واحد يظهر علينا رضينا به. قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أتاكم الأمين. فرحوا فرحوا بمقدمه، وأن الله جل وعلا كان من لطف تدبيره أن جعل الداخل عليهم هو نبينا صلوات ربي وسلام عليه. فقالوا: أتاكم الأمين، فقالوا له: أي بما جرى وما صار وما حكموه فيه. فوضعه في ثوب ثم دعى بطونهم فرفعوا نواحيه، فوضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده. وهذا الحديث كذلك قال عنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: إسناده حسن. إذن هذه القصص وهذه الأحاديث الصحيحة تدل على ما أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى بقوله: وحكموه ورضوه بما حكم في وضع ذاك الحجر الأسود ثم. وبهذا انتهى المؤلف من خلال البيتين إلى الإشارة إلى ما وقع في الكعبة من بنيان ومن وضع الحجر الأسود، وبقي مسائل تتم بها الفائدة حول ما يتعلق بالكعبة عمومًا، نشير إليها بإذن الله في دروس قادمة. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.