الدرس في شرح مسائل الجاهلية 121، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المؤلف خطورة القول على الله بلا علم ويعتبرها قاعدة الضلال وأصل الانحرافات، مستشهدا بالآيات القرآنية التي تنهى عن ذلك وتحذر منه.
القول على الله بغير علم هو أعظم المحرمات عند الله سبحانه وتعالى، وهو أصل الشرك والكفر والبدع والضلالات، ويتضمن الكذب على الله ونسبته إلى ما لا يليق به.
يُنبه الخطيب إلى خطورة التقول على الله بغير علم ويحذر من أن يصبح الدين مشوهًا بسبب البدع والخزعبلات، ويشير إلى أهمية قول "الله أعلم" عند الجهل بشيء ما.
المؤلف يبين أن القول على الله بلا علم قاعدة عظيمة تندرج تحتها الكثير من المخالفات، وهي أس الشرك والبدع والمخالفات.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامسة عشرة بعد المئة، قاعدة الضلال، وهي القول على الله بلا علم. قال المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الخصلة: وإلى تعتبر من أفحش الخصال التي تلبس بها من تلبس من أهل الجاهلية، ألا وهي القول على الله بلا علم وبغير علم، والتي عبر عنها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: قاعدة الضلال. ومعنى قاعدة الضلال، أي أصل الضلال، أصل الضلال ومن شأنه، فهذه المسألة تعتبر هي الأس والأساس، وهي القاعدة التي بنى عليها الكثير من أهل الجاهلية ضلالاتهم وانحرافاتهم منها. فقال رحمه الله تعالى: قاعدة الضلال، وهي القول على الله بلا علم. وهذه الخصلة، ألا وهو القول على الله بلا علم، كانت من الخصلة التي فشت في أهل الجاهلية، وخاص أهل الكتاب. وهذه الخصلة التي تفرع منها الكفر وتفرع منها الشركيات، ولهذا نهى ربنا سبحانه وتعالى أهل الكتاب عنها، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾، ولا تقولوا على الله إلا الحق، ولا يكون الحق إلا بعلم، ولا يكون الحق إلا بعلم. وتأمل في قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾، فما ينبغي أن يصدر منك يا عبد الله إلا الحق. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى نبه إلى مسألة، وهي التي عليها أهل الكتاب، أن من أهل الكتاب من إذا نطق بالباطل، فقال على الله الباطل، وهذا نهيه أكيد ونهيه شديد. ومن أهل الكتاب من لربما إذا نطق بأمر وهو شاك فيه، أهو حق أم أنه باطل، فبعض النصارى مثلا الذي تقول على الله سبحانه وتعالى في قضية الناسوت واللاهوت، في غيرها من مسائل التثليث، لو ربما نطق ببعض المسائل وهو ليس متأكد أهذا الذي نطق به حق أم الذي نطق به باطل، فهو متردد، هذا كذلك يدخل في التقول على الله بغير علم، لأن الله أمرهم أن يقولوا الحق فقط، ولا غيره. فما كان من قول الباطل فهذا مردود، وما كان مترددا فيه، ألا يدري أحق هو أم باطل، فهذا أيضا من التقول على الله بغير علم، لأن الله أمرك بأن تقول الحق فقط، فما كان باطل فلا تنطق به، وما كنت يا عبد الله مترددا فيه، ما تدري ما وجه الحق فيه، أهو حق أم أصواب أم أنه يمتجاذب بين الأطراف، فلا تنطق فيه، لأنه كذلك يدخلك في القول على الله بغير علم، كما نبَّى على ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. والقول على الله، إخواني في الله، بغير علم، القول على الله بلا علم، تُعتبر من أعظم الذنوب، بلغ من عظمتها أن الله سبحانه وتعالى حرَّمها على جميع الملل والأديان، فلا توجد ملة ولا يوجد دين إلا وقد سُطِّر في شريعتهم عظم هذه الفرية، وهو أن يقوم شخصٌ ما فيتقوَّل على الله سبحانه وتعالى بما لم يقله، أو يتقوَّل على الله سبحانه وتعالى بلا علم. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، حاكياً هذا الإجماع: وقد اتفق أهل الملل على أن القول على الله بغير علم حرام. ذكر هذا الإجماع في الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح. وهذه الخصلة، إخواني في الله، القول على الله بغير علم، كانت من أعظم مساعي الشيطان، فما سعى الشيطان في أمر في بثه وبذله بين الناس بمثل هذه المسألة العظيمة والبغيظة. وأنه يسعى بين الناس في أن يتقولوا على الله سبحانه وتعالى بغير علم، فقد كان ذلك من أولويات دعوة الشيطان، قال ربنا جل وعلا: ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. كان هذه بغية وهذه أمنية عند الشيطان، أن يدس في بني آدم هذه الدسيسة، أن يجرئهم على الله سبحانه وتعالى فيتقولوا على الله ويتقولوا على دينه ما لم يقله جل في علاه. وهذا، إخواني في الله، دل على عظم هذه المسألة، وهي كما قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: قاعدة الضلال، فهي أصل الضلال. ويوضح أن القول على الله بغير علم هي أصل الضلال، ما جاء في قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. تأمل يا عبد الله في هذه الآية، ذكر ربنا جل وعلا فيها المحرمات، لكن انظر يا عبد الله إلى الترتيب، نبه أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين، عندما تكلم عن المحرمات وأشار إلى هذه الآية، نبه رحمه الله تعالى إلى سر بديع في هذه الآية، أن هذه الآية كما أن فيها ذكر المحرمات، فيها أيضا ذكر ترتيب المحرمات. فإن الله سبحانه وتعالى بدأ بالأخف ثم بالأشد فالأشد، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾، ثم ذكر: ﴿والإثم والبغي بغير الحق﴾، ثم قال: ﴿وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾، ثم ختمها بقوله: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، فجعل ربنا سبحانه وتعالى أن من أعظم المحرمات على الإطلاق القول على الله بغير علم. وهل هي أعظم من الشرك؟ نعم، هي أعظم من الشرك، القول على الله أعظم من الشرك عند الله سبحانه وتعالى بنص هذه الآية، فربنا رتب الفواحش ورتب المحرمات، فجعل أعلى المحرمات تعظيما وتحريما هي القول على الله بغير علم، ثم الشرك دون ذلك. والسر في هذا الباب، ووجاهة هذا التوجيه عند العلماء، قال علماء: لأن الشرك ما هو إلا خصلة وجزئية من القول على الله بغير علم، الشرك ما هي إلا خصلة وجزئية من التقول على الله بغير علم، فما وقع الشرك بين الناس إلا في حق من تكلم بالله سبحانه وتعالى بغير علم. والأمر الثاني، والذي فيه الدلالة على أن التقول على الله بغير علم أعظم من الشرك، ما قال به بعض العلماء: أن الشرك هو أمر يتعلق بالشخص بنفسه، رجل أشرك وعاش حياته على الشرك ومات على الشرك، لكن الذي يتقول على الله ذنبه لا يتعلق بشخصه فقط، بل بشخصه وبغيره من الناس، يتبعه أمم وجماعات وأفراد ومجتمعات، فيضل بضلاله، بخلاف هذا المشرك مات بموته وانتهى، فعل بموت بهلاكه، لكن التقول على الله أعظم من ذلك. وقد عبر ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين على هذه المسألة بكلام بديع طويل، أذكر ملخصه: ومن أراد المزيد فليراجع ما ذكره في مدارج السالكين، عندما ذكر هذه الفائدة، وهو أن التقول على الله من أعظم محرمات، قال رحمه الله تعالى: فهذا أعظم المحرمات، يعني به التقول على الله بغير علم، قال: فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا، فإنه يتضمًن الكذب على الله ونسبته إلى ما لا يليق، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه. ثم قال: فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه، ولا أشد إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر، أي التقول على الله، قال: وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات، فكل بدعة مضل في الدين، أساسها القول على الله بغير علم. فإذا كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، هي أس المحرمات، ما من إثم، ما من ذنب، ما من وقيعة، ما من كفر، ما من بدعة مضلة، إلا