شرح مسائل الجاهلية  89

شرح مسائل الجاهلية 89

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 89، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم وضع السراج على القبور

المقطع الأول يتناول تحريم وضع القناديل والسرج على القبور باعتباره من وسائل الشرك والغلو في الميت، واستشهد بحديث النبي. المقطع الثاني يستدل بفتاوى أئمة الشافعية على تحريم إيقاد السرج.

حكم إضاءة القبور وأعمدة الإنارة

يتناول المقطع آراء علماء الدين حول إضاءة القبور، حيث يرى البعض عدم جواز الإضاءة المستمرة بينما يجيز البعض الآخر الإضاءة المؤقتة عند الحاجة.

الدعاء والصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالثة والثمانون، اتخاذ السراج على القبور، أي هذه الخصلة، إخواني في الله، من الخصال التي ابتليت بها الأمم السالفة من أهل الجاهلية، أنهم كانوا يتخذون السرج على القبور. والسرج جمع سراج، والسراج يطلق على المصباح المنير. فكان من عادة العرب، ولا زال ذلك يفعل قديمًا، أن الناس كانوا يأتون عند قبور العظماء والشرفاء، سواء كانوا لهم شرف في الدين أو الدنيا، فكان يميزون قبورهم وأضرحتهم بوضع القناديل عليها. تدخل إلى مقبرة، فإذا بقبر معين عليه قنديل، عليه إضاءة، وربما كان ذلك القنديل قد أولع ليلًا ونهارًا، حتى في رابعة النهار، والقنديل يضيء. لماذا كل ذلك؟ تعظيم لهذا الميت ولصاحب القبر. وهذا، إخواني في الله، من أعظم المحرمات، أولًا لما فيه من الغلو في هذا الميت، والدلالة على ذلك أن هذه القناديل لم تضع لكل قبر، وإنما لأناس مخصوصين. فما خص هؤلاء بهذه الإضاءة وبوضع السرج عليها إلا للغلو فيهم. وأهل الإسلام قد نهوا عن الغلو في أي شخص كان. وثانيًا، أن هذا المظهر وهذا الفعل، وضع القناديل، وضع السرج على القبور، إخواني في الله، وسيلة من وسائل الشرك. فهذا الفعل يفتن الكثير من الناس، وخاصة الجهلة، ولو كانوا من أهل الإسلام، فربما يفتنون بأي شيء. وانظر إلى أحوالهم إذا ذهبوا إلى أرض الحرمين، كيف يتهافتون تهافت الفراش على هذه المظاهر الشركية، التمسح والاستغاثة إلى غير ذلك. فمثل هذا لا يستبعد أن توجد من الأم من بلغ من الضحالة في العلم والتورع والتدين لله جل وعلا هذا المحك. فوجود مثل هذه القناديل ووجود مثل هذه السروج كم كان فتنة لبعض الناس. يدخل إلى القبر، يرى هذه المقبرة، ذاك فيها السراج، لماذا؟ قال: هذا الرجل مرموق، له منزل في الدين، فينعطف قلبه لهذا الرجل. وهذا أول انحراف، الانعطاف القلب، وبعد ذلك يأتي انعطاف الإحساس والمشاعر، وبعد ذلك يأتي انعطاف اللسان، ثم التوسل والتبرك والاستغاثة، فإلى ما لا تحمد عقباه. وأضف إلى ذلك، إخواني في الله، ما جاءت به الأحاديث الناهية عن ذلك. كما جاء في السنن من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها السرج. فعلى هذا الحديث وعلى ظاهر النص، فيه اللعن من نبينا عليه الصلاة والسلام لمن اتخذ السروج على القبور. ولكن، من باب التحقيق لهذه المسألة العلمية، وخاصة هذا الحديث المذكور، وإن كان قد تناقله الكثير من الكتاب بالتصحيح والتحديث والنشر، إلا أن الحق يقال: إن هذا الحديث وهذه اللفظة خاصة ضعيفة، بل حكم عليها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى بالنكارة. وأنها لم تصح، حيث أن مدارها على أبي صالح باذام، وهذا ضعيف شديد الضعف. ومما يذكر في هذا المقام أن ممن صرح بتحريم هذا الفعل أئمة الشافعية. هم على التحريم بتحريم اتخاذ السرج على القبور. من ذلك ما ذكره الهيتمي رحمه الله تعالى في الزواجر عن اقتراف الكبائر. قال رحمه الله تعالى: صرح أصحابنا من أصحابه الشافعية، فهذا على مذهب الشافعي، قال: صرح أصحابنا بحرمة الإسراج على القبر، قال: وإن قل. أي عند الشافعية، كما ذكر ابن حجر الهيتمي رحمه الله، أنه ليس يشرط في إضاءة واستراج على القبور أن تكون إضاءة شاسعة كبيرة وواسعة، بل ولو كان قليلًا. بل من العلماء منصر حتى بشمعة. شمعة تأتي إلى قبر، وهذا يوجد الآن. الأسف، بعض الناس يذهب ويزور قبرًا من القبور، أراد عربون محبته لصاحب القبر، إما يضع زهورًا أو ورودًا، أو أنه يوقد شمعة. هذا إيقاد الشمعة يدخل في اتخاذ السرج. وعلى هذا تتنزل فتوى الشافعية. قال: بحرمة اتخاذ السرج وإن قل. وإن كان هذا الإسراج ولو كان أمرًا يسيرًا. قال رحمه الله تعالى: حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر. لأن اتخاذ السرج في المقابر من ينتفع بها ليس عندي أحد يقيم، ولا عندي أحد زائر، لأنها مقبرة، مقبرة هي سكان