الدرس في تفسير سورة النبأ من تفسير الجلالين 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتضمن تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالجزاء يوم القيامة، وشرح معنى 'جزاء من ربك عطاء حسابا' ودخول الجنة بفضل الله ورحمته. كما يتطرق إلى قراءات مختلفة لآية 'رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن'.
يتناول تفسير آية يوم القيامة حيث يقوم الروح والملائكة صفا، ويشرح معنى الروح وأقوال العلماء حولها، ويبين أن المقصود بالروح هو جبريل عليه السلام.
يوم القيامة قريب وسيأتي العذاب على كل من عمل شرا، حتى الكافر يتمنى لو كان ترابا، وسيكون هناك قصاص حتى بين البهائم.
تم الانتهاء من تفسير سورة عم، وسيتم البدء في سورة النازعات في الدرس القادم إن شاء الله، مع الدعاء للجميع بالتوفيق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله جل في علاه ﴿جزاء من ربك﴾، قال: أي جزاهم الله جل وعلا بذلك جزاء، قال عطاء: بدل من جزاء حسابا، أي كثيرا، من قولهم أعطاني فأحسبني، أي أكثر علي حتى قلت حسبي. في هذه الآية، في قوله سبحانه وتعالى ﴿جزاء من ربك عطاء حسابا﴾، عندما ذكر ربنا جل وعلا النعم التي ينعم بها أهل الجنة وهم في الجنة، مما يكون فيه قرة العين، وما يكون من تلذذ بالطعام والشراب، وبما يكون من الحور العين، وبما يكون من شرب كأس الخمور، إلى غير ذلكم، ولا يسمعون في الجنة لغوا ولا تأثيما ولا كذابا، بعد هذا كله قال ربنا ﴿جزاء من ربك﴾، قال: أي جزاهم الله بذلك جزاء، فالجزاء من جنس العمل. فلما عمل هؤلاء، وهم أهل التقوى، عملوا بالصالحات، جزاهم الله عز وجل بالأجر، لكن هذا الأجر هو أجر كبير عظيم، ولهذا قال عنه ربنا ﴿عطاء حسابا﴾، أي كثيرا. فلا تظن يا عبد الله أنك تدخل الجنة بعملك من باب الاستحقاق، لا، كما يقول المبتدعة: ما هناك أحد منا يستحق الجنة بعمله، لأن أعمالنا ضعيفة، وضعيفة جدا، لا تنهض بنا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله»، قالها عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله»، ما هناك أحد، لماذا؟ لأن أعمالنا ما تصل. انظر يا عبد الله إلى عملك، وانظر يا عبد الله إلى الجزاء الذي أعده الله. لو لم يكن من جزاء الجنة إلا الخلود الأبدي، الخلود السرمدي، يا ترى بماذا ستجازي هذه النعمة بعمل؟ انظر إلى أعمالك، ثم بعد ذلك تذكر النعم التي يمنها الله على من شاء من عبادي في الجنة، كثيرة جدا. وما عسى أن تكون قد عملت وفعلت؟ لكن الله يعطي عطاء من عنده سبحانه وتعالى، فربنا يعطي، فهو الرزاق، وهو الغفور، وهو الرحيم. وحسبك يا عبد الله من عظيم فضل الله أن الحسنة التي تعملها بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، هذا هو العطاء الذي تفضل به ربنا علينا. قال سبحانه: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن﴾، قال: بالجر والرفع، وما بينهما الرحمن كذلك، وبرفعه مع جر ربي، هذه أوجه من أوجه القراءات لهذه الآية. في قوله تعالى: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن﴾، لك في هذه القراءات في هذه الآية ثلاثة قراءات، إما بالجر، وإما بالرفع، وإما بالجر والرفع. وهي على النحو التالي: لك أن تقول: «رب» بالرفع، «رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن»، برفع