الدرس في شرح القواعد المثلى 33، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المؤلف أن منهج الأشاعرة والماتريدية في الرد على الجهمية والمعتزلة يُعد بدعة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن البدعة لا تُدفع ببدعة. كما يوضح أن المعتزلة والجهمية يستطيعون استخدام نفس الحجة العقلية لنفي جميع الصفات، مما يسقط الفرق بينهم.
يوضح المقطع أن الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وقعوا في التناقض بنفيهم بعض الصفات أو كلها، وأن المخرج هو الرجوع إلى مذهب السلف بإثبات جميع الصفات دون تمثيل ولا تعطيل. كما يذكر القاعدة الأصولية: كل معطل ممثل لأن نفيه ناشئ عن تخيله المماثلة، وكل ممثل معطل لأن تمثيله ينفي الكمال اللائق بالله.
يبيّن المقطع أن المعطل للصفات يقع في التمثيل من وجهين: عطل الصفات خوفاً من التشبيه فصار ممثلا، وشبه الكمال بالنقص بنفي الصفات الواجبة. كما يوضح أن الممثل معطل من ثلاثة أوجه: تعطيل نص الصفة بحملها على صفات المخلوقين، وتعطيل نصوص التنزيه، وتعطيل كمال الله بتمثيله بالناقص.
يختم المقطع بالإشارة إلى أن الدرس القادم سيبدأ بالفصل الرابع الذي يتناول ذكر شبهات القوم والرد عليها بجواب شافٍ كافٍ. ويختتم بالتأكيد على أن الله أعلم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فالمؤلف رحمه الله يرد على الأشاعرة والماتريدية الذين يزعمون أنهم يواجهون ويقارعون الجهمية والمعتزلة، فبينا أن حجة الأشاعرة والماتريدية لا تندفع بها شبهة المعتزلة والجهمية، وذكر وجهين: الوجه الأول: أنه طريق مبتدع لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه. وذكر قاعدة مفيدة، وهو أن البدعة لا يمكن أن ندفعها ببدعة، سواء كانت علمية أو عملية. فالأشاعرة والماتريدية أرادوا أن يردوا على الجهمية والمعتزلة ببدعة أخرى، وهو إثبات بعض الصفات ونفي البعض الآخر. والمعتزلة نفوا جميع الصفات، نفوا جميع الصفات، فهم أرادوا أن يردوا على المعتزلة ويقولون: لا، لا تنكروا جميع الصفات، وإنما ما دل عليه العقل نثبته، وما لا يدل عليه العقل لا نثبته. فجعلوا الدليل في الإثبات والنفي العقل، وهذا مسلك باطل. فهذا وجه من وجهين رد به الشيخ رحمه الله على حجة الأشاعرة والماتريدية. ثم قال: الثاني: أن المعتزلة والجهمية يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة. ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام: أن المعتزلة والجهمية يقولون: نحن ننكر الصفات مثل ما أنكرتم أيها الأشاعرة والماتريدية الصفات ما عدا السبع. يثبتون سبع صفات، يثبتون سبع صفات. فالأشاعرة ماذا يقولون لأهل السنة عندما ينفون جميع الصفات إلا السبع؟ يقولون: إن الصفات التي نفيناها ما يدل عليها العقل. صح. فالجهمية والمعتزلة سيأتون بنفس هذه الحجة لأهل السنة، صح، فيقولون: نحن نفينا جميع الصفات لأن العقل ما دل عليها. إذن أيش الفرق الآن بين الأشاعرة والماتريدية، بين الجهمية والمعتزلة، وبين الأشاعرة والماتريدية؟ ما في فرق. هذا معنى قوله: يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة. أهل السنة لما يأتون عند الأشاعرة ويقولون: لماذا أنتم نفيتم جميع الصفات إلى السبع؟ ماذا يقولون؟ لأن العقل ما دل عليه. صح. فيمكن أيضاً للجهمية والمعتزلة أن يقولوا للأشاعرة والماتريدية: نحن نفينا جميع الصفات لأن العقل ما دل عليه. ثم تقولون: أهل السنة العقل ما دل عليه. نحن نقول لكم أيضاً: العقل ما دل عليه. أنتم هذا الآن. وهذه حجة قوية ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى. يقولون: إن المعتزلة يمكن أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية مثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة. فيقولون - يعني الجهمية والمعتزلة -: لقد أبحتم لأنفسكم نفي ما نفيتم من الصفات لما زعمتموه دليلاً عقلياً، وأولتم دليله السمعي - يعني من القرآن والسنة. فلماذا؟ ما زال الكلام هنا الآن للجهمية والمعتزلة يقولون للأشاعرة: فلماذا تحرمون علينا نفي ما نفيناه عندكم؟ ما ها أن تصوب هذا خطأ؟ فلماذا تحرمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلاً عقلياً، دليله السمعي؟ فلنا عقول كما أن لكم عقولا. فإن كانت عقولنا خاطئة، فكيف كانت عقولكم صائبة؟ عرفتم هذا الآن. يعني قد يقول الجهمي أو المعتزلي للأشعري أو الماتريدي: أنتم الآن نفيتم الصفات بالعقل، طيب، نحن نفينا الصفات بالعقل، طيب. فلماذا تحرمون علينا ما نفينا بعقولنا وتحلون لأنفسكم ما نفيتموه بعقولكم؟ فهمتم هذا الآن. فلنا عقول كما أن لكم عقولا. أنتم لكم عقول، نحن لنا عقول. لماذا أجزتم نفي ما نفيتموه بعقولكم ولم تجيزوا لنا نفي ما نفينا بعقولنا؟ فالدليل هنا قال: فلنا عقول كما أن لكم عقولا. فإن كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة؟ وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا خاطئة؟ وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم واتباع الهوى. هذا كلام الجهمي والمعتزلي للأشعري. واضح هذا الآن. فأنتم نفيتم ونحن نفينا، وأنتم يعني أصبتم فيما نفيتموه، ونحن أصبنا في جميع ما نفينا. كلنا حجة العقل. واضح هذا الآن. قال: وهذه حجة دامغة. ومعنى دامغة: يعني قوية، تدمغ بمعنى تلجم الخصم وتدمغه، يعني تخرصه. وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا مدفع لذلك، ولا محيص - يعني هروب - عنه إلا بالرجوع لمذهب السلف. إذن يرد على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية بلزوم مذهب السلف. وما هو مذهب السلف؟ إثبات جميع الصفات. إثبات جميع الصفات، لا كل صفات، ولا بعض الصفات، بل إثبات جميع الصفات إثباتاً يليق بالرب سبحانه وتعالى. هذا هو الذي يلزمهم. إلا بالرجوع لمذهب السلف. لماذا بالسلف؟ الذين يطردون هذا الباب. الباب، ومعنى يطردون: يعني يجعلوه في جميع الصفات، لا في بعضها دون البعض، ويثبتون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، إثباتاً لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيهاً لا تعطيل فيه ولا تحريف. ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. هذا هو معتقد أهل السنة الذي ما فيه الاضطراب، وما فيه كذلك إلزام، وما فيه كذلك تردد، ولا شيء. إثبات جميع الصفات كما ذكر الشيخ: إثباتاً لا تمثيل فيه ولا تكييف. وعرفنا معنى التمثيل والتكييف. وتنزيهاً، ومعنى تنزيهاً: يعني تنزه عن كل عيب ونقص. لا تعطيل فيه، بمعنى لا نفي. ولا تحريف، بمعنى لا صرف له عن ظاهره. ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. بمعنى أن المعتزلة والجهمية والأشاعرة والماتريدية لم يجعل الله لهم نوراً، فأطمس الله على بصيرتهم فضلوا في هذا الباب. واضح هذا. قال المؤلف: تنبيه. إذن انتهى الآن من الرد على المعتزلة والجهمية والأشاعرة والماتريدية، وركز أكثر الشيخ في الرد على الأشاعرة والماتريدية لأن مذهبهم فيه شيء من التغرير، وفيه شيء من التلبيس، لأنهم لم ينفوا جميع الصفات، إنما نفوا بعضها وأثبتوا البعض، بخلاف الجهمية والمعتزلة فإنهم نفوا جميع الصفات جملة وتفصيلاً. قال المؤلف: تنبيه. علم مما سبق أن كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل. هذه قاعدة: كل معطل ممثل. وعرفنا معنى التعطيل: التعطيل معناه نفي الصفة. طيب، ينفيها ولا يثبتها. والتمثيل: بمعنى إثبات مماثل لله سبحانه وتعالى. واضح، وهو أشمل من التشبيه. فالمماثل قد يكون له صورة وقد لا يكون له صورة. صح. أما التشبيه فيكون بصورة. فما معنى كل معطل ممثل؟ يعني أن الذي نفى الصفة، ما الذي دفعه إلى نفي هذه الصفة؟ التمثيل أولاً. فإذا قيل للأشعري أو الماتريدي في قول الله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، قال: لا، نعمته، ليست اليدين الحقيقيتين. قيل له: لماذا؟ ما يمنعك من أن تثبت لله عز وجل يدين؟ قال: أعوذ بالله، كيف الإنسان له يدين؟ فإذا أثبتنا اليدين لله شبهنا الخالق بالمخلوق. إذن هنا أولاً: ماذا مثل؟ صح، مثل هنا. لماذا عطل الصفة؟ لأنه تصور أولاً التمثيل. فإذن كل معطل ممثل. واضح هذا الآن. وكذلك كل ممثل معطل. فلو قيل لممثل: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: استوى كاستوائي أو كاستواء فلان. فالآن هل أثبت الصفة لله؟ ما أثبت الصفة لله. لأن التمثيل فيه نفي للصفة التي تليق بجلال الله عز وجل. فهو إذن ماذا؟ معطل. معطل هذه الصفة. فتصح هذه القاعدة: كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل. وسيبين الشيخ زيادة بذكر أوجه تدل على ذلك. قال: أما تعطيل المعطل فظاهر. يعني نفي الصفة هذا ظاهر. قال: ﴿لَهُ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: لا، الله ما يستوي. هذا عطل الصفة. ليس لله يدين، ليس لله يدان، وليس لله وجه. هذا تعطيل واضح ظاهر. تمام. قال: وأما تمثيله، كيف المعطل يكون ممثل؟ قال: فلأنه إنما عطل لاعتقاده أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، كما ذكرنا. قال للأشعري: لماذا ما تثبت الوجه لله عز وجل؟ قال: لأننا لو أثبتنا شبهنا الخالق بالمخلوق. إذن هو الآن مثل. فدفعه هذا التمثيل إلى ماذا؟ إلى التعطيل. عرفتم هذا الآن. فلذلك يقول الشيخ: فلأنه إنما عطل لاعتقاده أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه. فمثل أولاً، وعطل ثانياً. كما أنه بتعطيله مثله بالناقص. لما مثل وقال: يلزم من إثبات الصفة تمثيل الخالق بالمخلوق. هنا مع أنه عطل، فإنه مثله بالناقص، وهو المخلوق، وهو المخلوق. فلذلك المعطل ممثل من وجهين: الوجه الأول: أنه عطل بناءً على أن النصوص تستلزم التمثيل، وهذا فيه... وهذا فيه... وهذا فيه تمثيل. والوجه الثاني: أنه إذا عطل الله عن كماله الواجب، مثله بالناقص، وهو مثل. طيب. لأنه اعتقد أن في إثباته للصفة تشبيهاً للخالق بالمخلوق. وهنا مثل الكامل بالناقص، مثل الرب سبحانه وتعالى بذلك المخلوق، لذلك المخلوق. فلذلك يكون ممثلا لهذين الوجهين. لهذين الوجهين: أنه مثل أولاً، ثم مثل بالناقص، مثل الكامل سبحانه وتعالى بالناقص. قال المؤلف: أما تمثيل الممثل فظاهر. يعني: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: استوى كاستوائي. هذا ظهر أنه ممثل. لكن كيف يكون معطل؟ كل ممثل معطل. كيف يكون الممثل معطلاً؟ قال: وأما تعطيله فمن ثلاثة أوجه. يكون معطلاً من ثلاثة أوجه. ما هي؟ قال: الأول: أنه عطل نفس النص، لأنه لم يثبت الاستواء الذي يليق بالله. فقوله: يستوي كاستوائي، هذا فيه تعطيل للنص. النص يقول: استواء يليق بجلاله، ويقول: لا، استواء كاستوائي. فهذا تعطيل، أو ليس بتعطيل؟ قلنا: التعطيل بمعنى نفي. فهو بالحقيقة نفى هذه الصفة، ما أثبتها لله. واضح. فهذا معنى قوله: أنه عطل نفس النص الذي أثبت به الصفة، حيث جعله دالاً على التمثيل، مع أنه لا دلالة فيه عليه، وإنما يدل على صفة تليق... تليق بالله عز وجل. فقوله: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، نعم استواء، لكن استواء يليق بجلاله، لا كاستواء المخلوق. واضح. فهو هنا عطل الصفة لأنه لم يثبتها على حقيقتها، إنما مثل فيها. واضح. هذا وجه كون الممثل معطل. قال الثاني: أنه عطل كل نص يدل على نفي مماثلة الله لخلقه، يعني النصوص العامة. فهو أيضاً معطل للنصوص العامة، مثل قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فالذي يمثل يعطل هذا النص. الله عز وجل يقول: ليس كمثله شيء. هو يقول: لا، استواء الله كاستواء، ووجه الله كوجه. تعالى الله عن ذلك علواً عظيماً. واضح هذا الآن. فإذا الممثل عطل النصوص العامة أيضاً. فقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. كل هذا عطل. من عطل؟ الممثل. وهذا فيه تعطيل. قال الثالث: أنه عطل الله تعالى عن كماله الواجب، حيث مثله بالمخلوق الناقص. فهو لما يقول: استوى كاستوائي، شبه الكامل بالناقص. وهذا فيه نفي لصفة الكمال لله عز وجل. فهو تعطيل لكمال الله. طيب. تمثيل الممثل تعطيل لكمال الله عز وجل. وهذا فيه أيضاً شيء من التعطيل. وبهذا نكون قد انتهينا من مبحث قواعد أدلة الأسماء والصفات، وهذه هي القاعدة الرابعة. وفي الدرس القادم إن شاء الله نشرع في الفصل الرابع، وهو ذكر بعض شبهات القوم، ورد الشيخ عليها بجواب شافٍ كافٍ، إن شاء الله تعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم.