الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 10، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يناقش المقطع خلاف أهل السنة في تقديم الحوض على الصراط أو تأخيره، ويرجح أن الحوض قبل الصراط والميزان بعده. كما يبين أن سقي النبي لأمته بيده الشريفة لا يثبت بدليل، وأن الملائكة هم من يسقون المؤمنين.
يفسر المقطع حديث أبي هريرة في تطويل الغرة والتحجيل بأنه يشمل آثار السجود والوضوء، ثم ينتقل لبيان عقيدة أهل السنة في الشفاعة المثبتة بالقرآن والسنة المتواترة. مبيناً شروطها بإذن الله ورضاه عن المشفوع له، ورداً على منكريها من الخوارج والمعتزلة.
يستعرض المقطع الأحاديث المتواترة في الشفاعة، ويصف مشهد يوم القيامة حيث يلجأ الناس للأنبياء طلباً للشفاعة، فتنتهي بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يشفع في تعجيل الحساب. ثم يشفع في إخراج المؤمنين من النار، مبيناً نوعي الشفاعة: العظمى في الموقف، والصغرى في إخراج أهل الإيمان من النار، ويختتم بالصلاة على النبي وذكر المترجمة.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في عقيدة الإمامين الجليلين أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي وأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، فيما سألهما عنه تلميذهما أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رحمه الله تعالى وغفر له. وكنا في المجلس الماضي في الكلام على الحوض، حوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكرنا مضمون ما في الأدلة الصحاح الثابتة في الصحيحين وغيرهما في بيان وصف حوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبقيت مسألة دخل الوقت فتركت، وهي: هل الحوض قبل الصراط أم بعده؟ لأن المصنفين رحمهم الله تعالى أخراه، فهل هذا مقصود؟ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل السنة على قولين، والراجح المعتمد، والراجح الأقرب وهو الأوفق، أن يكون أمر الحوض قبل الصراط. هذا الأوفق للأدلة كما يقول القرطبي وغيره من أهل العلم. فالأمر محتمل، لكن الأوفق للأدلة أن يكون الحوض قبل الصراط. وأما الميزان فبعد الحوض. وهذان السؤالان يتعلقان بالمجلس السابق: السؤال الأول: هل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسقينا بيده الشريفة أم أنه يناول أمته الأقداح؟ وما كيفية الشرب من الحوض؟ أولا: هذه الأمور أمور غيبية لا يخاض فيها إلا بتوقيف، لأنها من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. فمن تكلم بشيء فلابد أن يكون كلامه مستندا إلى أصل من الكتاب أو من صحيح السنة، لأن علم الغيب لا يجوز اقتحامه إلا بالدليل. والذي جاء في الروايات أن الملائكة تسقي المؤمنين من ذلك الحوض، فتقدم لهم الكيزان والكؤوس من ذلك الحوض، هكذا جاء في بعض الروايات الثابتة. وأما أن النبي صلى الله عليه وسلم يسقي أمته بيده فهذا يحتاج إلى دليل ونص واضح وصريح، ولم أقف على نص في هذا الموضع خاصة. ومن يدعي ذلك فعليه بالبرهان الواضح، لأن الأمر أمر توقيف، فالله أعلم. فما يدعو فدعاء بعض الناس قد يكون من التكلف المذموم، حينما يدعو بعض الناس فيقول: "اللهم اسقنا شربة من حوض يد النبي صلى الله عليه وسلم" أو "من حوض، اسقنا بيده الشريفة". هذا من التكلف والتنطع في الأدعية الذي جاء ذمه في كلام السلف. يكفيك أن تقول: "اللهم اجعلني ممن يسقى من حوض النبي صلى الله عليه وسلم"، "اللهم اسقني من حوض نبيك شربة لا أظمأ بعدها أبدا". وأما هذه الطريقة فتكلف مذموم في الدعاء. سمع جابر أحد أبنائه رضي الله عنه يقول: "اللهم أسكني القصر الأبيض عن يمين الجنة"، فقال: "إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنه سيكون