الدرس في شرح مسائل الجاهلية 105، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
كان أهل الجاهلية يعظمون الدنيا ويستخدمونها كمعيار في كل شيء، بما في ذلك المسائل الشرعية، وكان الكفار ينظرون إلى الرسالة والنبي من منظور مادي. كانوا يعتقدون أن الرسالة يجب أن تنزل على شخص ذي منصب ومال.
ينبغي أن نحذر من الدنيا التي تغلب على الدين وتجعل الإنسان يوالي ويعادي عليها، وأن نعلم أن تعظيم الدنيا مذموم إذا قدمت على مرضات الله. يكون المال نعمة إذا استخدم في طاعة الله.
المقطع ينهي الحديث عن مسائل معينة، ويتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل، وختمًا بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. هذا الختام يشير إلى نهاية الدرس أو الخطاب.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى- التاسعة والتسعون: عظمة الدنيا في قلوبهم، كقولهم: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾. قوله -رحمه الله تعالى- عظمة الدنيا في قلوبهم، أي في قلوب من؟ في قلوب أهل الجاهلية، الدنيا هي دنية، وكما قيل: ما سميت الدنيا إلا لدناءتها عند ربها سبحانه وتعالى، لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شربة ماء، لكن لا تساوي ذلك، فهي أحقر من جناح بعوضة، فهي دنية، لكنها عند أهل الجاهلية فهي الفوز المبين عندهم، من ضفر بالدنيا فقد ضفر بكل شيء. فكانت الدنيا في قلوبهم كما قال المؤلف -رحمه الله تعالى- معظمة مشرفة مقدسة، وصل بهم الحال أنهم سفكوا من أجلها الدماء، وأزهقوا من أجلها الأرواح، وهكذا هتكوا فيها الأعراض، وخربوا البلاد والعباد، كل ذلك في سبيل الدنيا، كل ذلك في سبيل الدنيا، حتى جعلوها عليها الولاء وعليها البراء، إذا كان أهل الجاهل له ولاء، فوالاءه من أجل الدنيا، وإن كان هناك براء وعداء وبغضاء، كان ذلك أيضا من أجل الدنيا. فالدنيا -إخواني في الله- هي المعظمة كما قال المؤلف -رحمه الله تعالى- قال: عظمة الدنيا في قلوبهم، فكان المقياس عندهم والمعيار في وزن الناس هو بالمال والمنصب والجاه، وما يؤتاه الواحد منهم من دنياه. وقد ثبت في الصحيح عندما ذكر نبينا -صلى الله عليه وسلم- الأمور التي تستدعي النكاح، قال: «تنكح المرأة لأربع»، فذكر لمالها ولجمالها وحسبها ونسبها، ذكر المال، قال علماء: كان ذلك من طرق الاختيار عند أهل الجاهلية، أن ربما كانت المرأة بلا نسب بلا حسب، لكن كان يغني عن ذلك المال، يغني عن ذلك المال، فالمال يجعل المرأة تكون لقمة يطمع فيها كل طامع، معنى لا شرف ولا نسب ولا حسب، لكن لها المال. فكان التنافس -إخواني في الله- هو الأصل، قد مر ذلك في دروس خلت عما يتعلق بأمر الدنيا من مال ورئاسة وجاه ومنصب، كان ذلك هو المقياس عند أهل الجاهلية في مقاييسهم ومعيارهم في وضع الناس في الوضع الاجتماعي. فقال مؤلفنا -رحمه الله تعالى- كقولهم، الدليل على تعظيم أمر الدنيا: أن هذا الميزان والمعيار لم يكن فقط في مسائلهم الدنيوية المادية البحتة، بل حتى أن هذا المقياس استخدموه في المسائل الشرعية، في المسائل الشرعية. تخيل أن الكفار لعظم النظر المادية، وهذه النظرة ما أتت إلا بعدما غزت الدنيا على قلوبهم، وهذا من آفة الدنيا: أن الذي -إخواني في الله- ينغمس في الدنيا، فإن الدنيا هي عقله، هي روحه، فكره لا يفكر إلا عن طريق الدنيا، لا ينظر إلا عن الدنيا، لا يتكلم إلا بالدنيا، لا يوالي ولا يعادي ولا يتبرأ من أحد إلا من أجل الدنيا. وهكذا كان الكفار، تخيل أن أمر الدنيا أصبح هو المقياس والمعيار، ليس في المسائل الدنيوية بين قبيلة وقبيلة أو بين فرد ومجتمع أو بين شخص وآخر، بل حتى أنهم أدخلوا الدنيا في باب النبوة والرسالة، في باب النبوة والرسالة. أتاهم نبينا -صلى الله عليه وسلم- بهذا الأمر المبين، بهذا الوحي المبين والصراط المستقيم، ردوا دعوة النبي -عليه الصلاة والسلام- لماذا ردوه؟ ليس من أجل الوحي الذي جاء به، لمن ذاته لأصله -عليه الصلاة والسلام-، ما العيب الذي وجدوه في نبينا؟ أنه بلا دنيا، ما كان على منصب، ما كان على جاه، ما كان على مال، ما كان على نفوذ، ما كان على سعة من الرغد في العيش والترف في المعيشة، هذا عندهم كان الشخص إذا بهذه المثابة ينحط قدره عندهم، نظرة مادية، فطبقوها على نبينا، ومن ثم على الرسالة، فوجدوا أن محمدا -عليه الصلاة والسلام- لا يليق بجناب الرسالة، لماذا؟ لأن جناب الرسالة عندهم لا يصلها إلا من كان على حظ عظيم من الدنيا. وغد ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- هذه الآية، فقال سبحانه وتعالى: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾، أي هذا القرآن لو أنه أنزل على غير محمد، على مثل من؟ على من العظماء، على رجل عظيم من عظماء أهل العرب. وهنا قال علماء: في قوله تعالى: على رجل من القريتين، يعني يعنى بها مكة أو الطائف، مكة أو الطائف، يعني رجل من عظماء مكة، من عظماء الطائف، هؤلاء إذا جاءت الرسالة على أيديهم فهذا أليق بأن يتبع، أليق لأن يتبع، فالنظرة ليست في الرسالة وإنما في حاملها، وخاصة على ما كان من دنيا. وقد اختلف العلماء من المعني؟ من هم الرجال الذين كان الكفار يرشحونهم؟ أن من أمثال هؤلاء لو أن الرسالة نزلت عليهم لاتبعناهم، فمن أهل علم قال: أن الذي عنوه من أهل مكة هو الوليد بن المغيرة، الوليد بن المغيرة، وكان يلقب بريحانة قريش، ريحانة قريش لبذله وعطائه ولسعة ماله. وأما في الطائف قالوا: لو أنه أنزل على حبيب بن عمر الثقافي، يعني اختاروا رشحوا رجل من مكة وآخر من الطائف، لو أنه أنزل على الوليد أو على حبيب، فهؤلاء أليق وأهل للرسالة، وهذا قول، وقول آخر من العلماء من قال: أن الذي أرادوه من مكة هو عتبة بن ربيعة، عتبة بن ربيعة، والذي من الطائف هو عبد يأل بن يليل، عبد يأل بن يليل، وقيل قول آخر كذلك بأن الذي أرادوه من مكة هو الوليد بن المغيرة، هذا على قول، وأما من الطائف فهو عروة بن مسعود الثقافي، عروة بن مسعود الثقافي، وقيل غير ذلك. وهي أقوال من قول عن بعض التابعين، إلا القول الأول فقد أثر عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه-، وجنح بعض العلماء كالشوكان -رحمه الله تعالى- وهكذا ينقل عن الطبري -رحمه الله تعالى- أنهم أطلقوا القول، أطلقوا القول وجعلوا الآية على عمومها، حتى قال ابن كثير -رحمه الله تعالى- في هذه الآية: قال: والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان، رجل كبير من أي البلدتين كان، أي لا أخصص ولا أعين شخصا بعينه، وإنما من كان عظيما فإنهم كان يرشحونه، اللهم أن تكون له العظمة تكون له العظمة. فهؤلاء -إخواني في الله- الذي أداهم إلى هذا المقياس المادي الدنيا التي عظموها في نفوسهم حتى ظهرت في أفكارهم وفي تصورهم، وحتى ظهر في تدينهم لله، كان ذلك عن طريق الدنيا، تأتي الرسالة إلى رجل عظيم فنحن معه، أما تنزل على محمد، حتى كان يقولون: «أتبع هذا المكي اليتيم»، فكانوا نظرة ازدراء واحتقار لنبينا، فكان ذلك كما احتجوا به سببا وذريعة في ترك الدين الذي جاء به نبينا -صلواته ربي وسلامه عليه-. مع العلم -إخواني في الله- أن العظمة صحيح مطلوبة، العظم مطلوب، لكن ليس على ميزان أهل الكفر، ليس النبوة والرسالة تنزل في من كان عظيما في ماله أو عظيما في دنياه، لا، وإنما الرسالة تنزل لمن كان عظيما في نفسه، عظيما في أخلاقه، عظيما في سلوكياته، من كان على خلق حسن، من كان يتخلى عن الرذائل وعن السفائس وعن الحرمات والمحرمات، فهؤلاء كان ربنا جل وعلا يصطفيهم برسالته ويشتبيهم لدينه