الدرس في شرح مسائل الجاهلية 73، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يذكر المؤلف أن أهل الجاهلية يلجأون للشكوى عند الهزيمة بالحجة، كما فعل فرعون مع موسى. هذا يدل على ضعف حجتهم واتجاههم للكيد عند العجز عن الرد.
عند فشل أهل الباطل في مواجهة أهل الحق بالحجة، يلجأون للشكاية إلى الحكام، كما حدث مع موسى وعيسى والنبي محمد صلى الله عليه وسلم. هذه الظاهرة تتكرر عبر التاريخ.
أهل البدع يلجأون للشكوى للحكام ضد أهل السنة عند فشلهم بالحجة، كما حدث مع إمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام البربهاري، وتستمر هذه الظاهرة حتى العصور الحديثة.
المقطع ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثانية والستون كونهم إذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى الشكوى للملوك، كما قالوا: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض. في هذه الفقرة، إخواني في الله، مما اشتهر به فعل أهل الجاهلية ما قاله المؤلف رحمه الله تعالى وحكاه عنهم، أنهم إذا غلبوا بالحجة -غلبوا بالحجة أي أقيمت عليهم الحجة- فما استطاعوا أن يردوها. والغلبة بالحجة هي دائمًا وأبدًا تكون لأهل الحق، وهم في هذه الأزمان وهم أهل السنة، لا يشق لهم غبار في باب الحجة والبرهان أبدًا. ما يمكن لأحد أن يتغلب عليهم، وإنما دائمًا الغلب من نصيبهم إذا ألجأوا إلى المناظرات إلجاءً، أو أنهم في ضمن التأصيل والتأكيد، فهم لهم قصب السبق. ما يمكن لأحد أن يزاحم أو ينافس أو يساوي أو يوازي أهل الحق في الحجة. وكيف ذاك؟ وأهل السنة وأهل الحق ما أخذهم من مأخذ الشريعة، من كتاب الله سبحانه وتعالى، فمن أين تأتيهم الهزيمة حاشاهم. لكن نعم، في باب السلاح وفي باب القتال أحيانًا يغلبوا وأحيانًا يغلبوا. فهنا يذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن أهل الباطل إذا غلبوا بالحجة -أي أن أهل الحق في ذاك الزمن قد يكون الحق مع نبي أو من أتباع نبي- فإذا جاء المبطل وغلب بالحجة، فأقيمت عليه الحجة، وما استطاع أن يردها، ما الذي فعل؟ قال رحمه الله تعالى: كونهم إذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى الشكوى للملوك. الشكوى بمعنى التوجع من الألم، فهم يتوجعون من هذه الهزيمة، لكن لمن يشتكون؟ قال رحمه الله تعالى: فزعوا إلى الشكوى للملوك، يذهبون إلى الملوك، يذهبون إلى الحكام، يذهبون إلى الأمراء، ويشكون إليهم ما كان من هزيمتهم من أهل الحق. وطبعًا إذا هم فعلوا ذلك، لا تظن أنهم يأتون بالحقيقة على ما هي عليه، وإنما الكذب والإفتراء والتهييج، بل هي عين الوشاية، يوشون بأهل الحق عند الملوك، يكذبون عليهم ويدلسون عليهم ويفترون عليهم بالأكاذيب، حتى يهيج الملوك والأمراء على أهل الحق. قال رحمه الله تعالى: كونهم إذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى الشكوى للملوك، كما قالوا: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض. استدل المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية على هذه الفقرة، أن أهل الباطل إذا غلبوا فزعوا للملوك. وما وجه الشاهد من هذه الآية؟ وجه الشاهد من هذه الآية أن تعرف تمام القصة، وهي ما وقع لموسى عليه السلام مع أتباع فرعون. عندما أظهر ربنا جل وعلا تلكم الآيات العظيمة على يد موسى، قام فرعون وأراد أن يتحدى موسى وما جاء به من الآيات، أن يكونوا بينهم وبينهم موعدًا يجتمع فيه الخصوم. وجاء في ذلك اليوم الموعود حتى قال من قال من أهل التفسير أن الوادي الذي قد كان فيه الموعد قد ملئ بالسحرة. تخيل الكثرة، ليس بنفر يسير أو طائفة معدودة، بل وادي يسيل بالسحرة، وكلهم على مبلغ عظيم من السحر، من شرق الدنيا ومن غربها، أتباع لفرعون، ومعهم العصي ومعهم الحبال. حينها كل ألقى الذي بيده، فإذا بالوادي كله عبارة عن حيات، عبارة عن حيات انقلبت هذه العصي والحبال حيات، لكنها عبارة عن تخيل سحر، يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وإلا هي في حقيقتها محشوة بالزئبق، زئبق مادة خفيفة الملمس، بل خفيفة الحرارة، تتحرك مع أدنى حرارة. فكان ذلك من فعل علم الكيمياء الذي موجود في ذاك الأزمان، فاسترهبوهم، وظن الناس أن هذا هو السحر العظيم الذي ليس بعده سحر. عصى تتحوى إلى حية، أو عود يتحوى إلى حية. هينها جاء دور موسى، والذي وقع في نفسه الخوف، لكن الله جل وعلا طمأنه، فقال: إنك أنت الأعلى، وألقي ما في يمينك تلقف ما صنعوا، إنما صنعوا كيد ساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى. أصبحت هذه العصى التي ألقاها موسى حية، وليست أي حية، بل حية عظيمة كبيرة، أنها مرت على جميع الحيات في الوادي تلتهمها، حية بعد حية، جعد في بطنها. إذن حية حقيقية، ليست تخيل، حتى أن من كان في المجلس من أتباع فرعون ناشدوا الله موسى أن يوقف الحية، خافوا على أنفسهم أن تصل إليهم. فلما علموا أن ما جاء به موسى ما كان تخيل، ما كان خداع، ما كان حركة خفيفة حركة يد، بل هذه حية عظيمة خلقها الله جل وعلا، فوقع الحق، وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك، وانقلبوا صاغرين، وألقي السحرة ساجدين، آمن السحرة بما رأوا من آية موسى العظيمة، وأن ذلك من آيات الله العظمى. إذن، دعوة موسى انتشرت، حجة أقامها موسى عليه السلام، حجة الخصوم انكسرت، ذهبت، اضمحلت، علم الناس البوار الذي كان فيه السحرة، بل السحرة اعترفوا بهزيمتهم، بل سجدوا لله رب العالمين. حين قام بني إسرائيل، ماذا؟ الواحد تلو الآخر يذعن إيمانه لموسى عليه السلام. إذن، أهل الباطل غلبوا بالحجة، ما الذي صار هنا؟ تأتي هذه الأمارة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، قال: كونهم إذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى الشكوى للملوك. كما قالوا حينها: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض؟ إذن، جاءت الوشاية، مع أن هذا التحدي، التحدي من يغلب يفوز، ففاز موسى، إذن انتهى، فاز موسى بالآية التي أتى بها، وهنا يكمل الأمر، وانتهى الإشكال، لكن تأتي الوشاية. فقام الأتباع والملأ من أتباع فرعون إلى فرعون يشكون إليه، ويشكون إليه فعله في موسى، وأنه سيفسد في الأرض مع قومه من بني إسرائيل. ثم قام فرعون وهدد الناس، وهدد الأتباع بالكفر بموسى عليه السلام. وهكذا عبد الله، ما جرى في حق عيسى عليه السلام، نفس المضمار، ونفس المضمون، الذي وقع لعيسى عليه السلام من الأذى والوبال الذي كاد أن يقع عليه، إنما كان من الشكاية للملوك اليهود أخزاهم الله، الذين أرادوا أن يبطشوا بعيسى عليه السلام، وأن لهم ذلك، أن لهم بإقامة الحجة، وبغلبة عيسى عليه السلام الذي عنده علم الله جل وعلا، أي علم الإنجيل الذي أنزله عليه ربه سبحانه وتعالى. فما استطاعوا، ما الحيل لذلك؟ الشكاية والتوجع إلى الملوك، فذهبوا إلى ملك ذاك الزمان، وكان ملكًا كافرًا، فدخلوا عليه نفر من اليهود، فأصبحوا يغرون هذا الملك على عيسى عليه السلام، وأنه فعل، وأنه فرق بين الآباء والأبناء، وأنه فرق بين الدين، وفرق في الملة. بل حتى أنه، والعياذ بالله، طعنوا في عرضه، وقالوا أنه ابن الزنا، حتى جعل الملك يثور ثورانًا عظيمًا على هذا الملك، على هذا النبي، وهو عيسى عليه السلام، غضب غضبًا شديدًا، وأمر من حراسه بأنهم يأتون به حتى يقتل، وحتى يصلب. فتحركت الجيوش، وتحركت الشرطة، وصاحب الشرطة في ذاك الزمان إلى بيت عيسى عليه السلام، والذي كان قد اجتمع فيه مع الحواريين، وقد أوحى إليه ربنا جل وعلا بفعل أهل الكفر، وما أراد منه عليه السلام. فرفعه الله جل وعلا من كوة كانت في البيت، رفعه الله جل وعلا، وجعل شبه عيسى يلقى على من كان في البيت، يلقى على من كان في البيت، فنجى الله جل وعلا عيسى. إذن، ما الذي كاد أن يقع في عيسى؟ هذه المسألة، وهذه الفقرة، الشكاية والوشاية إلى الملوك والأمراء والحكام، وهذا المسلسل، عباد الله، ما كان فقط في الأمم الماضية، بل حتى في أمة محمد عليه الصلاة والسلام. ما وقع في السيرة النبوية، عندما هاجر جماعة من الصحابة إلى الحبشة، اعتمارًا بأمر نبينا عليه الصلاة والسلام، فجلس هنالك يعبدون الله جل وعلا، ومع ذلك، ماذا فعل كفار قريش؟ ما ارتضوا لذلك، وإنما أرادوا أن يرجعوا القوم إليهم. ما هي الطريقة؟ بالحجة ما يستطيعون، إنما بالنكاية والشكاية إلى الملوك والأمراء، فذهب وفد من قريش، عبدالله بن العاص، وعبدالله بن ربيعة، قبل الإسلام، ذهبوا هنالك إلى النجاشي، ودخلوا على النجاشي بقصد التغرير عليه. فقالوا: يا أيها الملك، قد جاء إليك غلمان سفهاء، فارقوا دينهم، ولم يدخلوا بدينك، وجاءوا بدين ابتدعوه، وفعلوا، وفعلوا، وفعلوا، حتى أن البطارقة والحاشية، أتباع الملك، قد صدقوا في ذلك، إلا أن النجاشي، لما وصفه به نبينا، أنه كان ملكًا عادلًا، تأنى في أمرهم، تأنى في أمرهم، وما أذعن لهم. وإنما أتى بوفد الصحابة الذين كانوا في الحبشة، أن يقيموا ماذا؟ وأن يسألهم عما اتهموا به. الحاصل، إخواني في الله، أن كفار قريش كانوا على هذا المنوال، أنك ألويك الشكاية إلى الملوك والحكام على أهل الحق. وهكذا، عبد الله، حتى في هذه الأزمان، في هذه الأزمان، أهل البدع وأهل الضلال، متى ما تمكنوا أن يزاحموا أهل السنة بالحجة، وأن لهم ذلك، كان الطريق إلى هزيمة أهل السنة، على ما يظنون، أنهم يذهبون إلى الملوك والحكام والحكومات، إلى أنه ماذا؟ أنهم يضغطون، يضغطون على أهل السنة والجماعة، إما بسجن، إما بحبس، إما بتنكيل، إما بمنع. إمام أحمد رحمه الله تعالى، ما الذي جرى له؟ ما جرى له إلا هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، الشكاية إلى الملوك والأمراء، كان أهل البدع يغرون صدور الحكام على أهل السنة. إمام أحمد رحمه الله تعالى، عندما ألقي القبض عليه، أدخل على المعتصم، أدخل على المعتصم، وجلس في كرسيه، والذي كان فيه مسلسل بالسلاسل، وقد عقد له، وقد عقد له المعتصم مجلسًا للمناظرة، جاء بالأهل الكلام، وبروس المعتزلة، وعلى رأسهم ذاك الخبيث الضليل، أحمد بن أبي دؤاد، وجماعة من الحاشية، كلهم على غرض