وقد تفرعت من قول على الله بغير علم. فالقول يا عبد الله بغير علم أس الضلال، وهو أمرٌ فضيع وأمرٌ شنيع، بل يعتبر من أعظم المحرمات. وما وقع الهلاك وما سيقع الهلاك على هذه الأمة المحمدية إلا إذا تلبست الأمة بهذه الخصلة، إذا وجد من الناس من يفتري على الله، ومن يتكلم على الله بغير علم، وكانت له السيادة وكانت له القيادة، والناس له تبع. فحينئذ يا عبد الله الهلاك الذي سيحل في هذه الأمة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا من صدور الناس، ولكن ينتزع العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما أو يبقى عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». يأتي الهلاك يأتي الضلال على هذه المجتمعات الإسلامية متى ما جعل وخلي الأمر إلى أمثال هؤلاء من الجهلة، ممن يفتي في دين الله سبحانه وتعالى بغير علم. وانظر يا عبد الله إلى ما وقع في هذه الأمة من الذي يتصدر الفتوى؟ من الذي يتصدر المنابر؟ من الذي يعطى له حرية التعبير ويشار إليه بالبنان وتنقل الفتاوى على وسائل الإعلام هنا وهنالك، ترى أنهم أناس قد أفتوا في دين الله لكن بغير علم. فذاك حسبه أن يكون مفكر إسلامي، أو يكون محلل سياسي، أو أن يكون داعية، حده ومستواه العلمي دعوة إلى الله، لم يتضلع بالعلم الشرعي، فإذا بأمثال هؤلاء تناط لهم الأمور، تناط لهم المسائل العظام، تحال إليهم من نوازل ومسائل الدم والقتل والقتال، وهدم الأعراض ومسائل الدماء ومسائل الحروب وغيرها، تناط لأمثال هؤلاء، فماذا يفتون؟ يفتون بما عندهم، وما الذي عندهم؟ ما عندهم إلا العاطفة، ما عندهم إلا الحماس، ما عندهم إلا الطيش، فيفتون بفتاوى زائغة. وهذا الذي نرى في أوقات الناس وفي أزمان الناس هنا وهناك، ما كان إلا من جراء هذه الفتاوى التي تفوه بها من لا علم عنده. فلو أنهم أحالوا الأمور إلى أهل العلم، ممن رسخت أقدامهم في العلم، وممن زادهم الله جل وعلا بسطة في الفقه والفهم، لا أبعد الله سبحانه وتعالى العديد والعديد من الفتن. لكن الناس، عبد الله، اختاروا من أمثال هؤلاء ممن يتقول على الله بغير علم، حسبك داعية، حسبك مفكر، حسبك محلل، أو رجل بدعي، بدعي ما عنده شيء في علم الشريعة، ما تربى على السنة ولا على منهاج السنة، وإنما ينظر إلى الاستحسانات، كلما رأى عباده استحسنتها نفسه ضمها من دين الله، وقال: وهذه بدعة حسنة تلحق بالدين. وهكذا دواليك، يلحق البدع، ويلحق الطوام، ويلحق الخزعبلات على دين الله، حتى شوه الدين، حتى ضاعت معالم الدين، أصبحت الواجبات، والفرائد في دين الله مغمورة، وأصبحت البدع والطوام والخزعبلات هي المشهورة والمنشودة عند الناس. لما؟ عندما تقمص من أمثال هؤلاء مثل هذه المنازل، فتكلموا على الله سبحانه وتعالى بغير علم. وهكذا قل يا عبد الله: فإن الهلاك والضلال إنما يقع على هذه الأمة متى ما خُلِّي الأمر لأمثال هؤلاء ممن يتقوَّل على الله بغير علم. وسلفنا الصالح اشتد نكيرهم، اشتد نكيرهم على هذه المسألة، وأنه لا يجوز بحال يا عبد الله أن تتقوَّل على الله بغير علم، ليس من العين، وليس من العار، وليس من الشنار أن تقول فيما لا تعلم: الله أعلم، هذا لا يخزيك، وهذا لا يضرك، بل هذا هو الطواضع، هذا هو الاعتراف بمستواك العلمي. قل: الله أعلم، ليس بعض الناس إذا صعد على المنابر أو صعد أمام الإعلام، وسئل على الهواء مباشرة، وكان حوله الجموع، وسئل بأسئلة وما يدري عنها جوابا، لربما يبتكر أقوالا ويبتكر بعض العبارات التي تخرج من هذا المأزق. لا يا عبد الله، يكفيك أن تقول: الله أعلم، كما كان سلفنا الصالح، الإمام مالك في القصة المشهورة عنه، في قصة ذاك الرجل الذي جاء من أسقاع البلاد، من أماكن بعيدة، وعنده الأسئلة الكثير، عشرات الأسئلة، حتى بلغ عند مالك رحمه الله تعالى، أراد أن يستفتيه، فإذا بمالك ما أفتاه إلا بالقليل، وسكت عن الباقي. أراد هذا السائل أن يستزيده، قال: ما أدري، الله أعلم. فقال: كيف هذا؟ أنا جئتك من ذلك البلاد، ومن تلك البقاع، ثم تقول: الله أعلم. قال: هذا الذي عندي. ورده رحمه الله تعالى. هذا ما يضرك يا عبد الله، ما ينقص من قدرك، ولا من قيمتك، القيمة يا عبد الله عند الله جل وعلا أن تعترف بمستواك العلمي، تقول: الله أعلم، ما أدري. حل لغيرك يا عبد الله، أما أنك تتكبد الصعب والذلول، فتقول لما لا تعلم: أنا أعلم، فهذا هو الخزي. وكما قلنا، إخواني في الله، عبارات سلفنا الصالح كثيرة وكثيرة جدا في هذا الباب. ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «يا أيها الناس، من علم علما فليقل به، ومن لم يعلمه فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم». هذا علم، هذا ليس جهل، بل هذا علم، علمك بأني لا أدري، هذا اعترافك بمستواك العلمي. قال: «فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم». هذا علمي، عبد الله. وليس يضرك أن يسمع الناس بأنك جهلت هذه المسألة، وأنك ما دريت الحكم فيها، هذا لا يضرك، ولا أنك تدخل الناس فيما لا تحمد عقباه، يضرك ذلك في دينك، ويضر ذلك في دين الناس كذلك. وهكذا ما قال الصديق رضي الله تعالى عنه، وهذا الأثر يحسنه بعض العلماء، وإن كان بعضهم حكم عليه بالانقطاع: أن الصديق رضي الله تعالى عنه يقول: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إن قلت ما لا أعلم». من الذي سيأويني؟ من ذا الذي سيحميني من الله سبحانه وتعالى إن تقولت على الله، فقلت في دين الله ما لا أعلمه؟ فكان السلف رحمه الله تعالى وطنوا أنفسهم أنهم يذكروا ما يعلمون، وما لا يعلمونهم، فقد كفاهم الله المؤنة، فسكتوا، أحالوا العلم إلى أهله، وقالوا: الله أعلم، أو أحالوا إلى من هو أعلم منهم. وهكذا ما جاء عن ابن مسعود، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنهما قالا: «من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه، فهو مجنون، من سأل الناس في كل ما يسألونه عنه، فهو مجنون»، أي: كل سؤال ستجيب عليه، هذا ما يمكن، لأنك من هذا الذي أحاط علما، ما أحد أحاط علما. كم من علمائنا من هو أفضل منك، وأرصخ منك علما، توقفوا في مسائل، توقفوا في مسائل، فأما أنت إذا تظن أنك في كل مسألة ستجيب عليها، فهذا هو الجنون، لأن هذه مغامرة، هذه مغامرة، ما أحد من الناس سيستطيع أنه يدعي أنه قد أحاط علما بدين الله سبحانه وتعالى. فإن علمت أشياء، عبد الله، فإنه قد خفي عنك أكثر وأكثر. وهكذا ذكر ابن سيرين رحمه الله تعالى، قال: «لأن يموت الرجل جاهلا خير له من أن يقول ما لا يعلم». لأن تموت جاهلا، هذا أنفع لك، وأفضل لك عند الله سبحانه وتعالى، من أن تلقى الله سبحانه وتعالى وقد تقولت على الله بغير علم. وقال إمام مالك رحمه الله تعالى: «من فقه العالم أن يقول: لا أعلم». هذا من فقهه، لا يضرك، ولا يشينك هذه العبارة شيئا، عبد الله، ولا ينقص هذا من قدرك، ولا يهضم من حقك، فأنت يا عبد الله بعلمك، ولو أن أمورا من دين لا تعلمها، أنت فهذا لا ينقص من حقك. وهكذا قال الشعبي رحمه الله تعالى: «لا أدري نصف العلم». وقال كذلك بن جبيب رحمه الله تعالى: «ويل لمن يقول لما لا يعلم: إني أعلم». ويل له، هذا الذي يدعي، تأتي إلى مسألة أنت لا تعلمها، ثم تدعي أنك تعلمها، فهذا، عبد الله، ويل، ثم ويل، ثم ويل لأمثاله. فهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى في بيان أن هذه الخصلة هي قاعدة عظيمة، تندرج تحتها الكثير والكثير من المخالفات، بل هي أس، وهي أس المخالفات، منها انبثق الشرك، ومنها تفرعت البدع، ومنها ظهرت المخالفات، كما صرح بذلك العلماء، فيما قال المؤلف رحمه الله تعالى: قاعدة الضلال، وهي القول على الله بلا علم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.