التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 134

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 134

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 134، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قصة مسجد الضرار وتحريم بناء مسجد قرب آخر بلا حاجة

يشرح المقطع كيف بنى المنافقون مسجد الضرار قرب مسجد قباء بقصد الإضرار بالمؤمنين والتفريق بينهم، وكيف فضح الله نواياهم في سورة التوبة. ويستخلص من ذلك تحريم بناء مسجد بجوار مسجد آخر يغني عن الحاجة إلا لضرورة أو مشقة على المصلين.

حكم بناء مسجد الضرار وفوائد اجتماع المسلمين في مسجد واحد

يبين المقطع أن بناء مسجد بقصد الضرار والكفر والتفريق محرم، بينما اجتماع أهل الحي في مسجد واحد يحقق الألفة والتفقد المتبادل كما في قصة الرجل الذي اكتُشف موته لغيابه. كما يوضح أن مسجد الضرار أُعد إرصاداً لأعداء الله ورسوله كأبي عامر الراهب.

مسجد الضرار وكشف مؤامرة المنافقين

يتحدث المقطع عن بناء المنافقين لمسجد الضرار بقصد الإضرار بالمسلمين والتخطيط للحرب على الإسلام، وكيف أنزل الله الوحي فضحاً لمقاصدهم الخبيثة. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدمه وإحراقه، فصار مزبلة حسية ومعنوية مؤكداً كذب المنافقين في دعواهم الإحسان.

