تفسير سورة النبأ من تفسير الجلالين 5

تفسير سورة النبأ من تفسير الجلالين 5

الدرس في تفسير سورة النبأ من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آيات خلق الله للكون

يفسر المقطع الآيات القرآنية المتعلقة بخلق الله للنهار والسماوات والشمس والمطر، موضحا معانيها وعظيم خلق الله. يبين أن النهار وقت للمعاش والشمس سراج يضيء الأرض والمطر ينزل من السحب.

يوم القيامة والبعث

يشرح المقطع يوم القيامة حيث يفصل الله بين الخلائق ويكون وقتا للثواب والعقاب، ويذكر قدرة الله على إحياء الأرض كمثال على إحياء الموتى. كما يتحدث عن النفخة في الصور التي تبعث الخلائق.

تفاصيل أحداث يوم القيامة

يتحدث المقطع عن النفخة الثانية كنفخة البعث حيث يقوم الناس من قبورهم، ويذكر أحداث يوم القيامة مثل تشقق السماء ونزول الملائكة وتسير الجبال. كما يشير إلى جهنم المرصادة لأهلها.

ختام الدرس والدعاء

تم اختتام الدرس مع الدعاء لله تعالى بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، مشيرا إلى نهاية الشرح.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، نواصل إخواني في الله في قراءة تفسير الجلالين، فيما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في تفسير سورة عمّ، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، قال: وقتا للمعاش. بعدما مضى معنا ما يتعلق بقول ربنا عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، والليل هو وقت الراحة والستر. ذكر ربنا عز وجل ما يتعلق بوقت النهار: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، معاشا قال: وقتا للمعاش، أي مما يعود على الناس بإعاشتهم من مطعم ومن مشرب وما يكون به ويقومون به من أعمال، وهذا من عظيم امتنان الله على العباد. قال: وبنينا فوقكم سبعا، قال: سبع سماوات شدادا، قال: جمع شديدة، أي قوية محكمة لا يؤثر فيها مرور الزمان. ومن عظيم خلق الله جل وعلا أن خلق السبع السماوات السبع الطباق، سماء فوق سماء، بناها سبحانه وتعالى بإحكام. قال: شدادا، شديدة. وكما في آية أخرى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، أي بقوة وإحكام. والسماء، وها نحن نرى التي فوقنا هي السماء الدنيا، ها هي السماء الدنيا فوقنا، جعلها ربنا عز وجل سقفا للأرض، جعل فيها ما جعل من الأجرام والكواكب والنييرات، وزينها سبحانه وتعالى بما زينها به. وهذه السماء الدنيا، تأمل فيها يا عبد الله، هل من فطور؟ هل من انشقاقات؟ هل من عيوب؟ حاشا، وهي على هذه الحال على مدى تماد الأزمان والقرون والأجيال، ما أصابها عطل ولا خلل. هذه السماء الدنيا، وما بعد ذلك الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة. وهذه السماوات ما وصل إليها أحد من البشر، وما عليه الناس الآن مما يدعيه بعضهم مما يسمى بالمكوك الفضائي وبرواد الفضاء، كل ذلك ما تعدوا السماء الدنيا. فربنا عز وجل بنى فوقنا سبع سماوات: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾. قال: وجعلنا سراجا وهاجا وقادا، يعني الشمس. لما ذكر ربنا عز وجل السبع السماوات وما كان من عظيم خلقها، أشار ربنا عز وجل إلى شيء مما أودعه الله وأبدعه في هذه المخلوقات الشدادة، ألا وهي الشمس. الشمس هي جزء مما أوجده الله في السماوات السبع، فوصف ربنا عز وجل