تفسير سورة الطارق من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة الطارق من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة الطارق من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير سورة الطارق ومقسماتها

يتناول المقطع تفسير الآيات من سورة الطارق، حيث يقسم الله تعالى بالسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع على أن القرآن الكريم هو قول فصل. يُفسر الرجع بالمطر والصدع بتشقق الأرض عن النبات.

تعظيم القرآن وكيده سبحانه وتعالى ضد الكفار

يشرح المقطع تعظيم القرآن وصدقه وعدله، ويبين كيد الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم واستمرارهم في ذلك، ويوضح أن الله عز وجل يكيد لأعداء الدين ويستدرجهم.

استدراج الله للكافرين وتفسير آيات الكيد

يشرح المقطع كيفية استدراج الله للكافرين وكيد الله لهم، حيث يعطيهم الله ما يحبون ويستدرجهم حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ويبين أن هذا الاستدراج هو من كيد الله لأعداء دينه.

بيان النسخ في آيات سورة الطارق وخاتمة التفسير

سورة الطارق ليس فيها ناسخ ولا منسوخ إلا آية واحدة وهي قوله تعالى ﴿فمهل الكافرين﴾، وقد نسخت بآيات القتل والجهاد، ويتم ختم الحديث عن تفسير سورة الطارق.