ختم الدرس وتأجيل تفسير الآيات المتبقية

أشار المدرس إلى شهادة الله بتكذيب المنافقين، ثم ذكر النهي عن القيام في المسجد المشار إليه. أعلن انتهاء الوقت مع تأجيل استكمال الآيات للدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال إمام المفسرين عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في كتابه "قصص القرآن": قصة مسجد الضرار، ويشير إلى قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 107-108] إلى آخر الآيات. يقول المفسر رحمه الله: كان أناس من المنافقين من أهل قباء اتخذوا مسجداً إلى جنب مسجد قباء، يعني بنوا مسجداً آخر بالقرب من مسجد قباء. ما هدفهم وما قصدهم؟ قال: يريدون به المضارة والمشاقة بين المؤمنين، ويعدونه لمن يرجونه من المحاربين لله ورسوله، يكون لهم حصناً عند الاحتياج إليه. هذا هدفهم كما جاء في الآية: ﴿ضِرَاراً﴾ أي من أجل المضارة، ضرر بالمؤمنين، ﴿وَكُفْراً﴾ أي كي يحاربوا ويجتمعوا على المسلمين، وهذا كفر، كفر من حارب المسلمين وناوأهم ووقف في صف عدوهم، هذا كله من الكفر. ﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي كي يتفرق المؤمنون ويختلفوا ويتحزبوا شيعاً وجماعات. ﴿وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إعداداً، يعدون العدة كي يحاربوا المسلمين. هذا هو هدف هذا المسجد. ظاهره أنه من أجل الصلاة ومن أجل العبادة ومن أجل الطاعة، لكن الله عز وجل يعلم بالخفايا، فعلم الله عز وجل نواياهم ومقاصدهم الخبيثة، ففضحهم في هذه السورة. قال: فبين تعالى خزيهم وأظهر سرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً﴾ أي مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه. ولذلك منع الفقهاء أن يبنى مسجد بقرب مسجد آخر من غير حاجة، من غير حاجة الناس مجتمعون في مسجد وهذا المسجد يكفيهم، وكلهم أهل توحيد وسنة، لا يأتي أحد ويبني مسجداً آخر في نفس الموقع أو في نفس الحارة أو في نفس المكان، لا ينتفع بهذا المسجد أحد، فالمسجد الموجود يكفي ويغني. فهنا لا يجوز، بل حتى الجمع، إن كان المسجد الجامع يكفي المصلين ولا هناك مشقة على أحد في الإتيان إلى هذا المسجد، فلا يجوز أن تقام جمعة أخرى بالقرب من هذا المسجد. وهذا مذهب جماهير العلماء: إنه لا يجوز إقامة جمعة بجانب مسجد تقام فيه جمعة من غير حاجة أو ضرورة. فمن فعل ذلك فله مقصد وله نية سيئة، وهي الإضرار أو التفريق أو نحو ذلك. لكن إذا كان هناك حاجة أو هناك ضرورة، كأن يكون هذا المسجد الجامع بعيداً عن بعض كبار السن الذين يشق عليهم الحضور والمجيء إلى هذا الجامع، فهنا لا بأس. أو كان هذا المسجد الجامع، خصوصاً في زماننا هذا، يخطب فيه أهل البدع والأهواء ويقررون بدعهم وأهواءهم في هذه الخطب، فحينئذ يجوز لأهل السنة أن يقيموا جمعة أخرى فيها إقامة السنة، وخطب تعظ الناس وتذكر الناس وتعلم الناس وترشد الناس. فهنا أجاز علماؤنا ذلك. أما من غير حاجة ولا ضرورة فهذا من المضارة، من المضارة. فقوله هنا: ﴿ضِرَاراً﴾ أي مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه. ﴿وَكُفْراً﴾ أي مقصدهم فيه الكفر، إذا قصد غيرهم الإيمان فهم ما يفعلون ذلك من أجل الإيمان وتقوية الإيمان والقيام بشعب الإيمان أبداً، وإنما بنوا ذلك من أجل الكفر، وتمالؤ أهل الكفر على أهل الإيمان. وقوله: ﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ليتشعبوا ويتفرقوا ويختلفوا. فكثرت المساجد لغير حاجة ولا ضرورة فيها تفرقة. فمن مقاصد العظيمة في إقامة الجمع والجماعات اجتماع أهل القرية أو أهل الحي أو أهل الحارة في مسجد واحد، وهذا أدعى لتآلفهم ولتفقد بعضهم بعضاً. تصور مثل هذه المنطقة طيبة، فيها هذا المسجد فقط، أي واحد من أهل القرية أو من أهل هذه الحارة لم يأتِ المسجد أياماً، مباشرة يعلم أهل المنطقة أنه إما مريض وإما مسافر. فإن كان مريضاً سألوا عليه كي يعودوه، وإن كان مسافراً دعوا الله عز وجل له بالتوفيق والتيسير. هذا هو الرابط الأخوي الذي يكون بين المؤمنين. لكن لو هناك مسجد آخر، أحياناً يصلي هنا وأحياناً يصلي هناك، إذا غاب قيل: لعله ذهب المسجد الآخر، لعله ذهب المسجد الآخر. بل أخبرني بعضهم أن رجلاً كان يصلي في المسجد، يصلي في المسجد، وهذا المسجد هو الوحيد في الحارة، فغاب اليوم الأول، فاستغرب الناس وسألوا عنه، وكان هذا الرجل يعيش وحده في البيت، ما عنده أسرة وما عنده أولاد، فسألوا عنه، فذهبوا إلى البيت يطرقون الباب فلم يجبهم أحد، فتشاوروا وقرروا أن يقفزوا البيت، لعله مريض ما استطاع أن يقوم، لعله مات، فقفزوا فوجدوه ميتاً، فوجدوه ميتاً. فانظر هذا من فوائد اجتماع الناس في مسجد واحد. لو لم يكن هذا المسجد الوحيد، ربما قالوا: ذهب إلى مسجد آخر، أنه أحياناً يغيب وأحياناً يحضر، ربما صلى في مسجد آخر. فهذا من فوائد اجتماع الناس في مسجد واحد، وفيه ما فيه من التقارب والتآلف والتفقد ونحو ذلك. قال: ﴿وَإِرْصَاداً﴾ أي إعداداً، إرصاداً بمعنى إعداداً، يعدون العدة. لماذا يعدون؟ يعدون العدة ﴿إِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي إعانة للمحاربين لله ورسوله. كل من يبغض الإسلام والمسلمين يجتمع عليه هؤلاء في مكان واحد، وهو هذا المسجد الذي يريدون بناءه أو قد بنوه، قد بنوا هذا المسجد. قال: أي إعانة للمحاربين لله ورسوله الذين تقدم حرابهم واشتدت عداوتهم، وذلك كأبي عامر الراهب الذي كان من أهل المدينة، يعني من سكان المدينة. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة، كفر به، كفر بالنبي عليه صلى الله عليه وسلم. وملل الكفر واحدة: المنافقون والكفار واليهود والمشركو الأصنام، كل هؤلاء يجتمعون على الإسلام والمسلمين. فهذا كفر بالنبي عليه وسلم، وكان متعبداً في الجاهلية، فذهب إلى المشركين، ذهب إلى أهل مكة يستعين بهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما لم يدرك مطلوبه عندهم، ما استجاب له، ذهب إلى قيصر. انظر، لم يهدأ له بال ولم يقر له قرار، من هنا إلى هناك، لماذا؟ من أجل أن يجد معيناً أو نصيراً يقف معه لحرب الإسلام والمسلمين. فذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، مات في الطريق. وكان على وعد وممالات هو والمنافقون، يعني أن المنافقين قالوا: أنت من الخارج ونحن من الداخل. هذه مهمة أهل النفاق: المنافق يظهر الإسلام، يظهر الإسلام، لكن قلبه ممتلئ بالكفر والحقد والكراهية للإسلام والمسلمين. وهم قالوا له: أنت اذهب، ائت لنا بمدد من الخارج، ونحن نقف معك من الداخل. كما فعل المنافقون ذلك في يوم الأحزاب، لما تحزب من تحزب من المشركين ومن قبائل العرب ومن اليهود على الإسلام والمسلمين، وعسكروا خارج المدينة، ظهرت أثرة النفاق في المدينة، وبدأوا يثبتون ويخذلون، كما أخبر الله عز وجل عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب: 12]. هذا من التثبيط ومن المكر والكيد الذي كان عليه المنافقون، ولا يزالون. فهم قالوا لهذا: أنت من الخارج ونحن ننصره من الداخل. فأرادوا هذا المسجد كي يجتمعوا فيه، وكي يخططوا ويمكروا بالإسلام والمسلمين. قال: وكان على وعد وممالات هو والمنافقون، فكان مما أعد له مسجد الضرار، مسجد الضرار. فنزل الوحي بذلك، فضحهم الله وبينا خبثهم وسوء طويتهم، فنزلت هذه الآيات المبينة الهدف والقصد من بناء هذا المسجد. فنزل الوحي بذلك، فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم من يهدمه ويحرقه، فهدم وحرق، وصار بعد ذلك مزبلة، مزبلة حسية ومزبلة معنوية. مزبلة حسية يعني توضع فيه القمائم والأوساخ، ومزبلة معنوية صار في مزبلة التاريخ، في مزبلة التاريخ. قال تعالى بعدما بين من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد: ﴿وَلَا يَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾، لما تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات، ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ أي في بنائنا إياه ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي الإحسان للضعيف والعاجز والضرير. وهذا من خبثهم وكذبهم، فهم أهل كذب، وهم أهل خديعة ومكر. فوالله ما بنوا هذا المسجد من أجل الإحسان للضعيف. فالله عز وجل قال في كتابه الكريم: ﴿ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فمن نصدق؟ ومن أصدق من الله قيلاً؟ ومن أصدق من الله حديثاً؟ فهم الكاذبون. إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]. شهد الله عز وجل عليهم بالكذب، فنحن نشهد الله أنهم كاذبون. قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، أي فشهادة الله عليهم أصدق من حلفهم، أصدق من حلفهم، أي من أيمانهم. ثم قال الله عز وجل: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾. وانتهى الوقت، إن شاء الله نؤجل هذه الآيات الأخيرة إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.