الدرس في شرح مسائل الجاهلية 20، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع مسألة الاقتداء بفسقة العلماء والعباد، ويبين أهمية التفريق بين العلماء والعباد. ليس كل من سلك مسلك العلم أو العبادة يكون على الخيرية.
يحذر المقطع من اتباع علماء السوء والعباد الفسقة الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، مستشهدا بآية قرآنية وحديث نبوي.
يتحدث المقطع عن خطر العلماء الذين يبيعون دينهم لتحقيق مصالح شخصية ويفتون بتحليل الحرام، ويضرب مثالا بقصة سلمان الفارسي مع عالم نصراني.
يذكر أن أهل الجاهلية كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل، وهذه الصفة كانت موجودة قبلهم وإلى الآن، ويعد من صفات علم السوء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: التاسعة الاقتداء بفسقة العلماء والعباد، فأتى بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله﴾، وبقوله: ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل﴾. هذه المسألة التاسعة، إخواني في الله، من المسائل التي خالف فيها نبينا صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية، ألا وهي اقتداؤهم بفسقة العلماء والعباد. وقوله رحمه الله تعالى: الاقتداء، وهو الائتساء، والاقتداء أن تجعل لك قدوة، هو أسلوب من أساليب التربية، بل يعتبر من أعظم أساليب التربية أن تجعل لك قدوة وتجعل لك أسوة، فتتأسى به وتحتذي بحذوه. وبهذا أرشد ربنا جل وعلا إلى تربية النفس على الاقتداء والائتساء بأهل الصلاح، أولئك الذين هداهم الله، فبهداهم اقتده. لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. فالمسلم، وكذلك بمعنى العام، التربية تكون بأن تقتدي بالأخيار. قال هنا: الاقتداء بفسقة العلماء والعباد، الإشكال الذي وقع عند أهل الجاهلية أنهم لما اقتدوا ما اقتدوا بأهل الأخيار أو بأهل الصلاح، وإنما اقتدوا بأهل الفجور والمجون من الفسقة. قوله رحمه الله تعالى: بفسقة العلماء والعباد، فيه كذلك منزع بيان لقيمة ولمنزلة العلماء والعباد في المجتمعات، فإن من أعظم الناس صلاحا في المجتمعات هم العلماء، وهم العباد، أهل الصلاح. كثر لهم مراتب ولهم منازل، لكن من أعظم من لهم منزلة في نفسه، أي في مجتمعهم، العلماء والعباد. وفي ذلك فائض أيضا على ضرورة التفريق بينهما، فليس العالم هو العابد، وليس العابد هو العالم، فكل له مجاله. فالعالم له مجاله الفتوى والتوجيه والإرشاد، وأما العابد له مجاله وهو الوعظ والزجر وتربية النفس والقلب. إخواني في الله، كثير من الناس ما يفرقون بين العالم وبين العابد، ويظهر ذلك جليا في قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، حينما سأل ذاك التائب عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، دل على رجل عابد. ولهذا يوجد في هذه الأزمان كذلك أن بعض الناس متى ما رأى رجلا في سيم الخير، لو ربما لجأ إليه وسأله: وأنا عندي سؤال، أسألك بمسألة، لماذا تسأل هذا؟ قل أخي: رأيت فيه خيرا، لا، هذا ليس بضابط، ليس كل من كان من الأخيار يسأل، فتسأل: هل هذا من طلبة العلم؟ هل هذا ممن سلك سبيل العلم حتى يسأل فلك ذلك؟ أما إذا كان من العباد ممن ينشغل بالعبادة، فهذا ليس له أن يسأل، فلابد التفريق إخواني في الله بين العالم وبين العابد. وعندما نسمع في تراجم السلف رحمه الله تعالى: أن فلانا من العباد، وأن فلانا من العلماء، لا يعني هذا إذا سمعنا مثل هذه التراجم أن هذا الذي وصف ووسم بأنه عالم بأنه عار عن العبادة والتعبد، لا يمكن هذا. فعندما تقول: أن فلانا عالم، ليس معنى أنه ليس له حظ من العبادة والتعبد، لا، عنده عبادة وتعبد، ولهذا أصبح عالما ربانيا، لكنه اشتغل بالعلم أكثر من العبادة والتعبد. وهكذا قس في قولك إذا سمعت يقول: فلان من العباد، ليس معنى أنه عابد بمعنى أنه قد عري من العلم، ولا علم تحته، لا، عنده علم، لكن علمه بقدر ما فيه تصحيح للعبادة التي يتعبد الله جل وعلا بها، فهو انشغل بالعبادة والتعبد أعظم من انشغاله بالعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الاقتداء بفسقة العلماء والعباد، هنا مسألة مهمة نبأ عليها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان أن هؤلاء الأخيار، سواء كانوا من العلماء أو كانوا من العباد، أنهم ليسوا على وتيرة واحدة من الصلاح، وليس من الضرورة أن من سلك مسلك العلم وسلك مسلك العبادة أن يكون على الخيرية. بل إن منهم من يدخل عليه الداخل فيكون خارجا عن العلم الشرعي، خارجا عن العبادة الشرعية، فيكون فاسقا ماجنا. وهذا الذي أراده رحمه الله تعالى أن يبين أن العالم هناك ما هو عالم سوء، وهناك ما هو عالم أمة، عالم صلاح. وهكذا قل في باب العبادة، وهناك من يتعبد الله بعبادة فيكون من العباد الزهاد ممن يحبهم الله ويرضى عنهم، وهناك من العباد من عابد سوء لا يحبه الله ولا يرضى عنه. فإن نفرق بين هذا وذاك، وهذا كذلك مما يرتبس عليه الناس، يرون أن من سلك هذا المسلك فهذا هو القمة، وهذا الأصل، أن هذه المسلك ما يدخلها إلا الأخيار والصلحاء، لكن بعضهم يدخل عليه الدغل والزغل فيخرج عن حقيقة الشيء وعن ما أراده الله جل وعلا. فيتولد عندنا في باب العلم من هو من العلماء الربانيين، ومن أهل العلم من هو عالم سوء. وهكذا قس في باب العبادة، هناك من يدخل في باب التعبد والتدي لله جل وعلا فيكون عابدا زاهدا تقيا نقيا، وبالمقابل يتولد عندنا من التعبد لمن ساءت نيته وساءت سريرته من يكون عابد سوء، يتعبد الله جل وعلا على غير بصيرة. ونحن في هذه الأزمان نجد أن الناس لا يفرقون بين هذا ولا بين ذاك، والأدلة الشرعية قد دلت على ذلك، دلت على وجود أناس وإن كانوا يتسمون باسم الصلاح، لكن الصلاح ليس بالصلاح الذي أراده الله جل وعلا. أخبر عليه الصلاة والسلام في آخر الساعة من يخرج عن أمة محمد، فوصفهم نبينا بقوله: «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». فانظروا إلى وصفهم دعاة، كلمة دعاة يأنس بهذه الكلمة أن الدعاة وما يكون إلا وصفا لأهل الصلاح والأهل الخير، هذا الأصل. لكن أحيانا يكون هؤلاء الدعاة على خلاف ما هم عليه، فهم دعاة لا إلى الحق ولا إلى الخير، وإنما دعاة على جهنم، دعاة على أبواب جهنم، يجرون الناس جرا إلى غضب الله وإلى سخط الله. وهكذا ما جاء في حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه أن نبينا قال: «إن أخوف ما أخاف على أمتي من الأئمة المضلين»، أئمة وصفهم ربنا، نبينا بأنهم أئمة، لكن على ماذا أئمة هدى؟ لا، بل أئمة الضلال. فراعي يا عبد الله هذه الأوصاف، فقد تجد داعيا يدعو لكن إلى النار، وقد تجد إماما لكن يجر كذلك إلى غضب الله جل وعلا. إذن البلية التي وقع فيها أهل الجاهلية أنهم كانوا يأتمون ويقتدون بفسقة العلماء والعباد. قال رحمه الله تعالى: الاقتداء بفسقة العلماء والعباد، ثم قال: فأتى بقوله، من الذي أتى؟ الضمير يعود إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، أي أتى نبينا بما يخالف هذه العقيدة، بما يخالف هذا المسلك الذي عليه أهل الجاهلية. بعث نبينا على أهل الجاهلية فرأهم يسيرون على هذا المسلك، يتوجهون إلى علماء السوء، يتوجهون إلى أئمة الضلال، يرجعون ويسترشدون بعباد السوء. لما رأهم نبينا على هذا خالفهم فيما هم عليه، فيما ماذا خالفهم؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: فأتى بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله﴾. أتاهم نبينا بهذه الآية المحكمة فيها التحذير من اتباع من أمثال هؤلاء، وأنهم ليسوا أهلا للاقتداء وللائتساء. قول جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله﴾، الأحبار يطلق على علماء اليهود، علماء اليهود يسمون بالأحبار، مفردها حبر. وقيل أنها مقاربة لكلمة بحر، حبر بحر، ووجه الدلالة أن فيه سعة وفيه كثرة، فالعالم إذا ازداد علما فتبحر في العلم فيكون حبرا. فكان هذه من الألقاب التي تعطى لعلماء اليهود بأنهم الأحبار. والراهب هذا عند النصارى وهو العابد، فإن النصارى عندهم العلماء وعندهم العباد، والعالم عندهم يسمى بالقسيس، والعابد عندهم يسمى بالراهب. فأخبر ربنا جل وعلا عن حال اليهود وحال النصارى، وقد مر ذلك معنا أيضا أن السمات البارزة في الناس أن عند اليهود علم لكن بغير عمل، فهم عندهم جانب عظيم من العلم، لكن انقصهم العمل بالعلم. وأن النصارى على خلاف ذلك، عندهم عمل لكن بغير علم، فجانب التعبد عندهم أكثر، جانب التعبد عندهم أكثر من اليهود، فعندهم العلماء من اليهود، وعندهم العباد من النصارى. قال ربنا جل وعلا يصف هؤلاء: أن كثيرا منهم ما به ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، هذه الصفات الشنيعة والأخلاق الذميمة ما تليق بالعلماء ولا بالعباد، لأن العالم والعابد إنما عليه أن يفعل أول ما يفعله أن يأتي بما يرضي الرب جل وعلا. أما هذه الأفعال التي فعلت وهي أكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله، هذا ليس من صفات أهل الصلاح، لا من العلماء ولا من العباد. فأخبر ربنا جل وعلا أن كان ذلك السمات البارزة في العلماء والعباد في ذاك الزمان، فحذر ربنا جل وعلا من اتباعهم. وانظر يا عبد الله كيف أن ربنا جل وعلا ذكر من أعظم ميزة من مزايا علماء السوء، بل وقدمها على غيرها، أنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، أي أنهم يتأكلون بالدنيا على حساب الدين، يأكلون في الدنيا ومن الدنيا على حساب الدين. ولو تلاحظ يا عبد الله أن غالب غالب من يعير ومن يوصف ويشهر بأنه من علماء السوء، تجد أن الذي أدخله في هذه الضلالات هو المال، المادة، الدنيا، المناصب، الرئاسات. يوجد هذا قديما وحتى حديثا، تجد بعض الآن في التطور المادي الاقتصادي، تجد هناك الشركات العظيمة العملاقة التي تحتاج إلى شيء من الفتيا، حتى تمشي بعض المعاملات التي يتعاملون بها مع الناس. وقد تكون المعاملات محرمة، محرمة واضحة التحريم، فهؤلاء يجعلون من موظفيهم ومن مراكز الاسترشاد عندهم من أمثال هؤلاء، ينصبون عالما، يقول: أنت عندنا، ما هو دورك؟ دوره كأنك تحلل لنا الحرام، هذا همه، تحلل لنا الحرام، واجزاك الله خير، فقل: أبشره. فما أن تأتيه مسألة من مسائل الربا الصريحة الواضحة، تأتي عنده وتخرج أنها حلال، يقول: هذا نعم، هذا قول فيه خلاف، يخالف الاستدلال، يخالف الدليل، يأتي بأدلة ضعيفة، مكذوبة، مخترعة، قواعد مستنبطة، لو ربما يأتي بقول شاذ، يأتي بقول شاذ، ولا تخلو الأمة من بعض العلماء من يشتهر فينبذ بقول شاذ، ويكون مطروحا عند العلماء، لا يؤبه له. فيأتي هذا ويأتي بالقول المطروح، ثم يجعله في مضمار العلم، يقول: هذا قول، هذا قول بعض علماء الإسلام، له اعتباره وله نظره. فيجعل أن هذه فتوى مرسومة، هو قول شاذ، وأحيانا قس على هذا الباب في باب الاقتصاد، وفي غيره من أبواب الدين، بل حتى أصبح الحكومات ونحو ذلك، إذا أراد أن يفعل فعلا محرما، لربما اتكأ واتكل في سؤاله على أمثال هؤلاء. أولا ممن يتأكل من وراء الكل، يستفيد هذا صاحب المسؤوليات والمناصب والرئاسة والشرف والنفوذ، يستفيد تحليل الحرام الذي هو فيه. وهذا مسائل وهو المسؤول وهو العالم السيئ، فإنه ماذا يستفيد؟ ما يأكله من قلة الدنيا، يستفيد الأموال، الرئاسة، المناصب. وكم حدثت الأخبار والوقائع عن ذلك، حتى مما أذكر مما سمعت عن هؤلاء أن منهم من فعل مؤتمرا، مؤتمرا عظيما حول مسائل من مسائل معاصرة، أذكر حول مسائل طفل الأنابيب، وحول مسائل معاصرة، فأجاب بعض العلماء، وكان من أمثال هؤلاء قد حضر. فالناس كانوا يبحثون عن بحوث تخرج، كل عالم يأتي بما عنده من علم حول هذه المسألة، وما الذي يبلغ اجتهاده في الحكم على هذه المسألة المعاصرة. فإذا بأحدهم يأتي إلى صاحب الدورة العلمية القيمة في بعض الدول الكبرى، فيقول له: أنت إيش تقول؟ يعني هذا العالم يسأل صاحب الدورة: أنت إيش تريد؟ تريد حلالا ولا حراما؟ وما عليك إذا كنت تريد حلالا أبشر، سيأتيك ببحث مفصل في تحليل لهذه المسألة، وإن أنت أردت الحرام وتمنع هذا أبشر. فهذا عالم سوء يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. وكما قلنا إخواني هذا الأمر كما قلنا قديما. وأذكر قصة وغذ هذا قصة حقيقية عن سلمان الفارسي، وغذ ذكرها شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، أن سلمان الفارسي يحكي عن نفسه أنه كان فارسيا، وكان من عباد النار، بل إن أباه كان كبيرا من كبرائهم، هو الذي كان يشعل النار في قريته حتى تعبد. وأن سلمان عندما كبر كان أبوه يعطيه الصلاحية في أنه يقوم على هذه النار المقدسة، فكبر سلمان وهو على هذه الخدمة، وعلى هذه المهنة من القيام على نار المجوس، بل كان أبوه من حرص على ابنه كان يقيده بالسلاسل حتى لا يذهب، لا يمنة ولا يسرة. وكان هذا الأب الذي يخرج إلى الضيعة إلى الزراعة يعمل، إلا أن ذات يوم الأيام مرض الأب أو عجز عن الذهاب، فأمر من ابنه سلمان الفارسي أن يذهب إلى الزراعة ليعمل بعمل، وأن لا يذهب لا يمنة ولا يسرة. فخرج سلمان لأول مرة وهو لا يخرج إلا القليل، فذهب إلى مزرعته حتى يعمل في محل والده، رأى كنيسة فرأى هذا المظهر العجيب، فسمع ما يتلو عليها من الصلوات وترانيم، فأعجب بهم، أعجب بهذا الصلاة، أعجب بهذا الترانيم، فسأل عنهم: ما هذا؟ فأقبل هذا دين النصرانية، فرغب وقارن دين المجوسية عن دين نصرانة. فرأى دين نصرانة أعظم، يعني أقرب الحس والعقل والذوق من هذا الدين، دين عبادة النيران. فلما رجع إلى أبيه أخبره بخبره أنه رأى كنيسة، ورأى أناسا، وأنهم على خير، فغضب الأب ومنعه وزجره وخاف عليه، فربطوه بالسلاسل حتى لا يخرج ولا ينشغل بأولئك. فقام السلمان بطريقة وبأخرى أرسل رسالة إلى أولئك أصحاب الكنيسة: أنكم إذا جاءكم تجار، طبعا عندما دخل معهم استفصل: أين دينكم؟ قالوا: في الشام، ولكن لنا عباد وعلماء. فلما حبس أرسل رسالة إلى أهل الكنيسة التي بجواره: أنه إذا جاءكم ركب من أهل الشام أخبروني. فجاء بعد فترة تجار من أهل الشام، جاء زار البلاد، فأخبر سلمان بطريقة أخرى أخبر بأن هناك مركبا جاء من الشام، ثم أخبر بخبر أنه متى ما آذنوا بالرحيل أخبروني. فثم أعلم سلمان أن القافلة على وشك الرحيل، فاستطاع سلمان أن ينخلع من قيوده ومن السلاسل ويهرب، فيهرب والتحق بالمركب حتى وصل إلى بلاد الشام. أول ما وصل إلى بلاد الشام وكان صادقا في نيته يريد اتباع الدين الحق، فسأل عن النصرانية فدل عليها، وقال: هذا هو دين النصارى، وهذا بلادها، وهذه عاصمتها الشام، فسأل عن أفضل أهل الناس دينا، فدل على رجل، قال: هذا من علمائنا، وهذا من رؤسائنا. فدخل عليه سلمان وعارض عليه الخدمة: أنا أعجب بهذا الدين، وأريد أن يكون خادما لك في الكنيسة، فقبله، قبله هذا العالم النصراني. إلا أن سلمان لما جلس في هذه الفترة الزمنية عند هذا العالم، وجده على أخس حال وعلى أشرها. ما الذي رأه؟ رأى هذا الوصف الموجود في القرآن: يأكلون أموال الناس بالباطل، رأى سلمان أن هذا الرجل كان يحث الناس على الصدقة ويرغبهم فيها، إلا أن المال متى ما تجمع أكنزه لنفسه، أكنزه لنفسه وجعله ماذا؟ في قلال مثل الجرار، جمع هذا المال في قلال ويخبئه ويخبئ ويخبئ، قال: ولا يعطي المساكين منها شيئا. هذا التأكل بالدين، يتأكل بالدين، يجعل هذا الدين شماعة حتى يأخذ أموال المساكين. فلما هلك هذا النصراني، هذا العالم النصراني هلك، فأراد الناس أن يصلوا عليه، ما استطاع السلمان أن يسكت عن فجور هذا الرجل، فقام للناس وأخبرهم بخبره: أن هذا العالم عالم سوء، وأنه ليس محل التقدير. فقال: وما علمك بهذا؟ كيف هذا العالمون؟ وكيف ترميه بهذا البهتان؟ قال: ما علمك به؟ فدلهم على القلال، فأخرجوا من بيته سبع قلال، مليئة ذهبا، جرة جرة وجرة، كلها ذهب، فعلموا أن هذا أذم هو مالهم، فغضبوا وقالوا: والله لا ندفنه أبدا، هذا ما يدفن. قال: فرجموه، فصلبوه ورجموه، جعلهم أصلوه على وجه الأرض، ثم رجموه ميتا، ورجم كذلك حنقا على حنق. ثم غادر سلمان إلى رجل آخر، في قصة مشهورة تذكر في مضانها. الحاصل إخواني في الله: أن ذلك كان مما سار عليه أهل الجاهلية، ومن كان قبلهم إلى هذه الأزمان، أن من أعظم صفات علم السوء أنهم يأكلون أموال الناس بالباطل. وسأتي معنا مزيد بحث حول هذه المسألة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.