الدرس في تفسير سورة النبأ من تفسير الجلالين 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع الأول أسلوب المثاني في القرآن وتأثيره على المسلمين بجعلهم بين خوف ورجاء، مما يحفزهم على التوبة والعمل الصالح.
يفصل هذا الجزء وصف الجنة في القرآن، حيث وصفها الله بأنها مفازًا للمتقين وتحتوي على حدائق وأعناب، ويوضح معاني هذه الصفات للترغيب.
يتناول هذا الجزء تفسير آيات القرآن المتعلقة بنعيم الجنة، ويشرح معاني كلمات مثل 'كواعب أتراب' و'كأسا دهاقا'، ويصف نعيم الجنة والحور العين.
يختتم هذا الجزء الحديث عن سورة النبأ ويشير إلى استمرار الحديث في يوم لاحق، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله ﴿إن للمتقين مفازا﴾ في الآيات السابقات: إخواني في الله، ذكر ربنا عز وجل ما يتعلق بأحوال أهل النار، وذكر سبحانه وتعالى ما يتعلق بشيء من عذابهم ونكالهم، وذكر أنه قال للطاغين مآبًا، لابثين فيها أحقابًا، لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا إلا حميمًا وغساقًا. وبعد أن ذكر ربنا عز وجل ما يتعلق بأحوال أهل النار، قال سبحانه ﴿إن للمتقين مفازا﴾، حدائق وأعنابًا إلى آخر الآيات. وهذا الأسلوب يعبر عنه العلماء بأنه من أسلوب المثاني في القرآن، فإن من معاني مثاني القرآن أن الله عز وجل يذكر أشياء وأحوالًا، ثم يذكر ما يقابلها. فتجد أن آيات مثلًا تذكر أحوال الكفار، وبعدها تتبع بذكر أحوال أهل الإسلام، وهكذا. الذي بين أيدينا بعد أن ذكر ربنا عز وجل أحوال أهل النار، ذكر الآن جل في علاه أحوال أهل الجنة، فيذكر الشيء ثم يذكر ما يضاده أو ما يقابله. ومن فوائد هذا الأسلوب -كهذا الذي بين أيدينا- من ذكر الجنة وبعد ذلك ذكر أهل النار أو العكس، فيه أن المسلم يكون بين الخوف والرجاء. فإن المسلم إذا علم ما أعده الله لأهل النار من العذاب والنكال خاف وتاب وأناب، فلا زال في تخوف. فإذا ذكر ربنا عز وجل وذكره بأحوال أهل الجنة وما كان من نعيمها، رجاءه الرجاء وجاءه الطمع وجاءه الترقب، فلا زال طامعًا راجيًا. وهكذا المسلم ينبغي أن يكون في هذه الدنيا بين خوف ورجاء، بين خوف ورجاء. فقال سبحانه ﴿إن للمتقين مفازا﴾، قال: مكان فوز في الجنة. ﴿إن للمتقين مفازا﴾، قال: مفازًا، مكان فوز. مفاز أي المكان الذي يكون فيه الفوز وأعظم مكان ستجد فيه الفوز يا عبد الله يوم القيامة هي الجنة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. أصبحت يا عبد الله في مفازة، في مكان فوز وظفر. وتأمل في قول الله عز وجل ﴿إن للمتقين﴾، إن حرف تحقيق، أي أن هذا أمر واقع وحاصل، أن هؤلاء سيجدون المفاز وسيجدون الجنة ملجأ لهم وملاذًا، لكنهم على هذا الصنف وعلى هذا الوصف أنهم من المتقين. فمن كان لله متقيًا، فالله جل وعلا وعده بالجنة. فالتقوى يا عبد الله في هذه الدنيا أن تتق الله ما استطعت في فعل الطاعات، في فعل الأعمال والواجبات. ومن معاني التقوى أن تتق الله في فعل الحرام فتتقيه، فتجتنبها وتبتعد عنها. فمن كان هذا حاله، قد وعدنا ربنا بهذا الوعد ﴿إن للمتقين مفازا﴾، فنعلم حينها أن الجنة ليست بالأماني ولا بالتمني، وإنما بالأعمال وجد واجتهاد. ﴿تلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾. قال: حدائق، قال: بساتين، بدل من مفازًا أو بيان له. وأعناب عطف على مفازًا. بعدما ذكر ربنا عز وجل ﴿إن للمتقين مفازا﴾ أي مكان فوز وهي الجنة، أشار ربنا عز وجل إلى بعض صفات الجنة، فقال فيها وعنها: حدائق وأعنابًا، أي أن هذه الجنة من صفاتها أنها عبارة عن حدائق وأعناب. قال العلماء: إنما يذكر ربنا عز وجل شيئًا شيئًا، ولهذا يقول: هذا بدل بعض من كل، أو بدل اشتمال. وإذا قيل: بدل كل من كل، قالوا: من باب المبالغة، وإلا ليست الجنة عبارة عن حدائق وأعناب، وإنما هذا جزء من الجنة. وإنما يذكر ربنا عز وجل شيئًا من صفات الجنة للترغيب والتشويق، للترغيب والتشويق لها. فقال سبحانه: حدائق، قال المؤلف: بساتين، بدل من مفازًا، أي أن هذا المكان الذي نجد فيه الفوز وهي الجنة هو عبارة عن حدائق. والحدائق هي بساتين، لكن ما الفرق إذن بين الحدائق والبساتين؟ الفرق بينهما أن الحدائق هي عبارة عن بساتين، لكنها مستورة أو مسورة. الحدائق عبارة عن بساتين، لكنها مسورة إما بجدار من حجر أو من مدر أو بجدار من نخيل مثلًا أو أشجار تحيط بها، فهي محدقة بها، محدقة بها حديقة. قال: وأعناب، حدائق وأعناب، قال: عطف، أي وهذه الجنة أيضًا فيها الحدائق وفيها الأعناب. وقال العلماء: إنما جئ بذكر الحدائق والأعناب لمناسبة، وما المناسبة؟ قالوا: أن الحدائق فيها قرة عين لكل ناظر، وأن الأعناب فيها لذة لكل آكل. مع العلم والتنبيه على أن ما نسمعه الآن عبارة عن أسماء، أسماء عنب، لكن هل عنب الآخرة في الجنة كعنب الدنيا؟ لا، كما قال ابن عباس: ما عندنا إلا الأسماء، وأما عنب الآخرة فشيء آخر، فشكله وحجمه وطعمه أمر لا يعلم به إلا الله جل في علاه. قال رحمه الله تعالى: وكواعب، قال: جواري تكعبت ثديهن، جمع كاعب، أتراب على سن واحد، جمع ترب بكسر التاء وسكون الراء. ذكر أيضًا ربنا جل وعلا من نعيم الجنة ما يكون من الحور العين، فذكر الحدائق المناظر، وذكر العنب أنموذجًا على الأكل اللذيذ، وذكر كذلكم الحور العين. فجاء في وصفهن أنهن كواعب، قال: جواري تكعبت ثديهن، جمع كاعب. ومعنى تكعبت ثديهن، أي في وصف صدورهن بأن صدورهن قد تبرز وأصبح كالكعب، لم يتدل. وهذا من عنوان جمال المرأة قديمًا وحديثًا. قال رحمه الله تعالى عند قوله تعالى ﴿وكأسا دهاقا﴾، قال: خمرًا مالئة محالها. وفي سورة الإنسان ﴿وأنهار من خمر﴾. في قوله تعالى ﴿وكأسا دهاقا﴾ أي مما يتنعم به أهل الجنة: حدائق وأعناب وحور عين، كواعب أتراب، وهكذا الشراب. فمما يعطون من الشراب، قال: خمرًا، خمرًا مالئة محالها. بقي من أين استفاد المؤلف أنها خمر مع أن الآية ليس فيها الإشارة بالخمر لا من قريب ولا من بعيد، وإنما قال ربنا ﴿وكأسا﴾، وكأسًا هذا ليس تفسير الناظم، بل ليس تفسير المفسر. بل كل مفسر جاء ومن قبل ومن بعد فسر هذه الآية على الخمر، لماذا تكالبوا على هذا المعنى؟ لأن العرب ما يطلقون الكأس إلا التي فيها خمر، هذا الأصل في اللغة، هذا هو الأصل في اللغة. إذا قيل: ورأيت فلانًا معه كأس، إذن اعلم أن معه خمر. قال رحمه الله تعالى: لا يسمعون فيها لغوًا وباطلًا من القول، ولا كذابًا. كذابًا قال بالتخفيف أي كذبًا، وبالتشديد كذابًا، هذا على قراءتنا، أي تكذيبًا من واحد لغيره. بخلاف ما يقع في الدنيا. العلماء في هذه الآية على تفسيرين اثنين. لا يسمعون فيها، الضمير يعود إلى ماذا؟ في هذه الآية. من أهل العلم من ربط هذه الآية بالآية السابقة، وأن الحديث يتحدث عن الخمر، فأهل الجنة إذا شربوا الخمر لا يسمعون فيها، هنا قالوا: في بمعنى الباء، أي السببية. أي لا يسمعون بسببها، لا يسمعون بسبب شرب الخمر ماذا؟ لغوًا ولا تكذيبًا، لغوًا أي لا كلامًا باطلًا، ولا كلامًا كذبًا. لماذا؟ لأن هذا قد عرف من خمر الدنيا، خمر الدنيا من شربها خرج عن العقل، كان خارج التغطية، لا يتصرف بتصرف العقلاء. نقف إلى هذا الحد، ويوم غد بإذن الله نواصل الحديث عن نهاية سورة النبأ. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.