الرب وبرفع الرحمن على الاستئنافية والخبرية. القراءة الثانية بالجر: «ربي»، كقراءتنا «رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن»، لأنها على البدلية، بدل من «ربك»، جزاء من ربك، بدل. القراءة الثالثة منوعة: تقول بالجر «ربي»، «رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن»، هنا ترفع الرحمن وتجر ربي، الجر على البدلية للقرب، والرحمن بالرفع للاستئناف. فهذه الأقوال الثلاث لهذا أشار المؤلف بقوله: «رب السماوات والأرض قال بالجر والرفع»، «ربي رب» قال، «وما بينهما الرحمن قال كذلك»، أي بالجر والرفع، قال: «وبرفعه مع جر ربي»، أي في القراءة الثالثة لك أن ترفع الرحمن مع جر ربي. قال: «لا يملكون» أي الخلق، منه تعالى خطابا، قال: أي لا يقدر أحد أن يخاطبه، خوفا منه، أي إذا قام الناس يوم القيامة وحشدوا في تلكم الساحة في ساحة الحشر، وحينها يأتي ربنا عز وجل لفصل القضاء، حينها ما هناك أحد يملك أو يقدر أن يهمس بهمس، الكل سكوت يعلوهم الصمت. قال: «يوم يقوم الناس لرب العالمين»، قياما يعلوهم السكوت والصمت، ولا يتجرأ أحد أن يخاطب الله سبحانه وتعالى، عظيم الخوف ذلك اليوم. قال: «يوم» ظرف للا يملكون، «يوم يقوم الروح» أي في هذا اليوم، يوم العصيب، يوم القيامة. قال: «يوم يقوم الروح» قال: جبريل أو جند الله، والملائكة صفا، حال أي مصطفين، لا يتكلمون، أي الخلق، إلا من أذن له الرحمن في الكلام، وقال قولا صوابا، من المؤمنين والملائكة، كأن يشفعوا لمن ارتضى. في هذه الآية ولا زال الحديث عن أحوال الناس يوم القيامة، «يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون»، يوم يقوم الروح، أي يوم القيامة، يقوم الروح والملائكة، الملائكة وعالم الملائكة سيأتي يوم القيامة، ومعهم الروح، وهنا الروح وقع الخلاف فيها ما هي الروح المعنية في هذه الآية؟ وأقوال العلماء تنوعت إلى أنه أقوال كثيرة، أوصلها بعضهم إلى ثمانية أقوال، إلى ثمانية أقوال، والمؤلف ها هنا أشار إلى قولين اثنين، إلى أن الروح جبريل، أو أنه جند الله، جند الله بمعنى أنه خلق من خلق الله. منه من قال: هي الأرواح، منه من قال: هو القرآن، منه من قال: هو ملك عظيم، الله أعلم، لكن الصحيح والله تعالى أعلم أن المقصود بالروح ها هنا هو جبريل عليه السلام. فقوله سبحانه وتعالى: «يوم يقوم الروح والملائكة» أي الملائكة مع جبريل، أي الملائكة تأتي ويكون معهم جبريل. لماذا نذهب إلى أن الروح هو جبريل؟ لأن كثيرا ما يأتي وصل جبريل بالروح، «نزل به الروح الأمين»، جبريل، وهو «الروح المقدس»، «الروح المنزه»، وهو جبريل. وأيضا يدلل على هذا الخطاب بما شاء شبيها مثله في قوله تعالى: «تنزل الملائكة والروح فيها»، أي في ليلة القدر، «تنزل الملائكة والروح فيها»، من الروح؟ جبريل. فهذا الأسلوب قد جاء في أكثر من موضع، ولهذا تحمل هذه الآية على تلك المواضع، فالصحيح أن الروح ها هنا هو جبريل عليه السلام، يأتي جبريل ويأتي الملائكة، ولا شك أن جبريل من جنس الملائكة، لكن ذكر على حدة لشرفه ولعظيم منزلته. قال رحمه الله تعالى: «والملائكة صفة» أي مصطفين، وهذا حالهم يأتون مصطفين صفا بعد صف، قال: «لا يتكلمون» أي الخلق، والملائكة كذلك، ما هناك أحد يجر على الكلام، حتى الملائكة مع عظيم منزلتهم وقربهم من ربهم جل وعلا، ما هناك أحد يتجاسر على الكلام. وعندما تحدث عن الملائكة أعدى تحدث عن كل ملك، عن كل ملك، كلهم ما يستطيعون أن يتجروا. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش»، «أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش»، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة. فما ظنك بباقي الجسد؟ الله أعلم بعظمة هذا الملك، وهو واحد من الملائكة، واحد من الملائكة العظام. فإذا كانت الملائكة بهذه الصفات، بهذه الصفات، ما يتجرؤون مع الله، فما ظنك يا عبد الله بمن اقترف الذنوب والمعاصي؟ وكيف بما يكون عليه من الخوف العظيم والوجل؟ أو الكافر والمشرك، ما عليه من حالة ومن خوف، ما يعلم بها إلا الله عز وجل. قال: «إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا» أي ما يكون الكلام إلا بشرطين اثنين، الشرط الأول أن يأتي الإذن من الله، ما هناك أحد يتكلم إلا إذا أذن الله له بالكلام، تكلم، والثاني: «وقال صوابا»، أن يأتي بقول خير، بقول حق. وهذا المقام أكثر مفسرين يذهبون إلى أنه مقام الشفاعة، مقام الشفاعة، إذا جاء الناس وقامت الخلائق وأرادوا فصل القضاء، فحينها يأذن ربنا عز وجل بالشفاعة، ولا يشفى أحد إلا بعد أن يأذن الله لمن شاء، وقال صوابا، وقال كلاما حقا. قال: «ذلك اليوم الحق» قال: الثابت وقوعه، وهو يوم القيامة، «فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا» قال: مرجعا، لأن الأوب بمعنى الرجوع. قال: «إنا أنذرناكم» أي كفار مكة «عذابا قريبا» لأن الآيات كانت تنزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو في العهد المكي، وهو قبل الهجرة، فكان الذي يخاطبهم من هم حوله، وهم كفار مكة. قال: «إن أنذرناكم» أي كفار مكة «عذابا قريبا» أي عذاب يوم القيامة الآتي، وكل آت قريب، وهذا هو القول الصحيح في تفسير العذاب. لأن من المفسرين من ذهب إلى أن النذار بعذاب الدنيا، «إن أنذرناكم عذابا قريبا» أي عذاب الدنيا، كأن رسول الله يتوعد الكفار إن لم يسلموا أن الله توعدهم بعقوبة الدنيا بما سيأتي من الغزوات والجهاد والقتال في سبيل الله، قيل هذا القول. لكن الصحيح ما ذهب إليه المفسر رحمه الله تعالى أن المقصود بالعذاب عذاب يوم القيامة. قد يقول: قال العذاب يوم القيامة بعيد، أين قريش وأين ما منيتهم؟ قد وفدت عليهم وأين القيامة إلى ما قامت؟ فكيف جاء النص القرآن بأن العذاب قريب؟ قال علماء: أن كل ما هو آت قريب، كل ما هو آت فهو قريب، إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا، فالقيامة قادمة. قال: «وكل آت قريب»، «يوم» ظرف لعذاب بصفته، «ينظر المرء» قال: كل مرء ما قدمت يداه من خير وشر. وهكذا الإنسان كل ما فعلته يا عبد الله من خير وشر سيأتيك كل شيء، حتى يقول الظالم: «ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها»، كل شيء محصي يا عبد الله، كما قد قارب، وعلى هذا الإحصاء يكون الحساب والعقاب، ويكون الجزاء والعذاب على هذا الإحصاء، «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره»، ذرة: الذرة الشيء اليسير، الهباب، هذا الهباء إذا فعلته خيرا يحاسبك الله عليه بالحسنات، وإن عملت بمثله شرا حاسبك الله عليه بالسيئات، وهذا من كمال عبد الله جل في علا. قال: «يومي» ويقول الكافر: «يا ليتني» قال: «يا» حرف تنبيه «كنت ترابا» يعني فلا أعذب، يقول ذلك عندما يقول الله تعالى للبهائم بعد الاقتصاص من بعضها لبعض: «كوني ترابا». فهذه الآية «يوم يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا»، «يا ليتني كنت ترابا»، اختلف العلماء، ما معناه وما مؤده؟ قيل: أن الكافر يتمنى أن يكون ترابا بمعنى أن يكون لم يخلق، لم يخلق، أن يكون على أصله، ما هو أصل خلقته التربة، التربة هذه أصل خلقة الإنسان، خلق من تراب، فيتمنى أن الله ما أوجده وما خلقه وما جعله يكون كائنا حيا، «يا ليتني كنت ترابا» أي لم أخلق أصلا. فيا سبحان الله هذا الكافر الذي تمتع بنعيم الدنيا بشهواتها ونزواتها وأسرح وأمرح، وهاه يتمنى أنه لم يخلق، وذلك لشدة ما يرى من العذاب، لشدة ما يرى من العذاب، يقول: «يا ليتني كنت ترابا»، هذا قول. والقول الثاني وهو الذي أشار إليه المؤلف، قال: عندما يقول الله تعالى للبهائم بعد الاقتصاص من بعضها لبعض: «كوني ترابا»، وهذا المعنى الثاني هو الأصوب، لأن هناك أحاديث دلت عليه، وهذه الأحاديث يحسنها جماعة من أهل العلم. أن الله عز وجل بعد أن يقتص من البهائم، البهائم الحيوانات يكون بينها قصاص، قصاص البهائم، وإن كانت غير مكلفة، لكن يقع بينها عدوان، هناك حيوان جريء يتغلب على الحيوان أضعف منه، ومن كان من جنسه، وهذه الخصومات التي بين الحيوانات يقتص سبحانه وتعالى بينهن، بين الكائنات، وبين الحيوانات، وبين الدواب. كما ذكر ذلك نبي لأبي ذر عندما مر على دبتين أو على عنزين ينتطحان، فقال له نبي: «أتدري أبا ذر فيما ينتطحان؟» قال: الله أعلم، قال: «لست أدري»، فقال له رسول الله: «إلا أن الله يدري وسيقتص بينهما»، الله سيقتص بين البهائم. ولهذا جاءت الأحاديث أن الله عز وجل لا يقتاد للشاة الجماء من الشاة القرناء، هناك شاة قرناء عندها قرون تنطح الشاة الجماء التي لا قرون لها، هذه التي بلا قرون مغلوبة على أمرها، تكسر، تضعف، تنهزم، لكن يوم القيامة يكون ماذا؟ القصاص، يؤتى بهذه التي فيها القرن فتمسك، ويؤمر الجماء بأن تنطح أختها حتى تستوفي حقها. وهذا يا عبد الله إذا فهم هذا المشهد، حين ستعلم بعظيم القصاص، إذا كان هذا بين الحيوانات، فما ظنك بين الأوادم؟ فكل من اعتدى على مسلم أو اعتدى على مسلمة بغير وجه حق، في دمه أو ماله أو عرضه، فليتحلل اليوم، يتحلل قبل أن يأتي ذاك اليوم الذي يكون فيه التحلل ولابد، شئت أم أبيت. بل حتى قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة أهل الجنة ولأحد عنده مظلم لأخيه»، حتى اللطمة باللطمة، حتى اللطمة، حتى اللطمة، وأنت من أهل الجنة، لكنك لطمت أحدا من الناس لطمة بعداوة بغير وجه حق، هذه فيها قصاص، ستلطم تلطم مقابل هذه اللطمة، وإن كنت من أهل الجنة، عدل عدل عند الله عز وجل سبحانه وتعالى. ولهذا الإنسان يستوفي حقوق الناس قبل أن يأتي ذاك اليوم، فالحاصل: البهام إذا اختص بينها، حينها يأمرها ربنا عز وجل بأن تكون ترابا، لأن ما وراها نعيم، ما وراها جنة، ولا وراها نار، فتعود ماذا؟ ترابا، فحينها الكافر يتمنى أن يكون حيوانا حتى يقال له: «كن ترابا»، لأن ليس هناك بعد ذلك عذاب، لكن يعلم أن ما بعد ذلك نار تلضى، سيعيش فيها أبد الآبدين. وبهذا إخواني في الله انتهينا من سورة «عم»، وغدا إن شاء الله إذا أطال في الأعمار سندخل في سورة «النازعات»، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.