الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح ابن القيم التحزب المحمود والمذموم، حيث يكون التحزب محمودًا عند اتباع السنة والدفاع عنها، ومذمومًا عند التحزب لأشخاص أو طوائف معينة. كما تطرق إلى جواز استعمال "لولا" في السبب الحقيقي.
يناقش استخدام "لولا" في اللغة العربية وضوابطها الشرعية، ويبين المحظورات في استخدامها مثل إضافة ما بعدها إلى غير سببها الشرعي أو الحسي. كما يشرح استخدامها مع الله ثم السبب الصحيح.
يُبرز أهمية الصحابة وأتباعهم في حفظ الدين وانتشار السنة، ويشبههم بالنجوم التي تهدي الناس. يُؤكد على دورهم في حماية الدين من الاضطراب والبدع.
يشرح معنى "وهلا" بكونها دعوة للإقبال الحثيث، ويتضمن دعاءً بأن يجعلنا الله وإياهم من الطيبين. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال ابن القيم رحمه الله في قصيدته النونية: أولئك أتباع الهوى وحزبه، ولولا هم ما كان في الأرض مسلمون. قال ابن القيم رحمه الله: قول «أولئك أتباع النبي وحزبه» أي طائفته الذين يتحزبون إليه وينصرونه. والمراد بحزب النبي صلى الله عليه وسلم من كان متبعًا له ومقتديًا بسنته، وهؤلاء هم حزب الله الذين أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم. وأما التحزب المذموم فهو التحزب لأشخاص وأفراد أو طائفة، يوالي ويعادي عليهم، هذه الحزبية المذمومة والوراء الضيق. أما التمسك بالسنة واللزومها والدفاع عنها والدعوة إليها، فهذا هو التحزب المحمود. وقوله «لولاهم ما كان في الأرض مسلم» يعني أنهم هم السبب الذي نشر الله به الإسلام. قالوا: هنا أطلق المؤلف قوله «لولاهم» لأن استعمال «لولا» في السبب الحقيقي الشرعي أو الحسي جائز، سواء ذكر معه الله عز وجل الذي هو مسبب الأسباب أم لم يذكر. استعمال «لولا» في السبب الحقيقي الشرعي أو الحسي فجائز، يعني من غير أن تقول «لولا الله» فتقول «لولا كذا» من غير ذكر له ذي جلالة، فهذا جائز. قالوا: ودليروا على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» يعني عمه أبا طالب. والمحظور في «لولا» أمران: أحدهما أن يضاف ما بعدها إلى غير سببه الشرعي أو الحسي، ومثال ذلك أن يقول القائل «لولا الولي فلان لحصل كذا» يعني لا سرقنا أو لا هلكنا أو لا غرقنا إلى آخر ذلك. قالوا: هذا الولي ليس حاضرا أو هو ميت، فهذا لا يجوز. والمحظور الثاني أن يقرنها مع الله بحرف يقضي التسوية كالواو، كان يقول «لولا الله وفلان» فهذا أيضا لا يجوز، حتى وإن كان السبب صحيحا. أما لو ذكر السبب الصحيح الشرعي أو الحسي مع الله مقترنا بثم، فهذا لا بأس به، كما لو قال «لولا الله ثم فلان». هذا صحيح، لولا الله ثم إعانة فلان لغرقته، هذا صحيح. قال ابن القيم رحمه الله: «ولولا هم ما كان في الأرض مسلم» فأضافه إلى سبب صحيح غير مقرون مع الله بالواو. هل يعني ذلك أنهم هم السبب الوحيد في انتشار الدين في الأرض؟ الجواب: لا، لأن أصل ذلك هو الرسالة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن أولئك كانوا حزبا للرسول صلى الله عليه وسلم وناصرين له، ففتح الله بهم من البلدان والقلوب ما لا يعلمه إلا الله عز وجل. يعني الصحابة ومن تبعهم هم السبب في نشر هذا الدين وهو الإسلام على هذه الأرض. قال رحمه الله: «ولولا هم كانت تميد بأهلها، ولكن رواسيها وأوتادها هم». قوله «تميد» الميد هنا ليس ميدا حسيا، الميد معنى الميد والاضطراب والتحرك. والمعنى لولاهم لاضطربت الأقوال واختلفت الآراء وفسدت الأرض. ولولا هم كادت تميد بأهلها عن الأرض، لولا هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم وأتباعهم الذين ساروا على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، لطربت الأرض واختلف الناس وضاع الدين وانتشرت البدع والمحدثات وماتت السنن. وهم الذين حموا حمى الله عز وجل بهم الدين بتمسكهم بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وصاروا كالأوتاد بالأرض. والوتد هي الحديدة الحادة التي تدق في الأرض ثم تربط بها الخيمة حتى لا تلعب بها الرياح. قال رحمه الله: «لولا هم كانت ظلاما بأهلها، ولكن هم فيها بدور أنجم». قوله «بدور أنجم» وهذا صحيح، فإن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم القائمين بسنته والداعين إليها هم البدور والأنجم النافعة للعباد والبلاد. فالله عز وجل جعل النجوم في السماء زينة لها وعلامات يهتدى بها ورجوما للشياطين. وهكذا أهل العلم والفضل وأهل السنة وأهل الحديث هم نجوم الأرض، زينة وضياء لأهلها. قال رحمه الله: «أولئك الأصحاب فحي هلا بهم، وحي هلا بالطيبين وأنعم». قوله «أولئك الأصحاب» أي صحبة دينية لا صحبة زمنية، يعني هؤلاء أصحاب في الدين من كل من كان على الحق والهدى وعلى السنة فهو صاحب لك. فهو يرحب بهؤلاء الذين هم على السنة اتباعا لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم. «فحي هلا» وصل حيا، يعني اسم فعل أمر، معنى أقبل. «وهلا» بمعنى إقبالا حثيثا، كأنه يقول أقبلوا إقبالا حثيثا وسريعا فإني مشتاق إليكم وإلى لقائكم. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم منهم طيبين. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.