  • 19 جمادى الآخرة 1447هـ - 09/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس كنا في سورة الطارق من تفسير الجلالين، وتحديدًا عند قول الله جل فيه علاه ﴿فلينظر الإنسان مما خلق * خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب * إنه على رجعه لقادر * يوم تبلو السرائر * فما له من قوة ولا ناصر﴾. مرت معنا هذه الآيات الكريمات مع بيان شيء من معانيها. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله ﴿والسماء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع﴾، قال: المطر لعوده كل حين، والأرض ذات الصدع قال: الشق عن النبات. هذه الآية في قوله سبحانه وتعالى ﴿والسماء ذات الرجع﴾ هو أسلوب قسم، أسلوب قسم يقسم ربنا عز وجل. وقد مضى معنا أن الله عز وجل إذا أقسم بشيء فإن هذا لا يخرج عن أحد وجهين، كما قال الأبو قاسم القشيري رحمه الله تعالى: القسم بالشيء إما لفضله أو لمنفعته. وننظرها هنا في هذه الأقسام التي أقسم بها ربنا الرحمن جل في علا، فقال: ﴿والسماء ذات الرجع﴾، هنا قال: الرجع المطر، أي أقسم ربنا عز وجل بالسماء ذات المطر هنا للمنفعة، وسمي المطر رجعًا كما قال المؤلف لعوذه كل حين، أي أنه يرجع، تأتي السماء هذه السماء بأمطار ثم تذهب، ثم تأتي السماء بعد فترة بالمطر وهكذا تأتي وتروح. وقد قال القرطبي رحمه الله تعالى معلقًا على هذا المعنى: هذا قول عامة المفسرين على أن السماء ذات الرجع أي السماء ذات المطر. قال: والأرض ذات الصدع قال: أشق عن النبات، أي أقسم ربنا بالأرض وهي التي تتشقق، تتشقق لماذا وبماذا؟ قال: أشق عن النبات، ويدخل في ذلك الأشجار، ويدخل في ذلك الأنهار، وهذا من آثار رحمة الله من الأمطار نزلت، فإذا بالأرض تهتز وتتشقق، فتخرج منه النباتات والأعشاب والأشجار والأنهار والعيون تتفجر منها العيون، كل ذلك تشققات في الأرض. فأقسم ربنا عز وجل بهذا ﴿والسماء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع﴾ على ماذا؟ أقسم ربنا جل وعلا هنا الجواب: ﴿إنه لقول فصل﴾، قال: يفصل بين الحق والباطل. أقسم ربنا عز وجل على أن هذا القرآن هو قرآن فصل، هو كتاب فصل، وفصل هنا بمعنى فاصل، فصل بمعنى فاصل، أي أن مما جاء به القرآن وهو وحي السماء أن الله عز وجل فصل به بين الحق والباطل. فالقرآن هو كتاب هداية وكتاب إرشاد للبشرية جمعاء، فمن كان في حيرة من أمره ولا يدري عن حال هذه الدنيا فليقبل على قراءة القرآن، فحينها سيتميز له الحق من الباطل والخير من الشر والهدى من الضلال. فقال سبحانه: ﴿إنه لقول فصل * يفصل بين الحق والباطل﴾. وهنا فائدة أشار إليها جماعة من المفسرين في هذه الأقسام، القسم الأول مضى معنا في قوله تعالى ﴿والسماء ذات البروج﴾، والقسم الثاني ها هنا ﴿والسماء ذات الرجع﴾، هل هناك علاقة بين هذه الأقسام؟ يذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الرابط بين هذه الأقسام ما جاء في عظمة القرآن. فالقسم الأول ﴿والسماء ذات البروج﴾ واليوم الموعود وشاهد ومشهود في قوله سبحانه وتعالى ﴿والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق * النجم الثاقب﴾، هنا علاقة القسم الأول ﴿والسماء ذات البروج﴾ إلى النجم الثاقب، علاقته بالقرآن أن النجم قد مر معنا أن النجم هنا على القول الصحيح اسمه جنس، وهي النجوم التي ترمى بها الشياطين، ولماذا ترمى الشياطين بالنجوم؟ حماية لكتاب الله ولوحي السماء، حماية للقرآن. وفي القسم الثاني هذا الذي بين أيدينا، وفي قوله تعالى ﴿والسماء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع * إنه لقول فصل﴾، أقسم ربنا عز وجل بهذه الأقسام لبيان عظيم منفعة القرآن. فالقسم الأول أقسم ربنا عز وجل إشارة إلى حماية القرآن، والقسم الثاني الذي بين أيدينا إشارة إلى حماية الله أو لبيان عظمة القرآن. فبعض العلماء يشير إلى أن هذه الأقسام القسم الأول والثاني كل ذلك تجتمع في مسألة تعظيم القرآن، فالأول في الحماية والثاني في بيان المنفعة. قال: ﴿إنه لقول