الدرس في شرح كشف الشبهات 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المفهوم ويبين رفض الإسلام لاتخاذ أوثان وملائكة وأنبياء وصالحين وسائط بين العبد وربه. الإسلام يؤكد أن التقرب والشفاعة حق لله وحده.
المشركون كانوا يقرون بوجود الله وخلقه ورزقه كما هو مذكور في الآيات القرآنية، ويستخدم هذا الدليل لمواجهة القبورية. الآيات تذكر اعترافهم بذلك.
كل الملل والنحل يعترفون بوجود الله، حتى مشركو العرب يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق وحده. المؤلف أشار إلى هذا الاعتراف في كلامه.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فمواصل أخواني في الله في شرح كشف الشبهات. وكان الوقوف عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وصائط بينهم وبين الله». وذكرنا أخواني في الله أن جعل الوصائط بين الله ينقسم إلى قسمين: إلى وصائط حميدة مطلوبة شرعًا، وإلى وصائط منهية. ويراجع في ذلك ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في رسالة اسمها «الواسطة بين الحق والخلق». رسالة ماتعة صغيرة، وأوضح فيها هذه القسمة، وأن الناس لابد لهم من وصائط بيننا وبين الله، وأن الغرض من هذه الوصائط التعليم والإرشاد والبيان. وهذه وصائط صحيحة ثابتة، ولا بد منها. وهناك وصائط باطلة، وهي التي تجعل بيننا وبين الله، وتصرف لها الطاعات والعبادات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «يقولون نريد منهم التقرب إلى الله ونريد شفاعتهم عنده مثل الملائكة وعيسى بن مريم وأناس غيرهم من الصالحين». تأتي مسألة وهي قد تكون من الأمور المعقدة. مر معنا أن الكفار لهم عبادات مع الله جل في علاه، يصومون وينذرون ويحجون ويذكرون الله، ثم بعد ذلك اتخذوا وصائط بينه وبين الله. وهذه الوصائط متعددة، منها من يتخذ ملكًا، ومنها من يتخذ نبيًا، ومنها من يتخذ صالحًا. هنا تأتي الغرابة، لماذا؟ ما الذي أحوج الكافر لأن يتخذ وسيطًا بينه وبين الله عز وجل؟ أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألتين اثنتين، ألا وهما التقرب والقرب، والثاني الشفاعة. هنا قال رحمه الله: «يقولون نريد منهم التقرب إلى الله ونريد شفاعتهم». أما المسألة الأولى وهو الطلب القرب من الله، فقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فهذه الحجة الأولى أن المشرك يتخذ الوسيط لكي يقربوه إلى الله. والحجة الثانية أنه يريد الشفاعة منهم، كما قال عز وجل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. والشفاعة هو التوسط للغير. إذن علمنا أن الكافر يتخذ وسيطًا بينه وبين الله لمسألتين: التقرب، والشفاعة. هل هناك فرق بين التقرب والشفاعة؟ نعم هناك فرق. التقرب يراد منه نيل المكرومات، والشفاعة يراد منها التجاوز عن المعيبات. فالمشرك إذا أراد أن يزداد منزلة عند الله جل في علاه، فهو يتقرب إلى هذه الأصنام. وإن أراد المشرك أن يتجاوز عن ذنوبه وعن سيئاته وعن أخطائه، فهو يتخذ هؤلاء الأصنام شفعاء بينه وبين الله. هنا القربة والتقرب والشفاعة، هذا المراد من هذا وذاك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «فبعث الله إليهم محمدًا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم». بعث الله جل وعلا نبينا إلى المشركين لكي يجدد لهم دين إبراهيم، لأنهم كانوا على دين إبراهيم، إلا أن دين إبراهيم اندثر، فما عملوا به، ودخله التحريف والتغيير والتبديل. فأرسل الله نبينا لكي يجدد لهم دين إبراهيم. وما هو دين إبراهيم؟ دين إبراهيم هو إفراد الله بالعبادة. هذا ودينه كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وهنا مسألة أخواني في الله، كثيرًا ما تأتي الإشارة والإشادة باتباع دين إبراهيم عليه السلام دون غيره من الأنبياء والرسل. كثيرًا ما تأتي الإشارة والإشادة بإبراهيم عليه السلام بضرورة اتباعه من غير الذكر لكثير من الأنبياء والرسل. لماذا إبراهيم؟ إبراهيم عليه السلام يذكر خاصة من دون الأنبياء لعدة أمور. الأمر الأول أن جميع الأديان، وأعني بها أو جميع الملل والنحل، متفقة على مرجعية إبراهيم. ولهذا كلهم يدعي لنفسه أن إبراهيم منا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق لله، لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما». وفي هذه الفقرة من الفوائد، أن من اعتقد ولو لم يفعل فقد وقع في الشرك. لأن قال: «ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد»، تقرب أي فعل يتقرب، لكن يعتقد أن الأصنام والأوثان شفعاء، أو يستحقون الثناء أو القرابين، فهذا إن اعتقد وإن لم يفعل، هل هذا عذره؟ لا، هذا يكفر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإلا فهؤلاء المشركون مقرون يشهدون أن الله هو الخالق الرازق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو». فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنَ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. وفي هذه الفقرة أخواني في الله، والتي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «وإلا فهؤلاء المشركون مقرون يشهدون أن الله هو الخالق»، إلى آخر كلامه. تأمل فيما يذكره المؤلف رحمه الله تعالى عن أحوال العرب. ذكر أولًا رحمه الله بأنهم كانوا على شيء من العبادات والطاعات، من الصلاة، ومن الصيام، ومن النفق، ومن صلة الأرحام. وأنهم كانوا قد اتخذوا وصائط من أشرف المخلوقات، ذاك توجه إلى ملك، ذاك توجه إلى صالح، ذاك توجه إلى عيسى، ذاك توجه إلى سائر الأنبياء. وهم مع ذاك، أنهم كذلك مقرون بوجود الله، ليس فقط بوجوده، بل وأيضًا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق. وهنا نقف عند هذه المسألة قليلًا، لأنها من المسائل العويصة التي بيننا وبين القبورية ممن يأبى أن يرضى بكلام الله جل في علاه. كلام الله واضح جلي في بياني التقرير والاعتراف من الكفار من أن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المميت، وهو النافع الضار، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، وهو الذي يطعم ولا يطعم جل في علاه. أهل القبور من القبورية ينكرون هذا تمامًا، وإن الله عز وجل قد أشار إلى هذه المسألة من عدة نواح. وهنا أذكر اختصارًا قواعد عامة تستعين بها يا طالب العلم في أنك تواجه أولئك أهل الدكران ممن أنكر هذه المسألة. لأنك إذا قلت للقبورية والعباد القبور ومشرك الزمان أن الجاهل كان يقر بوجود الله، أرعد وأزبد وأنكر. حينها تحتاج إلى أنك تكثر من الأدلة الدالة على هذه المسألة. ما هي الأدلة الدالة؟ وهي قواعد عامة تدل على أن الكافر الجاهلي كان مقرًا بوجود الله، وبخلقه، ورزقه. القاعدة الأولى: الآيات الدالة على الاعتراف منهم. وكما يقال: «الاعتراف سيد الأدلة». يقال في القانون: «الاعتراف سيد الأدلة»، خلاص هذا الدليل ما بعده دليل. كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. فهذه الآيات فيها بيان على أن الكفار كانوا يقرون ويعترفون مع ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من الآيات الكثيرة في هذا الصدد. القاعدة الثانية: أن الله عز وجل أخبر عن الكفار بأنهم قد شهدوا مع الله، وجعلوا معه آلهة أخرى. وهذه الآيات كذلك تسعفك في هذه الأدلة. لأن مثال أخواني في الله، سمعت من بعض المبتدعة أن تلكم الآيات الأولى في مسألة الاعتراف لا يقولن الله، قال بعض القبورية: هذا خرج مخرج الاستهزاء، هذا خرج منهم مخرج الاستهزاء برسول الله. أنتوا كيف تستدلون بهذا الكلام؟ أنت تظن أن الكافر يعتقد بأن الله هو الخالق. يديك يا وهابي! إنما هذا استهزاء منهم. ولهذا أنت تحتاج إلى أن تكثر من الاستدلال، وإن كان هذا لن يسلم لهم، لكن تنتقل معهم إلى مسألة أخرى. قل: ألم يشهد الله على الكفار بأنهم اعترفوا أنهم جعلوا مع الله آلهة أخرى؟ وهذا يتضمن أنهم اعترفوا بالله، اعترفوا بالله، لكن جعلوا معه آلهة، جعلوا معه آلهة. كما قال سبحانه: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾، تشهدون تعترفون أن مع الله آلهة أخرى. فهم كثروا الآلهة، كثروا من الآلهة. القاعدة الثالثة: ما جاء من وصفهم بالإشراك والتشريك، فإنه من خرج عن الدين. من خرج عن الدين إما كافر وهو الذي لا يعبد الله، أو مشرك وهو الذي جعل مع الله شريك. الذي يخرج عن الدين الذي يخرج عن الدين إما أنه كافر وهو الذي لا يعبد الله، لا يعبد الله ولا يعبد غيره. وإما مشرك وهو الذي جعل مع الله شريك. ولهذا ينبغي أن يتبصر هؤلاء من القبورية ومن مشرك الزمان. لما نوصف الكفار بأنهم مشركون، بماذا أشركوا؟ ما وجه الشرك؟ أنهم جعلوا مع الله شركاء. وإلا كان هذا اللفظ عبطًا. والله الشعر خاطبنا باللسان العربي المبين. خاطبنا ربنا جل وعلا بلسان عربي مبين. وهذه آيات كثيرة جدًا في هذا الباب، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وصفهم ربنا بالإشراك لأنه جعلوا مع الله شريكًا. القاعدة الرابعة: مما يدلك على أن الكفار وأن المشركين يقرون بوجود الله، ما يكون عند الشدائد. عند الشدائد والفتن والمحن، فإن الكافر إذا كان في السراء وكان في النعماء، فهو يجاهر الله بكفره وشركه. لكن عند البلية وعند المصيبة، حينها يرجع إلى الله. وهكذا آيات كثيرة في هذا الصدد. ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، هذا في وصف من؟ هذا في وصف الكفار، في وصف أهل الشرك. فالله موجود عندهم، لكن لا يظهر وضوحًا وبكل جلاء إلا عند الشدائد، إلا عند الشدائد. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾، الإنسان هنا أي الكافر. وهكذا آيات كثيرة هي بهذا تدخل في هذه القاعدة، يظهر في ذلك وجود ماذا؟ الله في حياة الكفار. القاعدة الخامسة: مما يستدل به على وجود الرب في حياة العرب، ما كان يظهر ذلك في أشعارهم وأقوالهم ونثرهم وعباراتهم. وقد أشرنا إلى ذلك في أوائل رسالة. كانوا يقسمون بالله، والله بل، وكانوا إذا ذكروا الأشياء ذكروا الله. كما أشرنا إلى عبلة، إلى عنترة: «أيا عبل من أي المنية مهرب، إن كان ربي في السماء قضاها». ومما يذكر في هذا الباب كذلك ما جاء من حديث عمر بن الشريد عن الشريد، قال: «أن النبي صلى الله عليه وسلم استنشده أن يأتي له بأبيات لأمية بن أبي الصلت». النبي صلى الله عليه وسلم طلب من الشريد رضي الله تعالى عنه أن يأتي له بشعر من شعر أمية بن أبي الصلت. فقال: «فأنشدته فكان رسول الله يقول: هين، هي! يقول: هين أي زد، زد من أبياته». قال: «فأنشدته مئة قافية». فأنشدته مئة قافية من شعر أمية، وهو من الشعراء الجاهليين. فماذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام؟ قال: «إن كاد لا يسلم»، يعني شعره كان وشيكًا أن يدخلوا في الإسلام. لماذا؟ لما كان يقرر فيه من وجود الله، ربوبية الله سبحانه وتعالى، وهو جاهلي. قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، هنا وصف ربنا العرب بوصفين: إيمان وشرك. يؤمنون ويشركون كيف هذا؟ ولو راجعت كتب التفاسير، ولو هذا القبور -هذا القبور الذي يكابر- يفتح أي تفسير وينظر ما الذي عناه العلماء من مراد الله؟ لكانت الكلمة تتفق على أن هؤلاء العرب كانوا يؤمنون بماذا؟ بأن الله موجود، وأن الله خالق، وأن الله رازق، وأن الله محيي، وأن هذا منهم إيمان. يؤمنون بالله من هذه الحيثية يؤمنون بالله، لكنهم أشركوا مع الله شركاء، أشركوا مع الله، وأكثرهم يشركون به. فالشاهد أخواني في الله، أن ما قرره المؤلف بقوله: «قال وإلا فهؤلاء المشركون مقرون»، وكلمة هؤلاء لأن المؤلف يريد أن يبدأ معنا في إضاح حالة العرب. وإلا فكل مشرك، ما من مشرك إلا وأذعن في قرارة نفسه بوجود الله، وبربوبية الله. بدءًا بإبليس، بدءًا بإبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، إبليس يقول لله: «ربي». هو إبليس من أعظم شرك، بعد إبليس لا أحد قمة، ومع ذلك يعترف بربوبية الله سبحانه وتعالى. وهكذا ما جاء في أمر فرعون الطاغي الأكبر والمجرم الأعظم، ومع ذلك كان يقر بوجود الله جل وعلا: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض. وهكذا في قول قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، جحدوا بالآيات التي أتى بها موسى من الآيات التسع، جحدوا بها، لكن جحودهم في الظاهر، أما في الباطن فقد استيقنوا أنها من عند الله سبحانه وتعالى. ولهذا؛ لأنك نظرت إلى أحوال الأمم جميعًا، كلهم مقرون بوجود الله، إلا بقايا قلة ممن أنكر ربوبية الله. كما يذكر العلماء عن فرقتين: فرقة قديمة، وفرقة حديثة. الفرقة القديمة: الدهرية، وهؤلاء الذين يقولون: «ما يهلكون إلا الدهر»، ما هي إلا بطون تدفع، أرحام تدفع، وأرض تبلع. هذه هي حقيقة الدنيا عندهم. أرحام تدفع أي بالأجنة، وأرض تبلع الأحياء. فما هناك رب عندهم. هؤلاء الدهرية، هؤلاء نعم يذكر عنهم أنهم أنكروا ربوبية الله، وهم قلة شواذ، واندثروا. والفرقة الثانية الحديثة: الشيوعية، يقولون: «لا إله والحياة مادة»، لا إله. ويبررون وجود هذا الكون ببعض المبررات، بقواعد: قواعد الانتخاب، وقواعد البقاء للأمثل والأفضل، وقواعد كثيرة، وما يسمى بالصدفة، أو ما يقال بالطبيعة، يتلون بقوانين بها يلفقونها، ويهمون أن هذه الخالقة، وما هناك خالق في الكون. نعم؛ فهاتان الفرقتان تذكران: الدهرية قديمًا، والشيوعية حديثًا، ينكران وجود الرب كعقيدة. أما سائر الملل والنحل، كلهم يعترفون بوجود الله، ومنهم مشرك العرب. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإلا فهؤلاء المشركون مقرون يشهدون أن الله هو الخالق الرازق وحده لا شريك له»، إلى آخر كلامه رحمه الله. نكتفي بهذا المقام إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.