الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 407، ألقاها
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الحشرات وأمر بقتلها إذا كانت موذية. جاء في حديث ضعيف أن لعن البرغوث غير صحيح وأنه أيقظ نبيا للصلاة.
حث النبي صلى الله عليه وسلم على القيلولة لأنها تعطي الجسم راحة وتقويه على النشاط. ينبغي استغلال أول النهار في طلب العلم أو العمل.
حرص الصحابة على القيلولة في نصف النهار، واستشهد بأحاديث وأقوال عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود. القيلولة تعطي نشاطا للعبادات مثل قيام الليل.
كان الصحابة يقومون إذا عاد الظل، وما بقي من النوم بعد ذلك يُعتبر للشيطان. هذا يدل على أهمية القيلولة في حياة الصحابة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": باب لا تسبوا البرغوث. قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا صفوان بن عيسى، قال حدثنا شويد أبو حاتم، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن رجلا لعن برغوثا عند النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: لا تلعنه، فإنه أيقظ نبيا من الأنبياء للصلاة. هذا الباب ترجمه بقوله: "لا تسبوا البرغوث". البرغوث: الحشرة الصغيرة كالبعوض ونحوها. لا تسبوا البرغوث، يعني لا تسبوا هذه الحشرة، وإن آذتك أو قرصتك أو شيء من ذلك، فلا تسبها، لكن لك أن تقتلها إذا كانت موذية، فيجوز قتلها لدف أذيتها. وقد أجاز الشرع قتل بعض الحيوانات الموذية في الحل وفي الحرم، كما بقوله عليه الصلاة والسلام: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم"، لأنها موذية. وهكذا يظن الحشرات ما كانت موذية، يجوز قتلها لدف أذيتها. وأما السب، فلا تسبها، كأن تلعنها مثلا أو نحو ذلك من السب. ذكر في هذا الباب حديث أنس أن رجلا لعن برغوثا عند النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: لا تلعنه، نهاه النبي عليه الصلاة والسلام عن لعنه، وقال: "إنه أيقظ نبيا من الأنبياء للصلاة". لكن هذا الحديث ضعيف، وقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في "الضعيفة". وحكم سب البرغوث قد يأخذ النهي عن ذلك من عموم الأدلة، من عموم الأدلة التي فيها النهي عن السب. ومن ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في سفر، فلعنت إمرأة ناقة لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوها، لا تصحبنا ناقة عليها لعنة". وهكذا أيضا في وصيته عليه الصلاة والسلام لأبي جريج الهجيمي حين أوصاه أنه لا يسبن شيئا، فقال رضي الله عنه: فما سببت بعد دابة ولا إنسانا. فأوصاه النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يسب شيئا، هذا عموم يشمل الإنسان والحيوان والدواب والحشرات. فالمسلم لا يسبها، إن كان فيها أذية يقتلها، ولا يحتاج لأن يسبها أو يلعنها. قال باب القائلة. قال حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا هشام بن يوسف، قال أخبرنا معمر، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن السائب، عن عمر، قال: ربما قعد على باب ابن مسعود رجال من قريش، فإذا فاء الفيء، قال: قوموا، فما بقي فهو للشيطان، ثم لا يمر على أحد إلا أقامه. قال: ثم بينما هو كذلك، إذ قيل: هذا مولى بني الحسحاس يقول الشعر، فدعاه، فقال: كيف قلت؟ فقال: "ودع سليما إن تجهزت غازية، كفى الشيب والإسلام للمرء ناهية". قال: حسبك، صدقت، صدقت. هذا الباب: باب القائلة، القائلة يعني القيلولة، وهي الاستراحة في نصف النهار، ويكون قبل الزوال أو بعد الزوال، الاستراحة في هذا الوقت تسمى قيلولة، سواء كان بنوم أو بغير نوم. يعني قد تكون القيلولة بأن ينام، وقد تكون مجرد استرخاء، أن يسترخي على الفراش أو على الأرض حتى يشعر بشيء من الراحة. والقيلولة مما حث عليه النبي عليه الصلاة والسلام ورغب فيها، فقال: "قيلوا، فإن الشياطين لا تقيل". قيلوا يعني احرصوا على القيلولة، وأن تناموا أو تستريحوا في نصف النهار، فإن الشياطين لا تقيل. فهذا فيه مخالفة للشيطان في عدم القيلولة، والقائلة أو القيلولة كما سمعنا فيها راحة للجسم، فيها راحة للجسم، وخاصة إذا كان الإنسان نشيطا في أول نهاره، يعني من بعد الفجر وهو على نشاط لا يعرف النوم بعد الفجر، فيبقى بعد الفجر في مسجده يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم ينطلق إلى عمله، فإنه لا يأتي نصف النهار إلا وقد شعر بشيء من التعب، فيحتاج إلى