فصل﴾، قال: يفصل بين الحق والباطل، قال: ﴿وما هو بالهزل﴾، قال: باللعب والباطل، حاشا ليس القرآن بشيء يتلهى به أو أنه كسائر الكتب الدنيوية، بل هو ليس بالهزل، ليس باللعب، بل إن كتاب الله عز وجل فإن أخباره صدق وأحكامه عدل، فهو حق من كل وجه، كل الوجه. فالقرآن إما أن يحتوي على خبر فخبره صدق، وإما أن يحتوي على حكم فحكمه عدل، وبهذا أشار ربنا في قوله سبحانه وتعالى ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلاً﴾، صدقًا وعدلاً، هذا القرآن ما يخرج عن هذا الوصفين، إما خبر مصدق وإما حكم مطبق، فهو خبر صدق وحكم عدل. قال: ﴿وما هو بالهزل﴾، أي باللعب والباطل. إنهم أي الكفار يكيدون كيدًا، يعملون المكايد للنبي صلى الله عليه وسلم، أي أن الكفار من وصفهم أنهم يكيدون، يتخذون الكيد، ومن تتبع في سيرته عليه الصلاة والسلام يعلم عظيم الكيد الكفار لنبينا، أن تمالت جميع الأمم الكفار واليهود والنصارى بزمنه على إضرار، على محاولة الإضرار برسول الله، فكانوا يكيدون، وهذا الكيد لم ينتهي، لم ينتهي في زمنه، بل لا زال يكيدون إلى الآن وإلى أن تقوم الساعة. وتجد أن التعبير القرآن هاهنا يكيدون بالفعل المضارع، والذي من فوائده الاستمرارية، فهم كانوا ولا زالوا يكيدون، فهم بلا كلل ولا ملل يكيدون لهذا الدين في دفع ورد الحق وزرع ونشر الباطل. قال: ﴿إنهم يكيدون كيدًا﴾، قال: ﴿وأكيد كيدًا﴾، قال: أستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأكيد كيدًا، أي أن الله عز وجل يكيد، يكيد لأعداء الدين، وهذه الآية إخواني في الله أقف عندها ثلاث وقفات على عجل. الفائدة الأولى أن هذه الآية ﴿وأكيد﴾ فيها إثبات لصفة من صفات الفعل الإختيارية لله جل في علا، فالله أثبت لنفسه أنه يكيد سبحانه، إلا أن العلماء نبهوا على عدة أمور. الأمر الأول على أن هذه الصفة لا يشتق منها اسم، وهذا بالاتفاق لا يشتق منها اسم، فلا يقال عن الله كائد لهذا الفعل لا، فهذا الفعل لا يشتق منه اسم. الفائدة الثانية أن هذا الفعل يسميه العلماء من أفعال المقابلة، معنى أفعال المقابلة أن الله جل وعلا إنما يتصف بها إذا عامله بمثلها. فالله يكيد لكن هل هذا الفعل مطلق؟ الجواب لا، ليس مطلقًا، وإنما ربنا جل وعلا يكيد بمن يكيد به وبدينه. والله عز وجل يمكر لكنه سبحانه وتعالى يمكر بمن يمكر بدينه وبأوليائه. والله عز وجل يخادع، مطلقًا لا، يخادع من خادع دينه وخادع أهله، يخادعون الله وهو خادعهم. فتجد ولهذا تجد أن السياق هذه الآيات ما تأتي مطلقة وإنما تأتي بمقابل، بمقابل كما قال عمر مثلاً: قال عمر «لست بالخب ولا الخب يخدعني». فالإنسان إخواني في الله لا يتحلى بصفة الخداع أو المكر أو الكيد، بل هذه صفة الذنب في حقك، لكن تشكر عليها متى؟ إن عاملت بها من يستحق أن يعامل. فإذا جاء قوم أشرار أكادوا أن يكيدون بك، فأنت استطعت أن تكيد بهم، هذا يضرب المثل بأنك بصير وأنك دبيت تدبر حالك لأنك لست في غفلة. وهكذا إذا رأيت من يستهزئ به، لكنك تستهزئ بهم قبل أن يستهزئ بك، لا فيه شيء، تعامل من يستحق المعاملة، ولله المثل الأعلى. فالله يكيد بمن يكيد بدينه وبأوليائه، ويمكر بمن يمكر بدينه وبأوليائه، ومنها هذه الصفة، فقال: ﴿ويكيدون كيدًا وأكيد كيدًا﴾، ما جاءت هذه الصفة إلا بمقابل كيد الكفار، حتى يعلم الكفار أن هذا الدين ليس سبهلل، بل الله عز وجل عليم بأعدائه، وأنهم كما يعدون المكر في القضاء عليه، فالله عز وجل قد أعد ما فيه القضاء عليهم، وهذا فيه بيان عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى. الفائدة الثالثة أن من صور كيد الله على الكفار ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى أنه يستدرجهم من حيث لا يعلمون، هذا من صور الكيد، وليس هو الكيد كما يظنه بعض الناس لا، من صور كيد الله أن الله عز وجل يكيد بالكافر من ذلك أنه يستدرجه، يعطي يعطي للكافر ما فيه استغفال له، يعطيه يعطيه يعطيه حتى أن الكافر يطمئن لما هو فيه، يطمئن ولا يحسب حسابًا لعقوبة الله ولا لمآلات الأمور، لكنها ما هي إلا فترة ويأخذه الله طرفة عين. ولهذا صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معصيته، فليعلم أن ذلك منه استدراج». وهذا للأسف نجده كذلك من بعض المسلمين من المغفلين، تجده يلج في ترك الصلاة وفي ترك الصيام وفي ترك الدين، ما يسجد لله السجدة أبدًا، ما يعلم لا في بيته ولا في بيت من بيوت ربه، ومع ذلك يعطيه ربنا تجارات أموال، حتى أن من الناس من أهل الإسلام من يستحسر قل: إيش هذا؟ نحن في صلاة وفي صلاة وعبادة، والله المستعان وأمورنا يالله، لكن ذاك المعرض المدبر في الزنا والخنى والربا، والله يعطيه. لكن لا يا عبد الله، هذا من كيد لا على هؤلاء أن هذا استدراج، يستدرجه، إن الله ليمل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلت، يأخذه ربنا عز وجل أخذ عزيز مقتدر، هذا من كيد الله لأعداء دينه. فقال رحمه الله تعالى: ﴿وأكيد كيدًا﴾، قال: أستدرجهم من حيث لا يعلمون. قال: ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدًا﴾، قال: تأكيد، حسنه مخالفة اللفظ، حسنه مخالفة اللفظ، قال: أي انظرهم، مهل الكافرين أمهلهم، هنا توكيد، فقال: حسنه مخالفة اللفظ، المعنى واحد، لأن هنا في الآية الأولى مهل، وفي العبارة الثانية أمهل، مهل وأمهل معنى واحد، توكيد، لكن ما الذي صار تغير في اللفظ فقط؟ مهل فعل مضعف، وأمهل فعل مهموز. قال: هنا رحمه الله تأكيد لأن المعنى واحد، قال: حسنه مخالفة اللفظ، أي أن الله خالف بين هذين اللفظين أمهل ومهل، معنى واحد، لكن تغاية الألفاظ لحكم بلاغية بيانية. فمهل هو انتظار، وأمهل هو كذلك انتظار. قال: تأكيد، حسنه مخالفة اللفظ، أي انظرهم رويدًا، قال: قليلاً، رويدًا يعني يا محمد أمام ما يفعله الكفار أمهلهم قليلاً، أمهلهم قليلاً رويدًا. قال: قليلاً، وهو مصدر مؤكد لمعنى العامل، مصغر رود، رود على وزن عود مصغر رود أو إرواد على الترخيم. طيب هذا مسألة بلاغية، رويدًا رويدًا هو أصل الكلمة رود أو إرواد، هي مصدر أصلها رود أو إرواد، لكن هنا جاء المصدر بالتصغير، يسمى بالترخيم، جاء بالترخيم وهو رويد رويد. فقال رحمه الله: وهو مصدر مؤكد لمعنى العامل، العامل الأمهل هو الانتظار، وهنا قليل هو نفسك بمعنى مقابل، فهو التأكيد لمعنى الانتظار، أي أن يا محمد أمهل هؤلاء الكفار إمهالاً قليلاً، قريبًا سيأتيهم ما يضرهم. فقال: مصدر رود أو إرواد على الترخيم، أي أن هذا المصدر جاء مصغر رويد رويد، والأصوب إرواد، أمهلهم إروادًا، لكن جاء بالترخيم وهو التصغير رويدًا. قال: وقد أخذهم الله، تعالى ببدر، قال: ونسخ الإمهال بآية السيف، بالأمر بالجهاد والقتل، أي هذا الذي في حق الله أن الله أخذهم، أما أنت يا محمد كونك تهمل أو تمهل الكفار لا، ليس للأبد، الله عز وجل أمر نبينا أن يمهل، أنه ينتظرهم، يتركهم، لأنه في تلك الأوقات وهي في العهد المكي، كان على ضعف عليه الصلاة والسلام، وما أمره الله عز وجل بالجهاد ولا بالقتال، وإنما أمره بالكف والصبر، بالكف والصبر والترك والإمهال، ولا يتصدى للكفار لا، وهذه الآية من هذا الباب. فأمهلهم تركهم وتركهم يا محمد، لكن هل هذا الإمهال استمر؟ لا، قال المؤلف رحمه الله: ونسخ الإمهال بآية السيف، بالأمر بالجهاد والقتال، أي ترك نبينا قتال الكفار وأمهلهم وتركهم إلى أن جاء العهد المدني وتحوّل المدينة وأقام دولة الإسلام، جاءت بعد ذلك الآيات الآمرة بالقتل والقتال. يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: سورة الطارق كلها محكمة، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ إلا آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿فمهل الكافرين﴾، بس هذه الآية الذي جاءها النسخ، حتى لا يفهم أن ﴿فمهل الكافرين﴾ يتركهم خلاص مطلقًا لا، فإنما هذه المرحلة، ثم نسخت هذه الآية بما كان من آيات القتل والجهاد. وبهذا إخواني فإن الله قد انتهينا من قراءة سورة الطارق من تفسير الجلالين إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.