المناقشة والمناظرة، وإقامة الحجة. وكما قلنا، أن للمبتدع أن يقيم الحجة على أهل الحق، وإنما العكس بالعكس. فلما دخل المعتصم، قال لمن كان في المجلس: ناظروه، كلموه، أي ابدأ النقاش. فكان ما من أحد يأتي بشبهة أو يدلي بحجة على إمام أحمد، إلا وقام أحمد رحمه الله تعالى وسكّته، ويأتي الثاني، ورد عليه، ويأتي الثالث، ورد عليه، ورد عليه، ورد عليه، حتى انقطعت الألسن، انقطعت الألسن، ما بقي شيء، ما بقيت حجة. ما بقيت إلا هذه الفقرة، كان يقوم من أبي دؤات، ويقول: يا أمير المؤمنين، والله، والله، إنه ضال مضل مبتدع، التغرير، ما عنده حجة. فيقول المعتصم: ناقشوه، ناظروه، كلموه، ما يريد المعتصم شكاية، يريد مناظرة. أنتم تبدعون أنكم أصحاب حجة، أين الحجة؟ أما هذه دعوة، بل كان يا أبي دؤات الخبيث، لدرجة يقول: والله يا أمير، إنه كافر مشرك، تغرير، كفر، شرك، مبتدع، ضليل، لكن ما هي الحجة؟ ما عندهم حجة على ذلك. فكان إمام أحمد رحمه الله تعالى ماذا يرد على الله تعالى؟ بالحجج، وما كان مع القوم إلا أنهم يشتكون إلى الوالي، إلى الملوك. افعل بهم، وافعل بهم. وهكذا، عبد الله، ما وقع لشيخ الإسلام، ابن تيمية رحمه الله تعالى، وسيرته معروفة، كم أدخل إلى السجن، وحبس رحمه الله تعالى، ما كان ذاك إلا من جراء الوشاية من أهل البدع، ومن بعض متعصبة المذهب، متعصبة المذاهب، ممن كانوا يوشون إلى الأمراء والملوك في ذاك الزمان، على أحمد بن تيمية، على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، بأنه لا يحب الصالحين، وأنه لا يحب النبي، حينما ماذا؟ أفتى بتحريم شد الرحال إلى القبور، وإلى الأضرحة. وهكذا، يا عبد الله، كم نعدد، وكم نحدد، ولا ننسى كذلك ما مر معنا قديمًا في ترجمة الإمام البربهاري رحمه الله تعالى، إمام أهل السنة في زمنه، ما الذي وقع له؟ لم يقع له إلا الوشاية، كان في زمنه رحمه الله تعالى واسع الصيت، لهم الإجلال والهيبة والمهابة، ما لا له نظير في أحد من زمنه. كان رحمه الله تعالى لربما لربما يعطس، يعطس في مسجده، فيتناقل الناس التشميت، رجل عن رجل، رجل عن رجل، حتى يصل إلى ما وراء النهر، كل يردد: يشمت الإمام البربهاري إذا عطس، الحمد لله يرحمك الله. ما تقول؟ إمام عطس يرحمه الله، يرحمه الله، يرحمه الله، يرحمه الله، أم كلها رجل بلغ ذات الصيت، إمام في السنة، هذا الذي أوغر قلوبًا المبتدعة، ما الذي فعلوا؟ هذه المسألة، ذهبوا إلى ذاك الوالي، وهو الراضي، وأخبروا بخبر البربهاري رحمه الله، وأنه من فعله كذا وكذا، حتى أمر بزعيم الشرطة، وماذا؟ مسؤول عن الشرطة، أن يدادي في المحافل، أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان، ما يجتمع أحد. وثم أقيمت حد السيف، بالاعتقال، والضرب على الأطباق، البربهاري، فلاذا رحمه الله بالفرار، حتى مات في غربته رحمه الله. فهكذا، إخواني في الله، كما قال المؤلف رحمه الله: كونهم إذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى الشكوى للملوك، وهذا كما قلنا، ولازال يصل ويحصل في هذه الأزمان، عندما استطاع من أهل البدع أن يصلوا إلى المناصب العليا، أنهم استغلوا مثل هذه المناصب المرموقة والرفيعة عند الأمراء والحكام، أن يشوا بأهل السنة والجماعة، وأن ماذا؟ يحكوا عنهم الافتراءات والأكاذيب. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.