الشمس: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا﴾، وهاجا، وصف ربنا عز وجل الشمس بوصفين اثنين، وهذه من أعظم أوصافها ومن أعظم فوائدها. أولا: سراجا، قال: بمعنى منيرا، فالشمس سراجا ضوء يضيء. وتأمل يا عبد الله إلى ضوء الشمس، قبل هذا لا تبعد. تأمل الآن إلى أضواء الآدميين، الآن الناس إذا احتاجوا مثلا إلى الإضاءة، مثلا الآن في الملاعب الكبيرة الضخمة، لربما احتاجوا إلى هذه الكشافات العالية، واحتاجوا إلى الكثير من الإضاءات، وهذه الغازات التي تنير هذا المكان المظلم، علّ وعسى أن يضيع، كم احتاجوا؟ كم احتاجوا من إضاءة؟ فتخيل يا عبد الله الكرة الأرضية بما فيها، يأتي هذا الجرم السماوي إذا ظهر أشرقت الأرض، أشرقت الأرض، وأنت لربما في غرفتك تفتح النافذة قليلا يأتيك الضوء، ضوء سبحان الله، هذا ليس لك، وفي قطرك، وفي بلدك، بل هذا على مستوى قارات ودول وأقاليم، جرم جعله الله عز وجل سراج إضاءة منيرة لهذا الكون إذا أشرقت الشمس عليه. قال: وهاجا، قال: وقادا. وهذه الفائدة الثانية في الشمس، أنه حرارة يعطي حرارة، فالشمس يعطي ضوء، وأيضا مع الإضاءة حرارة. وكم احتاج الناس إلى حرارة الشمس؟ وسل يا عبد الله المناطق الباردة والشاتية، وتلك الأسقاع من بلاد الأرض التي ابتليت بالصقيع والجليد، لكم يحتاجون إلى حرارة الشمس حتى تدفئ ما هم عليه من معايش ومكاسب، وتزيح ما كان عليهم من صقيع. فالشمس إخواني في الله، من فضائلها وعظيم فوائدها أن الله جعلها سراجا وهاجا، إضاءة وحرارة. قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾، قال: السحابات التي حان لها أن تمطر، أن تمطر، كالمعصر الجارية التي دانت من الحيض. وأيضا مما من الله عز وجل على عباده أن أنزل لهم من المعصرات. واختلف العلماء في المعصرات ما هي على أقوال، ومنهم من ذهب إلى أن المعصرات بمعنى الرياح، الرياح، وما علاقة الرياح بالمطر؟ الرياح قالوا هي السبب، هذه السحاب كيف تأتي؟ أو كأهذه الأمطار من أين تأتي؟ في الحقيقة تأتي من تجمع السحب. السؤال: من أين تأتي السحب؟ هي الرياح، الرياح التي يرسلها ربنا عز وجل، منها هنا وها هنا، تأتي شرقا تأتي غربا، تأتي بقوة واندفاع، ثم تجمع السحب تجمعها هنا وهنا وهنا، حتى إذا تجمعت السحب أحطلت الأمطار. فقال بعض المفسرين أن المعصرات ها هنا هي الرياح، وأن معنى الآية هنا: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنْ﴾، من بمعنى الباء، بمعنى الباء، على هذا التفسير سيكون الآية أي: ﴿وَأَنْزَلْنَا بِالْمُعْصِرَاتِ﴾، ﴿وَأَنْزَلْنَا بِالرِّيَاحِ﴾، وهذا عن قول جماعة من السلف. نعم، أن نفسر المعصرات هذا قول، وفسروا ﴿مِنْ﴾ هنا أن حروف الجر تنوب عن بعضها، أخذوا إلى أهلها معنى الباء. والصحيح أننا نبقى على ظاهر اللفظ، وأن المعصرات كما ذهب إليه جماعة من السلف ومن المفسرين أن المعصرات هي السحب الممتلئ ماء، سحب ممتلئ ماء. قال: السحابات التي حان لها أن تمطر، قال: كالمعصر الجارية التي دنت من الحيض، أي المرأة إذا دنى حيضها تجد أنها قريبة الحيض، يعتصر جسمها وتشعر بهذا بأن جسمها ثقيل، وأنه قد حان وقرب منها نزول العادة، هكذا المرأة. قال: وهكذا السحاب إذا كان معصر، قال ربنا: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾، أي هذه المعصيرات هي السحب الممتلئة ماء، ماذا أنزل الله بها؟ قال: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾، قال: صبابا، أي أنزل الله عز وجل من هذه السحب الممتلئة ماء، أنزل الله عز وجل منها ماء فجاجة، قال: ثجاجا، أي صبابا، أي ماء متتابع، ماء كثيرا. فهذا معنى الصب والإنصباب، أو هذا معنى الثج، معنى الثج الإنصباب والكثرة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الحج العج والثج»، الثج هنا بمعنى ذبح البدن والهدي، أي إسالة الدماء، أن تنصب منها الدماء. فانصباب الدماء من الهدي ومن البدن في الحج هذا من أعظم العبادات عند الله. فوصد ربنا عز وجل هذا الماء المتكاثر النازل على الناس ماءً فجاجا، وهذا من عظيم إنعام الله على العباد. وهذا الماء الثجاج الذي يعود على الناس بالنفع إلى إحياء الأراضي وإلى سقي المزارع وإلى أن ترتوي الأراضي. وإن كان الماء القليل، المطر أو الغيث القليل، وإن كان نعمة، لكن، لا شك أن الماء الكثير هو أفضل نعمة، لما يكون من عظيم نفعه على الناس وعلى الخلق وعلى المواشي. قال: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾، وهذا الماء النازل من السماء، من منافعه على الناس أنه يثمر هذا الذي ذكره ربنا، لنخرج به حبا كالحنطة، كالحنطة والشعير، بمعنى الحبوب، بمعنى الحبوب، ونباتا، لنخرج به حبا أي حبوبا، ونباتا هنا قال: ﴿وَكَتَاكُلَ﴾، وفي بعض النسخ: ﴿وَكَتَيْنِ﴾. وحمل العلماء النبات هنا بمعنى الكلأ والعشب، الكلأ والعشب. فيترى ما الفرق بين الحب والنبات؟ لنخرج به حبا ونباتا، قال العلماء: الحب هذا مما يدخر، يدخر، يجعل في المخازن والمستودعات، ويستدام، سواء أكله للإنس والمواشي وللعنعام، عموم النفع، لكن يدخر. وأما النبات لا، فهذا يؤكل طريا، يؤكل نباتا طريا، كالعشب والنبات. قال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، أي بساتين ملتفة، جمع لفيف، كشريف وأشراف، شريف وأشراف، أي لفيف وألفاف. فقال ربنا: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، أي بساتين، وهذا من آثار رحمة الله من الغيث والأمطار النازل على الناس من السماء، أن الله يخرج من الأرض هذه الحدائق الغناء، هذه الأجار، وهذه الجنات. والإنسان إخواني إذا أراد أن يتصور هذه النعمة، فلينظر ويتأمل إلى تلكم الأراضي التي أنعم الله عليها بالغابات والحدائق التي هي على مد البصر، أشجار كبيرة طويلة، مختلفة الأذواق والألوان والأصناف، منها ما قد علمنا به، ومنها ما لا نعلمه، ما لا نعلمه. الواحد منا لو ذهب إلى بعض الأراضي والبقاع التي تختلف عن بلده، لربما سأل عن هذه الفاكهة وعن هذه الفاكهة لأول مرة يراها، من مناطق قريبة. وإذا ذهب إلى خارج منطقته يرى ماذا؟ قد سمع به، قد الأخضر والأصفر والأحمر، والمربع والمكعب، من ثمار أبدعها أخلقها الله وأودعها الله في هذه الجنات. فهذه الجنات من عظيم آثار رحمة الله عز وجل على خلقه. قال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. إن يوم الفصل، قال: بين الخلائق، كان ميقاتا، وقتا للثواب والعقاب. هنا انتقال ما مضى معنا، أن الله عز وجل يذكر لنا ما كان من خلقه ومخلوقاته في هذه الدنيا، وما جعله لعباده من السراج، ومن الليل، ومن النهار، ومن الجنات، ومن الأمطار. هنا في هذه الآية: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، انتقال للدار الآخرة، انتقال للدار الآخرة. قد يقول قائل: وهل هناك ربط؟ قال علماء: نعم، هناك رابط. الرابط فيما ذكر مع هذا الذي سيأتي، أن الله عز وجل عندما ذكر هذه النعم، وخاصة قضية إخراج النبات من الأرض، لربما كانت الأرض قاحلة جرداء، فتأتي عليها الأمطار والغيث، فيحييها ربنا عز وجل. كيف يحيي الله الأرض بعد موتها؟ تحيي الأرض بالمياة، فيأتيها العشب والكلأ والنبات والحب والخضار والحدائق الغناء والأشجار، هذا مما ترونه أنتم يا بشر في هذه الدنيا. إذا كان هذا أمر قد قدر عليه ربنا جل فعلا، فهل يستبعد أن الله عز وجل يحيي الأموات من قبورهم؟ العاقل والذي يستخدم عقله يقول: لا، هذا ليس بمستبعد على ربنا عز وجل. الله قد عطانا أمارات على قدرته، أرض قاحلة جرداء، وانظر إلى بعض المناطق مما نعرفها، تكون في بعض المواسم صحراء، لكن تعال كما يقال في بعض المواسم تنقلب مئة وثمانين درجة، تنقلب جنة، هذا بقدرة الله عز وجل. فالله قادر، فإذا كان هذا بقدرة الله عز وجل أن يجعل هذه الأرض الجردة أرض حية، فما ظنك سبحانه وتعالى بقدرة على إحياء الموتى؟ أي عجزه هذا؟ الجواب: لا. ولهذا ناسب بعدما ذكر ربنا قدرته في هذه الدنيا، وخاصة في إحياء الأرض بالمطر، أنزل منها حبات، وجنات ألفافة، ونبات، وزروع. إذن هنا يأتي يوم الفصل، هذا ليس ببعيد، كمن الذي قدر على ذلك في الدنيا، قادر على أن يفعل ذلك يوم القيامة. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، أي يوم القيامة، كان ميقاتا، ميقاتا، كما قال المؤلف هنا: وقتا للثواب والعقاب، أي يوم القيامة، يوم القيامة جعله الله عز وجل وقتا، قال علماء: ميقاتا، أي له وقت معين محدد. فيوم القيامة سيأتي على وقته، وقت قد هيأه الله عز وجل وحدده، لا أحد يعلم به، لا أحد يعلم متى الساعة إلا الله. ما المسؤول عنها بأعلى من السائل؟ لما سئل نبينا متى الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلى من السائل»، لا أحد يدري بالساعة إلا الله. فالله قد جعلها وقتا، وحد لها موعدا، ووقت لها توقيتا. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾، سيأتي على وقته، يأتي على وقته. ويوم الفصل إخواني في الله، هذا اليوم وصفه ربنا عز وجل بأنه يوم الفصل، يوم الفصل يكون فيه فصل الأمور. وهذا مما يتربى عليه المسلم، خاصة أنه يتسلى بأن من فوائد القيامة أنه يتم فيها فصل الفصل بين المسلم والكافر، بين السعداء وبين الأشقياء، بين من قام بحدود الله ومن اعتدى على شرع الله، والفصل بين الظالم والمظلوم. الواحد قد يقول: قال: إيش أفعل؟ أنا مظلوم، إلى متى وأنا مظلوم؟ إلى متى وذاك ظالم يتمتع ويأكل بظلمه؟ نقول: يا أخي، رويدا رويدا، لا الدنيا تمضي تمضي تمضي على الظالم ما أراد، وأن تصبر على مظلمتك. لكن سيأتي الفصل، الفصل هنا هو يوم العدل، يفصل الله عز وجل بين الخلائق، يفصل الله عز وجل بين الخلائق. فالمسلم يسلي نفسه بهذا اليوم العظيم الذي يكون فيه التمييز بين الأشياء. فقال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، قال: بين الخلائق، كان ميقاتا، وقتا للثواب والعقاب. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾، قال: القرن، بدل من يوم الفصل، أو بيان له. والنافخ إسرافيل. فتأتون من قبوركم إلى الموقف أفواجا، جماعات مختلفة. قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾، أي في يوم الفصل، في يوم الفصل تأتي النفخة، والمقصود بالنفخة هنا النفخة الثانية، النفخة الثانية وهي نفخة البعث، لأن نفخة الأولى الصعق، صعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، تصعق المخلوقات. النفخة الثانية وهي المرادة ها هنا البعث، ينهض الناس ويقوم الناس. قال: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾، قال: صور، القرن، نعم، الصور هو قرن يكون النفخ فيه، فإذا نفخ في القرن قامت القيامة، أي وبعث الناس. ماذا؟ لرب العالمين. والنافخ إسرافيل عليه السلام، من ملائكة الله العظام، خصه الله عز وجل بالنفخ في الصور، إذا نفخ في الصور النفخة الثانية، حينها أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقامت الخلائق إلى رب العباد. والنفخ في الصور إخواني في الله هو قريب، هو قريب. وقد ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: «كيف أنعم أو كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه، التقمه أي وضع القرن في فمه، وصاحب القرن قد التقمه وحن جبهته، حن أي على وشك، وَأَصْغَى بِسَمْعِهِ يَنْتَظِرْ بِمَاذَا؟ بِالأَمْرِ مِنْ رَبِّهِ». قال: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه وحن جبهته وَأَصْغَى بِسَمْعِهِ يَنْتَظِرْ بِمَاذَا؟ بِالأَمْرِ مِنْ رَبِّهِ»، حتى قال الصحابة: يا رسول الله، وماذا نقول؟ قالوا: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل». فالساعة قريبة. بل قال عليه الصلاة والسلام: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، يعني أنا والساعة، نزلنا مرة مرة. فنبينا بعث في آخر الزمان، في آخر الأمم، الأمم سحيقة سحيقة من لدن آدم عليه السلام، ومضت الأجيال والقرون تلو الأجيال، إلى أن بعث الله نبينا. ونبينا يقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، فبعثته هي من علامات الساعة عليه الصلاة والسلام. إذن ما بقي إلا القليل على قيام الساعة، إنهم يرونه بعيدا، ونراه قريبا. فقال سبحانه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾، قال: أي القرن. والنافخ إسرافيل، قال: فتأتون من قبوركم إلى الموقف أفواجا، أفواجا جماعات، وهذا يعني أن الإتيان إلى أرض المحشر لن يكون دفعا واحدا، لن يكون دفعا واحدا. لأن هناك من يبعث من ذاك المكان ويتحرك، وذاك يبعث من ذاك المكان ويتحركون، الناس يتبعون الداعي، لا عوج له، يتبعون الداعي، الداعي يدعوهم إلى أرض المحشر، فيجتمع الناس في هذا المقام، وهذا المكان، بجماعات مختلفة، وكل جماعة تسير خلف نبيها، كما جاءت بها الأحاديث، خلف نبيها. قال: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾، قال: بالتشديد والتخفيف، وفتحت على قراءتنا، وفي قراءة أخرى: ﴿وَفُتِحَتْ﴾، السماء، وفتحت، أي من باب المبالغة، قال: شققت، أي شققت لنزول الملائكة، أي أن السماء تفتح، والغرض من تفتح السماء أن الملائكة تتنزل منها، كما جاء ذلك موضحا في كثير من الآيات: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾، تتنزل الملائكة. وقد ذكر العلماء أن نزول الملائكة سيكون خلف البشر، يجتمع البشر جميعا، ثم الملائكة يحوطون بهم من خلفهم. قال: شققت لنزول الملائكة، فكانت أبوابا، ذات أبواب، أي تكون السماء ذات أبواب، وهذا علمها عند ربي، علمها عند ربي. وقد جاءت الآثار والآيات والأحاديث على أن السماء لها أبواب، لها أبواب. والنبي