الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع أبياتا من قصيدة لإماما القيم رحمه الله في حب أصحاب النبي، ويبين معانيها والرسائل التي تحملها. يتم توضيح علامة البثيمية والعثيمي لهذه الأبيات.
يناقش المقطع خطورة بغض الصحابة وسبهم، ويبين أن حبهم من الإيمان وبغضهم كفر ونفاق. يستشهد بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا السياق.
يشرح المقطع أن المحبة بيد الله عز وجل، ولا يستطيع الإنسان التحكم فيها. إذا أحب الإنسان الله ورسوله والمؤمنين، فإنه يفوز بخير عظيم ويحشر معهم يوم القيامة.
يتضمن المقطع الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والدعاء له بالرحمة والسلام، ويضيف السلام على صحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إماما القيم رحمه الله في قصيدته الميمية، بعد أن ذكر أن أهل السنة ومن كان متمسكا بما كان عليه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام هم أصحابه الذين يحبهم، فرحب بهم بقوله: «أولئك أصحابه حي هلا بهم، وحي هلا للطيبين وأنعموا». ثم قال رحمه الله، بعد أن سلم عليهم أو عمم السلام بقوله: «لكل منهم سلام يقصيه يبلغه الأذى إليه وينعمه». بعد أن سلم سلاما عاما، سلم عليهم سلاما خاصا. قال علامة البثيمية رحمه الله: هذا البيت مما يدل على شدة تعلق قلب المؤلف بهؤلاء، حيث سلم عليهم ذلك السلام العام وأثنى عليهم، ثم خصص -يعني في أول الأمر- صلى الله عليه وسلم سلاما عاما في أول هذه الأبيات، ثم خص كل واحد منهم بسلام خاص من حبه لهم، رحمه الله. قال: «فيا محسناً بلد سلامي وقل لهم، محبكم يدعو لكم ويسلموا». قال رحمه الله: الظاهر من هذا البيت أنه تصور شخصا محسناً مخاطبا بذلك ليبلغهم سلامه، ولم يقصد بذلك الله عز وجل، أي لم يقصد أن الله يبلغ سلامه إياه. وكل هذا من باب الخيال الواسع الذي يدور في ذهن الشعر، فكأنه يخاطب شخصا ويأمره ويطلب منه أن يبلغ سلامه إلى محبيه. ثم قال رحمه الله: «ويا لائمي في حبهم وولائهم، تأمل هداك الله من هو ألوم». قوله: «من هو ألوم»، الألوم الذي يلوم، والمراد هنا في حب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه وحزبه، يعني أنه يقول: يا من تعاتبوني وتنكرون علي وتنوموني على محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة أتباعهم من التابعين ومن بعدهم سلف هذه الأمة، يا من تنوموني على حبهم وولائهم، تأمل في ذلك ولا تستعجل ولا تضع اللوم في غير محله. ومن هو الأولى أن يلام؟ من خالف ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو من خالف طريقهم وخالف هديهم وخالف منهجهم؟ فينبغي النظر في ذلك. واللائم لا شيء، أن اللائم له هو من خالف طريق السلف، من خالف طريق السلف ومن لم يسلك طريقهم من أهل الأهواء والبدع والزيغ، فهم الذين يلومون من سلك هذا الطريق. ووقع في قلبي محبة من سلف أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ومن تبعهم. ثم قال رحمه الله: «بأي دليل أم بأي حجة ترى حبهم عارا علي وتنقبه». قال إعلام العثيمي رحمه الله: والاستفهام هنا للإنكار، أي ليس عندك أي دليل، وأتحداك أن تأتي لي بدليل يجعل حبهم عارا ينقم علي به. قال: وكأنه رحمه الله نجد بالرافضة، والرافضة كما تعلمون فرقة من الفرق الضالة التي تبغض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، هم يسبون الصحابة رضوان الله عليهم، يبغضونهم بل يكفرون أكثرهم إلا نفرا يسيرا استثنوهم من ذلك. وسواء كانوا هم أو من سار على طريقة الرافضة في بغض أو سب أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، أو كذلك أيضا من سار على طريق الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كما هو شأن أهل الهوى والبدع في كل زمان ومكان. قال: كأنه رحمه الله يلدد بالرافضة الذين يرون أن حب الصحابة عارا وأنهم يجب بغضهم وسبهم، إلا من استثنوا منهم من آل البيت ونفرا قليلا من غيرهم نحو سبعة، استثنوهم من السب واللعن. ثم قال رحمه الله: «وما العار إلا بغضهم واجتنابهم، وحب عداهم ذاك عار ومأثم». قال رحمه الله: يلدان مبثيمين. قوله: «وما العار إلا بغضهم واجتنابهم»، وذلك لأن حب الصحابة وحزب الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بعار، بل هو شرخ وطاعة وأجر. والمرء مع من أحبه. بل حب الصحابة رضي الله عنهم من الإيمان. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحب الأنصار إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق». نعم، فحبهم طاعة وقربة وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق. وكذا حب من اتبعهم وصار على نهجهم وطريقتهم من سلف هذه الأمة، فهذا كذلك لا عيب فيه على من اتبعهم وعلى من أحبهم وصار على طريقهم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المرء مع من أحب». فمن أحب الصحابة رضي الله تعالى عليهم فإنه معهم، ومن أبغضهم فلا شك أنه على شفا جرف منها. قال: ولكن بغضهم هو العار، ولذلك قال: «وحب عداهم ذاك عار ومن ثمه»، يعني أن تتخذ محبا أو من تحب غير أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا هو العار وهذا هو اللوم. وكذلك الإثم الذي يلام عليه صاحبه ويستحق التوبيخ والتقريع، لا من أحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال رحمه الله: «أما والذي شق القلوب وأودع المحبة فيها حيث لا تتصرم». ومعنى قوله: «حيث لا تتصرم»، يعني لا تنقطع، أي لا تنقطع هذه المحبة. والله عز وجل يضع في قلب العبد محبة من يحب، فتشرم هذه المحبة حتى لا تتصرم، يعني حتى لا تنقطع وتزول. قوله: «أما» للتنبيه، فهي مثل «ألا». وقوله: «الذي شق القلوب» إلى آخره، هذا قسم بالله عز وجل الذي شق هذه القلوب وأودع فيها المحبة. فالقلوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء». فالله عز وجل هو الذي يضع في قلب العبد محبة من يحبه وبغض من يبغضه. فالمحبة من الله، المحبة من الله. ولذلك لو أراد الإنسان أن يحب إنسانا لكن لم تقع محبته في قلبه لن يستطيع إلى ذلك سبيلا، إذا لم يرد الله عز وجل لك محبة فلن يستطيع الناس أن يحبوك لأن المحبة من الله. قال: وهذا قال: «وأودع فيها المحبة التي لا يعطيها إلا هو سبحانه وتعالى». فإنه أحيانا يود الإنسان أن يحب شخصا ولكنه يعجز عن ذلك، يعني يعجز أن يتحصل على هذه المحبة، يريد أن يقع حبه في قلبه لكن لا يستطيع لأن الله عز وجل لم يرد ذلك. قال: وكثيرا ما يجد الله في قلب إنسان محبة شخص آخر من غير أي سبب أو عمل، يعني يجد الإنسان أنه يجد في قلبه محبة لفلان من الناس ما يدري ما هو السبب، كيف وقع حبه في قلبه؟ يحبه في الله لما عنده من إيمان وطاعة وصلاح واستقامة. هذه المحبة من الله سبحانه وتعالى. قال: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». يعني في القسم بين النساء، فالمتزوج والمعدد الذي عنده أكثر من امرأة يجب عليه أن يقسم فيما يستطيع فيه العدل من المسكن والنفقة ونحو ذلك. أما ما في القلب من المحبة فهذا لا يملكه الإنسان، هذا لا يملكه الإنسان. ولهذا قال الله جل وعلا: «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم»، يعني في المحبة ما يستطيع الإنسان أن يعدل فيها لأن المحبة في القلب وهي من الله سبحانه وتعالى. فلهذا لا يلام الإنسان على كونه يحب هذه أكثر من تلك، لكن لا يكون ذلك على حساب العدل فيما يستطيع من أمور العدل بين النساء. وهذا الحديث «اللهم هذا قسمي» إلى آخره رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقد علل هذا الحديث علله الحفاظ بالإرسال كالإمام النسائي وهكذا الترمذي والدارقطني وأبو زرعة، وذلك أن محمد بن إسماعيل رحمه الله تفرد برواية الحديث. قال: فالمحبة يرتبها الله عز وجل في قلب الإنسان. وما أجمل المحبة إذا كانت محبة الله ورسوله والمؤمنين، فإن هذه المحبة هي أشرف أنواع المحبة التي يتمنى الإنسان أن توضع في قلبه، يعني أن يقع في قلبه محبة الله ورسوله والمؤمنين. فإنه إذا أحب الله ورسوله صدق في ذلك ووفق للعمل الذي يدل على صدق هذه المحبة من فعل الطاعات والقربات واتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه يفوز بخير عظيم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المرء مع من أحب». فإذا أحب العبد نبيه عليه الصلاة والسلام وأحب أهل الإيمان فإنه سيحشر معهم يوم القيامة. طيب، أترى بهذا القدر كفاية؟ صلى الله عليه وسلم ورحمة الله عليه وسلم وصحبه أجمعين.