الدرس في تفسير سورة الطارق من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
سورة الطارق مكية وعدد آياتها سبع عشرة آية، وبدأ الإمام المحلي تفسيرها من تفسير الجلالين.
يفسر الشيخ الآيات المتعلقة بالطارق ويربطها بالنجم الثاقب، ويوضح جواب القسم بأنه كل نفس عليها حافظ.
الآية تشير إلى حفظ الملائكة للنفس، إما لحفظ الأعمال أو الحراسة، وذهب ابن كثير إلى الجمع بين القولين.
ذهب ابن كثير إلى أن الله يجعل للإنسان أربع ملائكة، إثنان للأعمال وإثنان للحراسة، مما يظهر أهمية العلماء في التفسير.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال إمام المفسرين المحلي جلال الدين رحمه الله: سورة الطارق مكية، وآياتها سبع عشرة آية. هذا أوان الشروع في تفسير سورة طارق من تفسير الجلالين. وأول ما بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بذكر الإسم، قال: سورة الطارق، هذا اسمها في المصاحف وفي كتب التفاسير سورة الطارق. وجاءت في السنة باسم «والسماء والطارق»، كما جاء ذلك من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم العشاء، فقرأ «والسماء والطارق». فإسم هذا وذاك سورة الطارق. قال رحمه الله تعالى: مكية، وهذا بالاتفاق أنها مكية. ومضى معنا كثيرًا أن المكي ما نزل قبل الهجرة. قال: وآياتها سبع عشرة آية، ولا إشكال في العد. قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم والسماء والطارق﴾، قال: أصله كل آت ليلة، ومنه النجوم لطلوعها ليلة. قوله سبحانه وتعالى: ﴿والسماء والطارق﴾، هذا أسلوب قسم، أقسم ربنا عز وجل بالسماء، وأقسم سبحانه وتعالى بالطارق. هنا سؤال: هل يجوز القسم بالمخلوقات؟ الجواب: لا، لا يجوز القسم بالمخلوقات. قال عليه الصلاة والسلام: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، ما هناك إلا القسم بالله جل في علاه. طيب، كيف نرى مثل هذه الآيات: ﴿والسماء والطارق﴾، ﴿والضحى﴾، ﴿والفجر﴾ أنها قسم بالمخلوقات؟ هذا أمر لله جل في علاه، فربنا يقسم بما شاء وكيف يشاء جل في علاه، هذا لله سبحانه وتعالى. أما أنا وأنت وسائر البشر، لا أحد يقسم إلا بالرب سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ﴿والسماء والطارق﴾، قال: أصله كل آت ليلة، الطارق في اللغة هو الذي يأتي ليلًا، الذي يأتي ليلًا يقال طارق. وقد جاءت الأحاديث منها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجل أن يطرق أهله ليلة، نهى الرجل أن يطرق أهله ليلة، يطرق أن يأتيهم بغتة، يأتيهم في الليل لا يفاجئهم. فقال هنا: ﴿وما أدراك ما الطارق﴾، هذا زيادة إبهام، لكن هنا يراد به التعظيم والإعظام. أقسم ربنا بطارق بشيء يأتي ليلًا، أنت منتظر الجواب، لكن زاد الإبهام: ﴿وما أدراك ما الطارق﴾، ما تدري ما هذا الطارق الذي يأتي ليلًا؟ فهنا زيد بالإبهام لإظهار مدى الإعظام لهذا. قال: ﴿النجم الثاقب﴾، هذا هو الطارق، هنا تم الفصح والبيان عن هذا الطارق الذي يأتي ليلًا، وما هو الطارق؟ هو النجم، النجم الثاقب، المضيء لثقبه الظلام بضوءه. قال سبحانه وتعالى: ﴿وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب﴾، إذن هذا هو الطارق الذي أقسم به الرب عز وجل، هو النجم الثاقب، ثاقب بماذا؟ ثاقب بضوءه، لأن النجوم متى تظهر؟ هل تظهر في النهار؟ الآن لم تظهر، إنما سلطانها يظهر ليلًا عند الظلام والظلمة، حين تجد الضوء يثقب ثقبًا. قال: وجواب القسم: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾، وجواب القسم إذن ربنا أقسم، ما المقسم به؟ ﴿والسماء والطارق﴾، ما المقسم عليه؟ هذا: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾. قال رحمه الله تعالى: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾، قال: بتخفيف ماء فهي مزيدة، وإن مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي إنه. ولا مفارقة. وبتشديدها، فإن نافية، ولما بمعنى إلا، والحافظ من الملائكة، يحفظ عملها من خير وشر. المؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى أن هذه الآية تقرأ على لفظين، اللفظ الذي نحن نقرأها في قراءة عاصم: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾، والقراءة الثانية بتخفيف: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾. فعلى قراءة التخفيف أو على قراءتنا: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾، إن تكون هنا إن نافية، ولما تكون بمعنى إلا الاستثنائية. يكون المعنى الآية كاملًا: أي ما كل نفس إلا وعليها حافظ. اختلف العلماء من المعني بالحافظ ها هنا، القول الأول: أن الحافظ المقصود به هو الله سبحانه وتعالى، هو الحافظ، كل نفس يحفظها برعايتها والعناية بها وبالاطلاع عليها وبتدبير أمرها وأحوالها، لا يعزب عنها عنه شيء من أحوالها ولا من أقوالها ولا أفعالها. والقول الثاني: وهو الذي عليه أكثر العلماء، قالوا: ليس الآية تحدث عن الله، فليس المقصود بالحافظ هو الرب، وإنما المقصود بها الملائكة، المقصود بها الملائكة هم المعنيون بالحافظ، نعم جئ بالإفراد والمقصود بجمعهم أي الحفظة. هؤلاء الذين ذهبوا إلى أن المقصود: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ أي من الملائكة، اختلفوا في هذه الملائكة التي تحفظ، تحفظ ماذا؟ انقسم العلماء إلى قسمين، منهم من ذهب وهم أكثر العلماء إلى أن المقصود بالملائكة الحفظة هي التي تحفظ أعمالك خيرًا أو شرًا. والقول الثاني: من قال أن المقصود بالحفظ الملائكة هم الذين يحفظونك بمعنى يحرسونك، الحفظ هنا بمعنى الحراسة. فالله عز وجل وكل إليك ملائكة تحرسك. نرجع فنقول: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾، قيل: الحافظ هو الله على قول، والقول الثاني: حافظ هم الملائكة، وهو الأكثر والأشهر. ومن قال بأنهم الملائكة اختلفوا على قولين: من حفظ الذي تقوم به الحفظة؟ القول الأول: قيل بأنهم حفظ بمعنى يحفظون أعمالك، والقول الثاني: أنهم حفظ بمعنى حارس يحرسونك من أي أذى. وذهب ابن كثير رحمه الله تعالى إلى الجمع بين القولين، وأن الله عز وجل يجعل لك أربع من الملائكة، إثنين بحفظ أعمالك، واثنين بحفظ حراستك. والله تعالى أعلم. نكتفي إلى هذا الحد، إلى هنا. وفي غد بإذن الله نواصل ما بقي من السورة. والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.