لما أعرج به إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج، كان يستأذن يمر على ملأ، يمر على أبواب وهو يصعد. وجاءت الأحاديث: «لا تفتح لهم أبواب السماء»، فالسماء لها أبواب. فالله أعلم كيف ذاك، لكن نؤمن بأن الله خلق السماوات السبع، وجعلها بنيانا، بنيانا عظيما، لا يعلم به إلا خالقه جل في علا. فالسماء يوم القيامة تتشقق حتى تنزل منها الملائكة. قال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾، قال: ذهب بها عن أماكنها، وهذا مما سيقع يوم القيامة من الأهوال، منها تشقق السماء، ومنها كذلكم تسير الجبال، ذهب بها عن أماكنها، فكانت سَرَابًا، قال: هباء، أي مثلها في خفة سيرها، أي أن هذه الجبال العظام ستكون يوم القيامة كالسراب، هباء منثور، لا شيء، تجده شيء، لكنه لا شيء، هباء. وهذا إنما يكون ماذا؟ هذا يكون بعد دكها، وبعد نسفها. ويسألونك عن الجبال، فقل: «ينسفها ربي نسفا»، الجبال تنسف، فلا تجد جبلا، لا تجد شيء مرتفعا، وإنما يدكها الله دكا، فأنت تمر تجد أن هناك جبل، فتأتي وتلوح، فما تجد شيء، ذهب الله عز وجل بهذه الجبال العظام. وهذا طبعا بعد دكها. قال: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾، قال: راصدة، أو مرصدة، راصدة، أو مرصدة. إن جهنم، جهنم هي من أسماء النار، اسمها جهنم، وما معنى جهنم؟ قيل: يقال في اللغة: بئر جهنم، أي بئر بعيدة القعر، بعيدة القعر. وهكذا النار، نسأل الله السلامة والعافية، من أوصافها أنها بعيدة القعر. وهذه النار والعياذ بالله، قال عنها ربنا أنها مرصادة، مرصادة، أي راصدة، راصدة، بمعنى الترقب، الترقب والتطلع، فهي تراقب في يوم القيامة تراقب من هو من أهلها، سحبت وجذبت. وهذا يجرنا كذلك إلى مسألة ما يقع في نار في يوم القيامة، أن من آخر مطافات أهوال القيامة ما يكون من المرور على الصراط، المرور على الصراط، ما بعد الصراط جنة، لكن ما تحت الصراط نار جهنم، ونار جهنم الذي هي تحت هنا ماذا تفعل؟ كما في الآية: ترصد، ترصد من يمر. فمن مر من أهلها ومن أصحابها أرسلت عليه الكلاب. وقد جاء ذلك في الصحيح: «أن على جنبتي الصراط كلاليب»، كلاليب تخطف الناس وتسقطهم إلى نار جهنم. فالجهنم ترصد، فهي راصدة. جهنم مرصادة، مرصادة، أي أنها راصدة تترقب، فتأخذ من يستحق أن يكون من أهلها. ولن ينجو أحد منها، ولن ينجو أحد منها إلا من شاء الله عز وجل. هذا معنى راصدة. أو أنها مرصدة، بأنها أو معدة، مرصدة، بمعنى أنها هذا المعنى الثاني أنها معدة، أي أن جهنم قد أعدت، وهذا على عقيدة أهل السنة والجماعة، يرون أن النار هي موجودة الآن، قد هيأها الله عز وجل. لا على قول جماعة من المبتدعة: أنا ما عندي نار الآن، وإنما النار يأتي خلقها إذا قامت القيامة، أوجدها الله، لا، نقول: هي موجودة الآن، بدليل أدلة القرآن والسنة، كما قال ربنا عز وجل عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، أعدت للكافرين. فالنار قد هيأها الله وأعدها، ونحن في رمضان دائما نتذاكر: إذا جاء رمضان غلقت أبواب النيران، غلقت هنا غلقت، وإلا هي مفتوحة، فهي موجودة مخلوقة. فالشاهد: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾، إما مرصادة بمعنى راصدة، أي تترقب، وإما أنها مرصدة، أي أنها مهيأة، قد أعدت. طيب، نقف إلى هذا الحد إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.