أقوام يعتدون في الطهور ويعتدون في الدعاء. يا بني، يكفيك أن تقول: اللهم أدخلني الجنة". هذا من أدب الدعاء. أما هذه الحذلقة وهذه التفاصيل التي تحتاج إلى دليل فلا شك أنها من المواضع المنتقدة ومن التكلف المذموم. ونسأل الله عز وجل أن يسقينا من حوض نبينا صلى الله عليه وسلم شربة لا نظمأ بعدها أبدا. وهذه فائدة أرسلها أحد الإخوة: يقول: سئل العلامة الشيخ صالح الفوزان، حفظه الله، عن مسألة سقي النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بيده، فقال: "لا يثبت في ذلك شيء". فجزاه الله خيرا، فهو من العلماء الراسخين في مثل هذا الزمان. نسأل الله أن يحفظه وسائر علمائنا المسلمين. وهذا سؤال آخر أيضا: هل يفهم من قول أبي هريرة: "من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل"؟ كثرة السجود المراد في هذا اللفظ أوسع من هذا، فاللفظ فيه اختصار، لأن في بعض الروايات: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل". وفي بعضها: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته". فيحمل على أن الراوي اختصر الزيادة، وإلا فاللفظ المعتمد: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل". وهذه المسألة نظرا لكثرة الكلام فيها أفردت فيها رسالة وجزءا مستقلا عنوانه: "بشر السجد المتوضئين بطرق حديث: إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين". قالا رحمهم الله تعالى: والحوض المكرم به نبينا حق، والشفاعة حق. والشفاعة من المباحث العظيمة ومن الأبواب الجليلة، ضلت فيها الخوارج والمعتزلة، وهدى الله أهل السنة والجماعة فوافقوا النصوص وأخذوا بها. ولهذا نص عليها الإمامان، نص عليها هذان الإمامان. والشفاعة حق، أي ثابتة حاصلة على ما تقتضيه النصوص، ليس فيها شك ولا ريب. حق لا ريب فيه، نؤمن بذلك ونصدق به. والأصل في باب الشفاعة وإثباتها أدلة كثيرة في القرآن وفي السنة الثابتة الصحية. فالله جل جلاله يقول في كتابه الكريم: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ في سورة البقرة. فدلت هذه الآية على أنه بعد إذن الله توجد الشفاعة. دلت الآية على أن الله إذا أذن لأحد شفاعة وأن الشفاعة موجودة، لكن لها شرطان: فإن وجدَا حصلت الشفاعة. ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. الآية نص في أن الله جل وعلا إذا أذن وجدت الشفاعة. هذا هو الشرط الأول. ويقول سبحانه وتعالى في آية النجم: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. يقول سبحانه وتعالى في الآية الثانية: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، أي ارتضى قوله وعمله ورضي عنه. ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. فلابد من إذن للشافع ورضا عن المشفوع له بالشفاعة. فدلت الآية ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ على إثبات الشفاعة لمن ارتضى الله أمره وعقيدته وعمله وفعله. وقال جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. فدل على أن الشفاعة نافعة، دل على أن الشفاعة نافعة ثابتة لكن لها شروطا، منها أن تكون لمن أذن له. ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي أذن له بالشفاعة. وفي المقابل نفى الله نفع الشفاعة عن الكفار والمشركين، فقال عز وجل: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. هذا في الكفار. فإذا كان الكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين، دل مفهوم الآية على أن غير الكفار من المؤمنين تنفعهم شفاعة الشافعين، وإلا لاستوى العقاب بين الكافر والمسلم المؤمن. ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ هذا في الكفار. فهم من الآية أن هذا العقاب مختص بالكفار لأن شفاعتهم شركية، وأن المؤمنين تنفعهم شفاعة الشافعين. وأما من السنة فأحاديث الشفاعة بلغت مبلغ التواتر، بلغت مبلغ التواتر مما تواتر كما قال الناظم: «حديث من كذب، أي من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، أفرده الدارقطني بجزء، ذكره عن نحو أربعة وستين صحابيا. مما تواتر: حديث من كذب، ومن بنى لله بيتا واحتسب، ورؤية، شفاعة، الرؤية والشفاعة وبناء المساجد والحوض ومسح الخفين». وهذه بعض مما تواتر. حديث من كذب، ومن بنى لله بيتا واحتسب، ورؤية، شفاعة، والحوض، ومسح الخفين. وهذه بعض، أي بعض الأحاديث المتواترة على اصطلاح المحدثين. من السنة أحاديث الشفاعة كثيرة في الصحيحين، بعضها كحديث أنس في الصحيحين، وحديث أبي سعيد أيضا في الباب، حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأحاديث كثيرة في الباب. منها أن الناس يوم القيامة يأخذهم العرق، فمنهم من يلجمه العرق يلجمه، ومنهم من يأخذه العرق إلى ترقوته، ومنهم من يأخذه إلى صدره، ومنهم من يبلغ العرق إلى حقويه، ومنهم من يبلغ العرق إلى قدميه. فيضيق الناس في المحشر، وتدنو الشمس على رؤوس الخلائق قد رمى، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر أو أبو الناس، وأول من خلقه الله، اشفع لنا إلى ربك، يعني ليعجل الحساب. فيقول: لست هناكم، إن الله نهاني عن أكل الشجرة فأكلتها، اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض. فيأتون نوحا فيقولون: أنت أول رسول أرسلك الله إلى أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك ليعجل لنا في الحساب. فيقول: لست هناك، لست هناك، إني صنعت كذا وكذا، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم، اشفع لنا إلى ربك. فيقول: لست هناك، إني كذبت في الله ثلاث كذبات، أو بهذا المعنى، في بعض الروايات يذكر شيئا مما يراه ذنبا والله قد غفر لهم ذنوبهم أجمعين، عليهم السلام. اذهبوا إلى موسى كليم الله. فيأتون موسى فيقول: اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقول: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: فيأتوني فأقول: أنا لها، فأقع ساجدا عند العرش، فيفتح الله علي بمحامد لم يفتح بها على أحد قبلي ولا يفتح بها على أحد بعدي. فيقال لي: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. قال: فأشفع في تعجيل الحساب عن الخلائق كلهم، وهذا هو المقام المحمود للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ثم أسجد، فأرفع رأسي، فأقول: يا رب، أو يا ربي، أمتي أمتي. فيقول الله: إنا لا نخزيك في أمتك، إنا لا نخزيك في أمتك. فيقول الله: اذهب، فمن وجدت في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجهم من النار. قال صلى الله عليه وسلم: فأخرجهم من النار، فيحد لي حدا فأخرجهم من النار. ثم أذهب وأقع ساجدا، فأقول: يا رب، أو يا ربي، أمتي أمتي. فيقال: اذهب، فمن وجدت في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه. قال: فأذهب فأخرجهم، فأقول: يا ربي، ما بقي إلا من حبسه القرآن، أي من الكفار الذين قال الله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. لم يبق إلا هذا الصنف في النار. هذا أيضا في أحاديث الشفاعة. إذن هذان نوعان من الشفاعة: شفاعة العظمى في تعجيل حساب الناس في الموقف، وهذه عامة في الخلائق، وهي المقام المحمود للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليقضي الله بين العباد. وهذا يغبطه فيه، يغبطه، يغبط النبي صلى الله عليه وسلم فيه الأولون والآخرون، كما في بعض الروايات. والكلام في الشفاعة له ذيول، لعلنا، لعل الكلام يرجع إلى المجلس القادم إن شاء الله تعالى. هذا، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.