الدرس في القواعد والأصول الجامعة 1، الدرس الأول:من( القاعدة الأولى:الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تقرر هذه القاعدة أن جميع أوامر الشرع ونواهيه ترجع إلى جلب المصالح الخالصة أو الراجحة ودفع المفاسد الخالصة أو الراجحة، شاملة لكل أحكام الشريعة. وتستدل الآية في سورة النحل على أن الله أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي لتذكر العباد نفع الأوامر وضرر النواهي.
توضح الآيات أن أوامر الله ورسوله إما مصالح خالصة أو راجحة، بينما نواهيهما إما مفاسد خالصة أو راجحة، مع التمثيل بالتوحيد والصدق والعدل مقابل الشرك والكذب والظلم. وتقرر القاعدة وجوب تقييم المسلم لكل علم أو عمل بميزان المصلحة والمفسدة لأخذ ما رجحت مصلحته واجتناب ما رجحت مفسدته.
يستعرض المقطع تسع صور للموازنة بين المصالح والمفاسد في الشريعة مبيناً الحكم في كل حالة من المصلحة المحضة والمفسدة المحضة والمتعارضات. ثم يجيب عن سؤال منع الزوج المطلق زوجته من إرضاع ولدها مؤكداً أن الطلاق ينهي عصمته ولا حق له في المنع.
يختتم المتحدث الجواب بالتأكيد على عدم أحقية المنع بناءً على ما سبق من أدلة وقواعد شرعية. ويختم بالدعاء وإعلان أن هذا هو الجواب على السؤال مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. القاعدة الأولى: الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة. هذه القاعدة إذا نظرنا إلى الأوامر التي في القرآن والنواهي التي في القرآن، وكذلك الأوامر والنواهي التي في السنة، نجد أن جميعها راجع إلى هذه القاعدة. وبناء على ذلك فتكون هذه القاعدة شاملة لجميع الشريعة، لا يشذ عنها شيء من أحكام الشريعة، ولا فرق بين ما تعلق بالأصول أو بالفروع، وكذلك ما تعلق بحقوق الله وحقوق عباده. ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]. وإذا تأملنا هذا وجدنا أنه لم يبق عدل ولا إحسان ولا بر إلا أمر به في هذه الآية الكريمة، ولا فحشاء ولا منكر متعلق بحقوق الله، ولا بغي على الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم إلا نهي عنه في هذه الآية. ووعظ الله عباده أن يذكروا ما في هذه الأوامر من حسنها ونفعها فيمتثلوها، ويتذكروا ما في هذه النواهي من الشر والضرر فيجتنبوها. ولهذا ختم الآية بقوله جل وعلا: ﴿ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾. ويقول جل وعلا: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [الأعراف: 29]. فقد جمعت هذه الآية أصول المأمورات ونبهت على حسنها، كما جمعت هذه الآية التي بعدها أصول المحرمات ونبهت على قبحها. والآية التي بعدها هي قوله جل وعلا: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 33]. وبناء على ذلك كله فعلى العبد أن ينظر في الأوامر التي أمر الله بها في القرآن، والأوامر التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة، فإنه يجد أن هذه الأمور التي أمر الله بها وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم منها ما يكون مصلحة محضة، ومنها ما تكون مصلحته راجحة ومفسدته مرجوحة. وإذا نظرنا إلى جمهور الأحكام الشرعية كالتوحيد والإيمان والإخلاص والصدق والعدل والإحسان والبر والصلة وأشباهها، فإنها مصالح خالصة في الدين وكذلك في الدنيا. وإذا نظرنا إلى الشرك والكذب والظلم، وجدنا أن مضارها لا يمكن أن تحصى. وإذا نظرنا إلى الخمر والميسر، نجد أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ [البقرة: 219]. وهذه القاعدة تفيد طالب العلم في جميع علوم الكون التي تسمى في هذا العصر العلوم العصرية، فإنه ينظر إليها من ناحية ما يترتب عليها. فإذا وجد ما مصلحته خالصة أو مصلحته راجحة، فإنه يكون مأموراً به. وإذا وجد أنه منهي عنه، وأن مفسدته خالصة أو مفسدته راجحة، فحينئذ يجتنبه ويكون منهيا عنه. بناء على هذه القاعدة: في ضرر واجتمع فيه نفع وهما متساويان في نظر المجتهد، فهذا هو الذي قال فيه أهل العلم: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وقد يكون الشيء مشتملا على مصلحتين، قد تتعارض مصلحتان متساويتان، فحينئذ يكون المكلف مخيراً باختيار ما شاء منهما. وإذا كانت إحداهما راجحة والثانية مرجوحة، فإنه يأخذ بالراجحة ويترك المرجوحة. وإذا تعارض عنده مفسدتان، ولا بد من ارتكاب إحداهما، فإنه ينظر: إذا كانت متساويتين، فإنه مخير في ارتكاب ما شاء منهما. وإذا كانت إحداهما راجحة والثانية مرجوحة، فحينئذ يأخذ بالمفسدة المرجوحة، ويتجنب المفسدة الراجحة. فهذه صور تسع بالنظر إلى باب المصالح والمفاسد في هذه الشريعة: الأول: أن تكون مصلحة محضة. الثاني: أن تكون مصلحة راجحة ومفسدة مرجوحة. الثالث: أن تكون مفسدة محضة. الرابع: أن تكون مفسدة راجحة ومصلحة مرجوحة. الخامس: أن تكون مصلحتان متساويتان. السادس: أن تكون مصلحتان لكن إحداهما أرجح من الأخرى. السابع: أن تكون مفسدتان متساويتان. الثامن: أن تكون مفسدتان لكن إحداهما أرجح من الأخرى. التاسع: أن تكون مفسدة راجحة ومفسدة مرجوحة. هذا هو الكلام على هذه القاعدة، وهذا الدرس فيه كفاية لكم في هذه الليلة. وأترك بقية الوقت لما لديكم من الأسئلة، ونكون قد وقفنا على القاعدة الثانية وهي: قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد. بارك الله فيك شيخ. طيب، هذا السائل يقول: رجل طلق امرأته ومنعها من إرضاع ولد بحجة أن اللبن لبنه، فهل يصح هذا منه؟ الجواب: إذا طلقها فليست في عصمته، وليس له حق في منعها، لأن العلاقة التي بينها وبينه انتهت. وعلى هذا الأساس ليس له حق في المنع. أحسن الله إليكم. هذا هو الجواب على السؤال. ترجمة نانسي قنقر.