أن يستريح، فتعطيه قوة في مواصلة نشاطه في بقية اليوم. وهذا خلاف ما إذا كان ينام في أول النهار وفي أول الفجر، كما هو عادة كثير من الناس، كثير من الناس اليوم تجدهم ينامون بعد الفجر، يصلي الفجر ثم ينام، فيضيع على نفسه هذا الوقت المبارك، الوقت الذي تقسم فيه الأرزاق، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "اللهم بارك لأمتي في بكورها"، يعني في أول النهار، دعا النبي عليه الصلاة والسلام بحصول البركة، سواء كان في تحصيل الأموال أو في تحصيل العلم. فأول النهار وقت بركة، ينبغي للمسلم وطالب العلم أن يحرص على استغلال هذا الوقت في طلب العلم، في حفظ القرآن أو حفظ السنة، وما يتيسر من المتون وغير ذلك من أبواب العلم، يحرص على أن يكون في أول نهاره على نشاط. وهكذا في باب الأرزاق أيضا الدنيوية، تحصيل الرزق في أول النهار، هذا مما تحصل به البركة، ويكثر به الخير، بخلاف ما لو كان في أول نهاره وبعد الفجر ينام، فيذهب هذا الوقت المبارك، يصبح هو كسلان، فهذا خطأ ينبغي على المسلم أن يحرص على أن يكون نشيطا في أول نهاره، ثم أراد أن يقيل أو يرتاح، يكون في نصف النهار، يكون في نصف النهار قبل الزوال أو بعد الزوال، حتى لا يضيع عليه هذا الوقت المبارك. ثم ربما إذا نام في أول النهار وبعد الفجر، يصبح كسلان، وربما يستمر في النوم، فما يستيقظ إلا وقد ذهب ساعات كثيرة من النهار، فيصبح على كسل وخمول، بخلاف ما لو كان مستيقظا، يكون على همه وعلى نشاط، يستغل وقته ويستغل ساعاته فيما ينفعه في أمور دينه أو دنياه. كذلك أيضا بل ربما أن بعض الناس ربما حتى صلاة الفجر يضيعها، وهذا أشك أنه أشد خسرانا الذي يصلي الفجر ثم يذهب ينام، هذا أحسن حالا من الذي يضيع صلاة الفجر، يسرح في آخر الليل وما يستيقظ إلا وقد طلعت الشمس، هذا لا شك أنه يعني خسران عظيم. وقال كذلك: استفيد منها المسلم أنها تعينه على قيام الليل، تعينه على قيام الليل، تعطيه نشاطا في القيام قبل الفجر. والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحرصون على هذه القيلولة، وما كانوا ينامون في أول النهار، ما كانوا ينامون بعد الفجر، إنما ينامون في نصف النهار، ينامون في نصف النهار. ذكر في هذا الباب عدة أحاديث، ومن أحاديث عمر رضي الله عنه، قال: ربما قعد على باب ابن مسعود رجال من قريش، يعني يتحدثون، ثم فإذا فاء الفيء، يعني زالت الشمس وظهر الظل، ظل الشمس في جهة المشرق، إذا مالت الشمس إلى جهة المغرب، ظهر الظل في جهة المشرق، قال: قوموا، قال: قوموا، يعني قوموا حتى تقيلوا، قوموا أي لأجل القيلولة له، كما سيأتي في الأثر الذي بعده، قال: قوموا، فما بقي فهو للشيطان، لأن الشيطان لا يقيل، فأنتم ينبغي أن تقيلوا وأن ترتاحوا، وهذا هو وقت القيلولة، نصف النهار. قال: قوموا حتى ماذا يقيلوا؟ قال: ثم لا يمر على أحد إلا أقامه، يعني حتى يقيل، لا يمر على أحد جالس إلا وقال له: قم، حتى يذهب ويأخذ قسطا من راحة. قال: ثم بينما هو كذلك، إذ قيل: هذا مولى بني الحسحاس يقول الشعر، فدعاه، مولى بني الحسحاس أي رجل من بني الحسحاس يقول الشعر، فدعاه ابن مسعود، قال: كيف قلت؟ فقال: "ودع سليما إن تجهزت غازية، كفى الشيب والإسلام للمرء ناهية". وهذا البيت فيه عظة وعبرة، يقول: ودع سليما، يعني المرأة، ودعها ولا تعلق بها، وسواء يعني هذه المرأة بعينها أو غيرها، المقصود عدم التعلق، تعلق القلب بالنساء، فلا تتعلق بها، وتترك ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليك، أو تتكب ما حرم الله سبحانه وتعالى بسبب تعلقك بالنساء. كف الشيب والإسلام للمرء ناهيا، أي له عن الوقوع في الحرام، وعن ترك ما أوجب الله سبحانه وتعالى. فالشيب إذا ظهر في الإنسان، فهو نذير بقرب موته، وبقرب انتهاء أجله، فإذا كان الإنسان يعلم ذلك وأنه سيرحل من الدنيا، فينبغي أن يحسن العمل، وأن يقلع عن الذنوب والمعاصي. فإذا كان على مثل هذا الحال، وقد شاب رأسه ولحيته، وهو متعلق بالدنيا ومرتكب للذنوب والمحرمات، ومرتكب لشيء من هذه الفواحش، فهذا لا شك نذير شر، وعلامة على خبث قلبه، والإثم عليه أعظم. قال: حسبك، يعني يكفي، صدقت، صدقت، يعني ما قلت صدق، كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا. الشاهد من هذا الأثر هو قوله: "فإذا فاء الفيء، قال: قوموا، فما بقي فهو للشيطان"، في حرص الصحابة رضا الله عليهم على القيلولة. نكتفي بهذا القدر. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.