سبحانه وتعالى، هم عظماء، لكن ليس عظماء في المال، ولا عظماء في الدنيا، ولا عظماء في النفوذ، وإنما كانوا عظماء في نفوسهم خلقا وأدبا وسيرة وسلوكا، فهؤلاء الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى. فينبغي -إخواني في الله- أن نعلم هذا الأمر، وأن الدنيا لا تعظم، ونحن -إخواني في الله- عندما نحذر من الدنيا ينبغي أن نحذر من الدنيا التي حذر منها ربنا جل وعلا، هي الدنيا التي تغلب على الدين، تغلب على الدين، فيكون الرجل يوالي ويعاد عليها، أو أنه يقدم مرضات الدنيا على مرضات الله سبحانه وتعالى. وهذا قد يوجد، ليس الشرط من تعظيم الدنيا، هذه مسألة التي بين أيدينا، الطعم في الرسالة، لا، قد تكون الدنيا معظمة في نفوس بعض المسلمين، إذا أنهم قدموا مرضات الدنيا على مرضات الله سبحانه وتعالى، بعض الناس لربما إذا سمع بوقت الصلاة والأذان، صاحب أصحاب الدكاكين والمحلات، وعند قدرة على ترك الدكان واللحاق إلى صلاة الجماعة، تجد أنه يتخير: ماذا أفعل؟ أقدم على ربي وذلك بالحرص على الصلاة، أم أني أمكث في دكاني وفي محلي حتى لا أخسر الزبائن؟ يقول: لا، بل زبائني، يبقى عند الزبائن يستزيد من هذه الريالات على حساب الدين، هذا تعظيم لأمر الدنيا -يا عبد الله- تعظيم لأمر الدنيا. آخر لربما تأتيه -سبحان الله- حق الله جل وعلا من المال، كحق الزكاة، عنده أموال قد بلغت النصاب ودار عليها الحول، وجب فيه حق الله جل وعلا، فيتخير: أخرج أم لا أخرج؟ فيقول: لا، سأترك، رب يدري بأعذاري وظروف صعبة، الله أعلم في المستقبل، شكل الأزمات قادمة كثير الأزمات، فأجعل هذا المال لحاجتي، فيتركوا المال بخلا وشحا، ويترك دين، ويترك ما أمر الله جل وعلا بأمر الزكاة. ولهذا شبه نبينا هؤلاء الذين يقدمون مرضات الدنيا على مرضات الرب جل وعلا أنهم عبيد للدنيا، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدنار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش»، سماهم ربنا، سماهم نبينا بالعبودية، بأنهم عبيد للدينار والدرهم، ليسوا أنهم عبيد لأنهم يصلون، لأجعلون الدينار والدرهم في القبلة، فينحنون ركوعا وسجودا له، لا -يا عبد الله- ليس هذا من شرط العبودية، لكن كون القلوب تعلق بالدينار والدرهم، فتكون هي الصارفة عن دين الله جل وعلا، فبئس الدنيا هذه. فهذا من تعظيم أمر الدنيا، لكن إذا كان رجل من المسلمين أعطاه الله الدنيا، لكن جعلها في طاعة الله، جعلها في مرضات الله، كان من الحامدين، كان من الشاكرين، كان مؤديا لدين الله جل وعلا، إذا سمع بالصلاة أدى الصلاة، أخرج الزكاة، تصدق من مال الله، أقام بحق الله وحق العباد، فهذا ولو أعطاه ربنا جل وأعطاه من ملوك الدنيا والآخرة، أعطاه ربنا جل من ملوك الدنيا، فإن هذا لا يعد صاحب دنيا، بل هذا من عباد الله، وأن هذه الدنيا إنما أوتيها رزق من الله جل وعلا. قال -عليه الصلاة والسلام-: «نعم المال الصالح للعبد الصالح»، نعم المال الصالح للعبد الصالح، كان من سلفنا من التجار، ومن الأغنياء، ومن الأثرياء، أعطاهم الله ما أعطاهم من الأموال، فليس ذلك دلالة على حزبية، ولا دلالة على انغماس في الدنيا، أو أن هذا لهث خلف المال، لا -يا عبد الله- ليس هذا المقياس، ليس الدنار والدرهم والأموال هي مذمومة في ذاتها، وإن مذمومة في آثارها وثمارها. فإن كانت هذه الدنيا وهذا المال سبيل إلى الصد عن دين الله وتضيع ما أمر الله جل وعلا، فهذه الدنيا مذمومة، وأما إن كانت هذه الدنيا لا تصد عن دين الله، معينة على طاعة الله، وأن صاحبها قام بأداء حق الله فيها، بإخراجها والثناء والشكر على ربه جل وعلا، فنعم المال هذا المال. فهذا -أخواني في الله- ما يتعلق بهذه المسألة من مسائل، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.