للموتى لا للأحياء. فلا يبعد أن يكون كبيرة. بغض النظر عن الحديث، فهم رحمهم الله تعالى أتوا بعلة خارجة عن الحديث، أولًا الإسراف. وقد نهينا عن الإسراف وعن إضاعة المال. تجد بعض الناس من يوقف الأموال الكثيرة وينذرها على اتخاذ السرج على القبور، هذا وقف محرم مردود على صاحبه. وأيضًا عللوا أن في ذلك تشبهًا بالمجوس، لأن المجوس هم عباد النار، وحياتهم ما تقوم إلا على النار تعظيمًا لها. فشبه ابن حجر رحمه الله تعالى إحرام إيقاد السرج أن في ذلك تشبه بالمجوس. وهذا من مسائل الجاهلية. وأيضًا العلامة الألباني رحمه الله تعالى، مع تضعيفه لهذا الحديث، إلا أنه مع حرمة اتخاذ السرج على القبور. وأتى بعلة إضافية فوق العلة الأولى والثانية، فوق علة الإسراف وفوق علة التشبه بالمجوس، قال: بأنها بدعة. وبين رحمه الله تعالى، وهذا في كتاب الإرواء وفي تحذير الساجد وفي غيره من كتب، بين البدعية بقوله رحمه الله تعالى: أن الذي يفعل ذلك، وهو الذي يوقد السراج في القبر، إنما أراد التعبد لله، أراد التعبد لله، وهذا بحد ذاته بدعة ضلالة. فليس في دين الله، وليس من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أن يتعبد لله جل وعلا بهذا الفعل، بإيقاد السرج على القبور، وهو خروج عن مذهب السلف وعن منهج السلف. وبهذا، إخواني في الله، علمنا أن هذا الفعل، وهو إيقاد السروج، إسراج على القبور، من المحرمات. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه الاختيارات العلمية ذكر الإجماع على تحريم ذلك. قال رحمه الله تعالى: وهذه يتعين إزالتها، أي هذه المظاهر على القبور من إيقاد السرج ومن البناء على القبور، قال: هذا يتعين إزالتها، ولا أعلم فيه مخالفًا بين العلماء المعروفين. فهذا جاء إجماع من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وممن يشملهم الشافعية، فهم على التحريم. وبهذا، إخواني في الله، فلا يجوز أن تتخذ السرج على القبور. قد يقول قائل: إذا كان ذلك منهيًا عنه، فما الحيلة في حق من اضطر إلى دفن ميت في الليل؟ فقال علماء: فهنا لا بأس أنه إذا احتاج إلى أن يسرج السراج وأن يأتي بالإضاءة، فلا بأس أن يكون ذلك على قدر الحاجة. وأحيانًا يفعل هذا أحيانًا بعد العشاء، يقول: هناك جنازة، فيذهب الناس، فيأتي من يأتي ومعهم الفوانيس، يؤتى على قدر الحاجة، على ممشى الناس، على مكان جلوس الناس، على مكان الدفن، وبعد ذلك ينطلق، فهذا لا بأس به. فأن تسرج المقابر لهذا الغرض، فهذا لا بأس به. أما أن تكون إضاءة مستمرة، فهذا هو الممنوع. وهنا تأتي مسألة أخص من هذه المسألة، وهي ما يتعلق بالإنارة بأعمدة الإنارة الموجودة في المقابر، هل هذا يدخل في الإسراج أم لا يدخل في الإسراج؟ نعم، من العلماء من صرح بهذا أن وضع أعمدة الكهرباء المضاءة على القبور، أن هذا مما لا يشرع، وأن هذا من اتخاذ القبور مساجد. ولا حاجة لذلك، ومن ذا الذي يستفيد من الإضاءة؟ لا أحد، لا هناك جنازة، لا أحد مقيم حولها، فلا حاجة. ومن العلماء من فصل وتوسع في هذا الباب، قال: إذا كان هناك مكان للناس، أحتاج إلى الإضافة، لا بأس أن يضاء لهم لهذا المكان المعد للدفن. وأما ما عدا ذلك، فيبقى على الظلمة. وهكذا أيضًا الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى هو على هذا الرأي. ثم ألمح رحمه الله تعالى إلى الأفضل ترك ذلك بالكلية، وأن المقابر لا تضاء. ذكر رحمه الله تعالى عدة أسباب، كما في فتاويه، ومن ذلك الفتنة، ومن ذلك أن يكون فتح المجال للجهل من الناس إلى عدم التمييز بين المشروع والممنوع، إلى آخر ذلك. وأن هناك ليس هناك ضرورة لطرح إضاءة، فهناك إضاءات بديلة، قال: عندهم السيارات، فيشغلون إضاءة السيارات، تضيء المكان، تكفيهم، أو عندهم إضاءات شخصية، يضيئون القناديل والفوانيس في أمر مؤقت. أما أن تكون إضاءة ثابتة، قال: أولى ترك ذلك، لأن ذلك مما قد يدخل في اتخاذ السرج على القبور. فالحاصل، إخواني في الله، من هذه المسألة أن من فعل أهل الجاهلية اتخاذ السرج على القبور، وهذه مسألة لا زال مفعولها ساري المفعول عند كثير من جهلة المسلمين، أن هذا يسرج على قبر أهله، وذاك على قبر صاحبه، والأعظم من ذلك من يسرج على قبور الأولياء على حد زعمه، ويصاحب ذلك الاعتقاد البدعي، بل الاعتقاد الشركي. وكل ذلك خروج عن هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، بل خروج عن أقوال أئمة المعروفين، بل وعن الإجماع المعتد بين العلماء المعروفين الذين أجمعوا على المنع من هذه الظاهرة. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.